التقويم
عقد اجتماعي
د. باسم الذهبي
تتجسد
مشكلة
المسلمين
اليوم في
اضطرارهم للتعامل
مع تقويمين
يستعمل
أحدهما لضبط
الحياة
المدنية والثاني
لضبط مناسك
العبادة من
صيام وحج وصلاة.
ولا نفتأ
نحاول أن نقحم
تقويمنا
الهجري الذي
نريده لضبط
مناسك
العبادة في
التقويم الميلادي
الذي نستعمله
لضبط الحياة
المدنية ناسين
أن التقويم في
جوهره يمثل
عقداً
اجتماعياً
يعكس ارتباط
الإنسان
بالكون وفهمه
له.
فالمسلم
الذي يؤمن أن
الإسلام
رسالة كونية
شاملة لا يرضى
بفصل الدين عن
الدنيا و لا
بفصل مواقيت
الصلاة و
الصوم عن
مواعيد قضاء
الديون أو استحقاق
الأجور أو
تنظيم أمور
المجتمع بكل
تفصيلاتها و
تعقيداتها.
و
يزيد الأمر
حساسية أن
تنظيم أمور
المجتمع لا
يستقل نها
المجتمع المسلم
عن المجتمعات
الأخرى،
فمواعيد سفر
الطائرات و
تبادل
الخدمات و
ترتيب
الإجتماعات و
الإلتزامات
أصبحت
متداخلة بشكل
كبير و من غير
الممكن
عملياً أن
نتحدث عن
معيار زمني
يمكن أن يقع
الخلاف في
بدايته أو
نهايته عند
التعامل بين
الأمم و
الشعوب.
و
لقد كان من
الممكن
للمجتمعات
القديمة أن
تضع لنفسها أي
تقويم يناسب
تصورها للزمن
و وحدته
المعيارية و
كان هذا الأمر
لا يسبب
عملياً أي
مشكلة أو حرج
نظراً لتباعد
المسافات و
استقلال كل
بلدة بحساب تقويمها.
ولكن العصر
الحديث و ما
جاء به من وسائل
المواصلات و
الإتصالات
جعل الكون كله
قرية صغيرة
تتداخل
مصالحها و
شؤونها بشكل
يستعصي على
الفصل و
التمييز.
فمشكلة
إثبات هلال
رمضان وشوال
هي من المشكلات
الموسمية
التي تبرز على
سطح ساحات
الحوار والنقاش
بين المسلمين
في الولايات
المتحدة لتعود
وتغيب مع
نهاية عيد
الأضحى ثم
لتعاودنا من
جديد مع قدوم
شهر رمضان
آخر. ويعكس
بروز النقاش
ثم غيابه بهذا
الشكل
الموسمي
الحالة
الفكرية
والنفسية
للمسلمين و
التي يغيب
فيها معنى
التقويم و يغيب
معها أيضاً
الفهم
المتوازن
لطبيعة الإسلام
الذي لا يمكن
فيها فصل
العبادة عن
الحياة.
وتعكس
الحوارات
والنقاشات
أبعاداً
تتجاوز الآراء
الفقهية
وآليات
الإثبات
وقواعده، فهذه
المشكلة
الموسمية ما
هي في جوهرها
سوى انعكاس
للمشكلة
الحضارية
التي تعيشها
الأمة المسلمة،
والتناقض
الذي يعيشه
المسلمون في
محاولاتهم
المتأرجحة
للتوفيق بين
مفاهيمهم التراثية
في عصر ثورة
الاتصالات
والتقنيات. فالحديث
عن رؤية
الهلال
وإثبات بداية
الشهر الهجري
لا تزال تقتصر
على الصيام
والحج، وكأن
الهلال والقمر
لا يأتيان سوى
في رمضان
وشوال وذي
الحجة لنبقى
سعداء بعدها
في التحدث عن
شباط وآذار وتشرين.
إنه الإعتراف
الضمني بفصل
الدين عن الحياة
و فصل الشعائر
عن بقية
مكونات
الثقافة،
بمعنى أن
اهتمامنا
بالتقويم
الهجري مرتبط فقط
بقيامنا
بشعائر
العبادات من
صيام وحج وليس
له أي تأثير
في حياتنا
المدنية
الأخرى التي
نستخدم فيها
تقويماً آخر.
وكأننا
سعيدون في اتباعنا
لتقويم
الآخرين ولا
نتحرج إلا في
مواسم
العبادة فقط
وننسى أن
الفقهاء
والعلماء الذين
تحدثوا في
اختلاف
المطالع وفي
وحدتها كانوا
يرصدون هلال
كل شهر، وما
كانت تعنيهم
شهور أيار
وتموز وآب ،
وما كانت
سنتهم 365
يوماً، وما
كان يومهم
يبدأ في منتصف
كل ليلة.
والحديث
عن إثبات هلال
رمضان وشوال
لا يستقيم إلا
ضمن مفهوم
واضح للتقويم
إذ أن الأمر
لا يرتبط فقط
بالصيام
والإفطار، بل
يرتبط بتصور الأمة
لدينها و
لمكانها بين
الأمم و آليات
الوفاء
بالعقود و
الإلتزامات
في التبادلات
بشكل متوازن و
منضبط مع
مواقيت
الشعائر و
العبادات. و
أظن أن غياب
هذا البعد في
الحوار الدائر
عن إثبات
الهلال ينطوي
على خلل تصوري
و اعتقادي لا
بد من معالجته
لتتحدد
الأولويات و
المقاصد
بعيداً عن
الإستغراق في
الفرعيات و الوسائل.
التقويم
– تعريفاً – هو منظومة
وحدات زمنية من أجل
حساب الوقت
على مدى فترة
طويلة من
الزمن. وتتأتى
الغاية من وضع
التقويم من
الرغبة في ترتيب
وحدات الوقت
للإيفاء
بحاجات
المجتمع
المدنية و
التعبدية.
ويقوم
التقويم
إضافة إلى
إيفائه لهذه
الحاجة
العملية من
حيث ترتيب
الوقت وحسابه
بإعطاء الفرد
والمجتمع
إيحاء (و إن
كان خُلّبياً)
بالقدرة على
السيطرة على
الوقت
والمستقبل.
وبما أن
التقويم يقوم
بالربط بين
الإنسان
والكون فلا
عجب أن يحظى
التقويم
بأهميته
لدوره في تنظيم
المجتمع من
ناحية وفي
منحه الشخصية
الثقافية
والفكرية من
ناحية أخرى. واستناداً
لبحث علمي في
عام 1987 فإن
هناك حوالي 40 تقويماً
في العالم
اليوم. وبغض
النظر عن التعقيد
العلمي
لخلفية أي
تقويم فإن
علينا النظر إلى
التقويم على
أنه عقد
اجتماعي
ينسجم مع
المنظومة
الفكرية
والتصورية
للكون لأي
مجتمع ما.
هناك
ثلاث دورات
رئيسية تشكل
الأسس
الحسابية للتقاويم
:
اليوم
: ويستند إلى
دوران الأرض
حول نفسها
الشهر:
ويستند إلى
دورة القمر
حول الأرض
السنة:
وتستند إلى
دوران الأرض
حول الشمس
وتأتي
تعقيدات
التقاويم
واختلافها من
حقيقة أن هذه
الحركات
الدورية لا
تحتوي عدداً
صحيحاً من
دورة اليوم
إضافة إلى
أنها غير
ثابتة وغير
متطابقة مع
بعضها:
·
السنة
(السنة
المدارية)
وتمثل متوسط
الفترة بين
الانقلابات
الربيعية
وتقدر بـ 365.25
يوماً.
·
الشهر
(الشهر
المحاقي)
وتتمثل
بمتوسط
الفترة بين
تطابق الشمس
والقمر.
·
السنة
القمرية، وهي
انقضاء 12
شهراً
محاقياً أي 354.36
يوماً.
وينتج
عن هذه
الدورات
تقاويم عديدة
أشهرها شيوعاً
واستخداماً
هي (1)
التقويم
الشمسي
(التقويم
الغريغوري)،
وهو ما نعرفه
اليوم بالتقويم
الميلادي
لربط بداية
العد فيه
بولادة السيد
المسيح عليه
السلام؛ (2)
التقويم
القمري،
والذي يمثله
التقويم الهجري
والذي يعتمد
الدورة
القمرية بغض
النظر عن السنة
المدارية
(الفصول)، و (3) التقويم
الشمسي
القمري، وفيه
تعتمد الأشهر
القمرية غير
أن شهراً
إضافياً يضاف
كل بضعة أعوام
لإعادة
التزامن مع
السنة المدارية ومثال
ذلك التقويم
العبري
والتقويم
الصيني.
وتمثل
السنة الوحدة
الأساسية في
التقويم، وترتبط
بدورة الأرض
حول الشمس
(الفصول)
ويمثل الشهر
توزيعاً
اصطلاحياً
لتقسيم السنة
إلى اثني عشر
شهراً.
ولهذا
فالشهر في
التقويم
الميلادي لا
ارتباط له
نهائياً
بالتعريف
الفلكي للشهر
(الشهر القمري)
سوى مشاركته
بالاسم ويبدأ
اليوم الذي يرتبط
بدورة الأرض
حول محورها
اصطلاحياً في الساعة
الثانية عشرة
عند منتصف
الليل. ويبدأ الشهر
اصطلاحياً مع
بداية اليوم.
بمعنى أن
التقويم الميلادي
يلتزم تزامن
بداية الشهر
مع بداية اليوم،
وبداية السنة
مع بداية
الشهر، ويقوم بالتعامل
مع حقيقة أن
الدورة
السنوية لا
تحتوي
أعداداً
صحيحة من
الدورة
اليومية
بإضافة يوم كل
أربع سنوات
(السنة
الكبيسة)
ويضيفها اصطلاحياً
لشهر شباط.
وتجدر
الإشارة هنا
إلى أن السنة
في التقويم الميلادي
(السنة
المدارية)
تستند في
أساسها إلى
الفصول
المناخية
ولهذا فهي
ترتبط
بالدورات
الزراعية
والفيضانات
النهرية أي
أنها مبنية في
تصورها
الكوني على
الحياة
المدنية دون أن
يكون لها
علاقة بشعائر
العبادات.
ويمثل
الشهر الوحدة
الأساسية في
التقويم الهجري
(القمري)
والشهر
القمري يرتبط
بدورة القمر
حول الأرض،
بينما تتمثل
السنة وحدة
مستقلة تمتثل
بانقضاء اثني
عشر شهراً.
"إن
عدة الشهور
عند الله اثنا
عشر شهراً في
كتاب الله يوم
خلق السموات
والأرض منها
أربعة حرم"
(التوبة 36)
ويبدأ
اليوم في
التقويم
الهجري والذي
يتمثل بدورة
الأرض حول
محورها لحظة
غروب الشمس،
ولهذا يتقدم
الليل النهار
في اليوم
الهجري.بينما
يبدأ اليوم في
التقويم
الميلادي
بليل يتبعه
نهار يتبعه
ليل. و بما أن
اليوم في
التقويم الهجري
يبدأ بليل
يتبعه نهار
لهذا يكون
الصيام في
الجزء الثاني
من اليوم."أحل
لكم ليلة
الصيام الرفث
إلى نسائكم...
ثم أتموا
الصيام إلى
الليل" (البقرة ). و لا بد
من الإشارة
هنا أن تقدم
الليل النهار
في اليوم
الهجري يجعل
الصلوات متوازنة
في توزعها
خلال اليوم
وتجعل من
الفجر الصلاة
الوسطى وليس
العصر. انظر
تفسير ابن كثير
للآية
الكريمة
"حافظوا على
الصلاة و الصلاة
الوسطى و
قوموا لله
قانتين"
(البقرة ). وبما أن
دورة القمر لا
تحتوي عدداً
صحيحاً من
دورة اليوم
فليس هناك
تزامن بين
بداية الشهر
وبداية اليوم.
وكذلك لا يبدأ
الشهر الهجري
أو السنة
الهجرية في
لحظة بداية
يوم هجري.
ومن
الواضح بعد
هذه المقدمة
أن لا توافق
بين التقويمين
الميلادي
والهجري لا
على صعيد اليوم
ولا على صعيد
الشهر ولا على
صعيد السنة.
وكما
تحدثنا
سابقاً فإن
الشهر القمري
يشكل الوحدة
الأساسية في التقويم
الهجري. ولهذا
فإن تحديد
بداية الشهر المرتبطة
بدورة القمر
حول الأرض هو
أمر في غاية
الأهمية.
ويدرك
المتحدثون عن
ربط بداية
الشهر الهجري برؤية
الهلال أن
رؤية الهلال
أمر نسبي
يعتمد على
شروط عديدة
منها عمر
القمر
(الساعات التي
انقضت بعد
المحاق)
والموقع والطقس.
واستناداً
لقاعدة رؤية
الهلال يتعذر
على المسلمين
بناء تقويم
هجري يضبط
مناسك العبادات،
بمعنى أن
المسلمين
استناداً إلى
هذه القاعدة
ينتقلون من
شهر إلى آخر
كلما أبصروا هلال
شهر جديد. ويأتي
السؤال هنا
فيما إذا كان
من مقاصد
الشارع
سبحانه
وتعالى أن يضبط
المسلمون
حياتهم
المدنية
ومناسكهم
بتقويم، أو أن
حكمته تقتضي
انتقالهم من
شهر إلى آخر.
وأتساءل
هنا فيما إذا
كان قوله
تعالى: " هو
الذي جعل
الشمس ضياء
والقمر نوراً
وقدره منازل لتعلموا
عدد السنين
والحساب ما
خلق الله ذلك
إلى بالحق
يفصل الآيات
لقوم يعلمون"
(يونس 5)،
وقوله:
"وجعلنا
الليل
والنهار
آيتين فمحونا
آية الليل
وجعلنا آية
النهار مبصرة
لتبتغوا
فضلاً من ربكم
ولتعلموا عدد
السنين والحساب
وكل شيء
فصلناه
تفصيلاً " )الإسراء
12 ( ما هي إلا
إشارة واضحة
لضرورة وضع
تقويم يضبط
حياة المسلم
المدنية
والتعبدية
مما يؤدي بنا
إلى فهم
الحديث
النبوي
الشريف (صوموا
لرؤيته.. ) على
أنها إشارة
لآلية من
آليات إثبات
الشهر وليس
قاعدة لبناء
التقويم الذي
لا يمكن أن
يكون إلا
شهرياً في
أحسن الأحوال.
وأما إذا
استندت بداية
الشهر إلى
لحظة المحاق
(والتي يمكن
حسابها
فلكياً بدقة
معقولة).
أو إلى قاعدة
ترتبط بها
أمكننا عند
ذلك وضع تقويم
هجري محلي أو
عالمي.
وتبقى
هناك نقطة
مهمة هي أن
بداية الشهر
إن اعتمدت على
رؤية الهلال
بصراً أو حسبت
استناداً
للمحاق فإنها
لا تتزامن
بالضرورة مع
بداية يوم
هجري (لحظة
الغروب) ولا
يوم ميلادي
(لحظة منتصف
الليل) لهذا
فلا بد من وضع
قاعدة تتحدث
على أن الشهر
يجب أن يدخل
قبل بداية يوم
جديد، أو
القول
باعتبار اليوم
مرتبطاً
ببداية الشهر
رغم بدئه.
يتمحور
الخلاف بين
تقويم الـ ISNA وتقويم
تقويم أم
القرى في أن
السعودية
تعلن إثبات
بدء الشهر
الهجري
استناداً إلى
رؤية (بصرية)
بينما تستحيل
الرؤية
البصرية
وقتئذ ( انظر
الملحق ). وتتحدث
ISNA أن
السعودية
تثبت الشهور
حسابياً استناداً
إلى المحاق
وأن تقويم أم
القرى في جوهرة
يستند
حسابياً إلى
أن الشهر
الجديد يدخل بتحقق
شرطين: حدوث
المحاق قبل
المغرب و غروب
القمر بعد
غروب الشمس،
وليس هناك من
رؤية بصرية. غير أن
الـ ISNA
وكل الفلكيين
تعود لتقول أن
وضع تقويم
لابد أن يكون
حسابياً إما
استناداً إلى
المحاق أو إلى
قاعدة ترتبط
به. وقد
قامت الـ ISNA بالتحدث
عن قاعدة
جديدة
(حسابية)
لتحديد دخول
الشهر الجديد
مماثلة لتلك
التي
تستعملها السعودية
مع فارق بسيط
هو اشتراط
مرور عدد من
الساعات بين
حدوث المحاق
وغروب الشمس،
بحيث تزداد
احتمالية
الرؤية
البصرية في
مكان ما من
الكون.
وعلينا أن
نقرّ هنا أن
هذه القاعدة
الجديدة
لبناء تقويم
هجري لا تختلف
في جوهرها عن
تلك التي تستعملها
السعودية،
فهي حسابية
بالنتيجة ولا
تستند إلى
الرؤية
البصرية إذ لا
يمكن رؤية ما
لم يأت بعد.
وإذا
قبلنا بالأسس
الحسابية
التي
تستعملها السعودية
(دون الرؤية
البصرية) أو
بالقاعدة المقترحة
الحسابية
أمكننا وقتئذ
وضع تقويم مستقبلي
يضبط الحياة
المدنية
ومناسك
العبادات،
وأما إذا
اعتبرنا أن
الحديث
النبوي الشريف
(صوموا
لرؤيته... ) هو
الآلية
الوحيدة للإثبات
فإن علينا أن
نقر أن التحدث
عن التقويم الهجري
المستقبلي
غير ضروري ولا
حاجة له.
وكذلك على
الذين
يتحدثون عن
الرؤية
البصرية حلَّ
إشكالية
بداية يوم قبل
بداية شهر،
أكان هذا اليوم
هجرياً أم
ميلادياً.
وهنا علينا التذكير
بأن التقويم
المستقبلي
(الهجري) يمكن
أن يكون
محلياً علماً
بأن القاعدة
التي اقترحتها
الـ ISNA
لإثبات بداية
الشهر الهجري
يمكن أن
تستخدم لتطوير
تقويم هجري
عالمي.
***
كُتب هذا
المقال قبل
إعلان الـ ISNA أنها
سوف تعتمد
تقويمها
الهجري
العالمي
المستند
للحساب والذي
أفتى به مجلس
الفقه
القارّي
الأمريكي
واعتمده لأول
مرة في رمضان 1427
هذا.