مصطلح الإجماع

إشكالية المفهوم بين المثالية و الواقعية

عرض و تلخيص

 

نشرت مجلة إسلامية المعرفة في العدد الحادي و العشرون مقالاً مـسهباً للدكتور قطب سانو تحت عنوان " في مصطلح الإجماع الأصولي " تعرض فيه لبيان مفهوم الإجماع و تاريخ نشأة و  تطور هذا المفهوم .

وقد وجدت أسرة " الرشاد " في هذا المقال محاولة أصيلة في تجديد و تفعيل هذا المفهوم و إعادته إلى دوره الذي كان يؤديه في عصر النبوة و عصر الخلفاء الراشديـن، فأحبت أن تشارك الأخوة القراء هذا الطرح المقاصدي المتميز .

 

يعدُ الإجماع عند جمهور علماء المسلمين أحد مصادر التشريع و يلي السنة عندهم في الترتيب . فالمجتهد الباحث عن حكم الله في حادثة أو نازلة يرجع إلى القرآن و السنة فإن لم يعثر على حكم فيهما فإنه يلوذ بالإجماع للتعرف على حكم الله في تلك النازلة . و إنكار الإجماع بعد ثبوته يُخرج المنكِر من المـلة و هو عند أكثر الأصوليين حجة قطعية و ينسب إلى البدعة أو الضلال أو الكفر  من خالفه أو أنكره .

و نظراً لهذه المكانة العالية للفكرة الإجماعية في الفكر الأصولي فإن هناك حاجة ماسّة لتحقيق القول في مصطلح الإجماع و تحديد موقعه من ثنائية المثالية و الواقعية في الفكر الإسلامي . و هناك أيضاً أهمية علمية للقيام بمراجعة نقدية للمعاني التاريخية و الحمولات الفكرية التي حمـّل بها هذا المصطلح عبر تاريخ الفكر الأصولي . و تهدف هذه الدراسة إلى التوصل إلى ضبط علمي و منهجي محكم لمفهوم مصطلح الإجماع و مجالات توظيفه ليغدو بذلك مصطلحاً ذا معنى واقعي و مؤثر في توجيه حركة الحياة وفق المنهج المراد لله تعالى على مستوى الفرد و على مستوى الأمة .

إن القناعة بأن نشأة مصطلح الإجماع يعود إلى العصر الراشدي على أقصى تقدير تحتاج إلى إعادة النظر إذ أنها تتضمن إسقاطاً تاريخياً لمضمون متأخر محدَث على مصطلح علمي قديم. فمفهوم الإجماع في عصر الرسالة يجب أن لا يتضمن المعاني التي أعطاها إياه العلماء في العصور اللاحقة ، كما أن مفهومه في عصر الخلفاء الراشدين يجب أن لا يكون تبعاً لما آل إليه الأمر في العصور اللاحقة بذلك العصر . و من ثمَّ فإن الإحتكام  إلى المعاني الجديدة المستحدثة للمصطلح و اتخاذ تلك المعاني أساساً للحكم على مدى وجود المصطلح و عدمه لا يعدو أن يكون إسقاطاً لا يقبله البحث العلمي النـزيه .

 

و إذا أردنا البحث عن تاريخ نشأة مصطلح الإجماع فتحسن البداية بمعرفة المعنى اللغوي لهذا المصطلح و هو الوصول إلى إتفاق ناتج عن تشاور أهل العلم و المعرفة و الدراية في قضية أو نازلة من النوازل . و انطلاقاً من هذا المعنى فيمكننا أن نقرر أن مصطلح الإجماع بهذا المعنى كان مستعملاً في عهد النبي الكريم صلى الله عليه و سلم .

فنصوص القرآن و السنة تقرر بشكل جلي المنهج الجماعي الذي كان الرسول الكريم يتبعه في التعامل مع النوازل العامة . فإن من المتواتر عنه أنه كان يدعو – الصلاة جامعة – ليحاور الصحابة في النوازل و المستجدات التي كانت تداهم حياة الجماعة المسلمة في المدينة . فالفكرة الإجماعية كانت موجودة في عصر الرسالة و تتمثل في العلاقة بين الشورى و الإجماع . فالشورى هي مقدمة ضرورية للإجماع حيث لا إجماع بلا شورى و الإجماع في الوقت نفسه هو إحدى نتائج الشورى و ذلك عندما يكون هناك اتفاق بين المتشاورين حول المسألة موضوع التشاور .

إن مصطلح الإجماع بمشتقاته اللغوية التي انبثقت منها المعاني الإصطلاحية فيما بعد، كان موجوداً و مستعملاً في عصر الرسالة ، و لكنه لم يتم استخدامه في ذلك العصر كمصطلح علمي ينصوي تحت فن من الفنون ، بل كانت فكرة الإجماع تتمثل في تشاور أهل المعرفة و الرأي و رجال القيادة و الحكم في نازلة من النوازل التي تعم فيها البلوى و تمس حياة المجتمع و ذلك بغية الصدور عن رأي جامع في تلك النازلة . فنشأة الفكرة الإجماعية ارتبطت بنشأة الجماعة الإسلامية كـكيان سياسي متميز بالمدينة المنورة يوم قامت للمسلمين دولة في يثرب .

و قد تمثلت فكرة الإجماع في تبني المنهج الجماعي في القضايا و النوازل و المستجدات التي تعم فيها البلوى و تشمل جميع أفراد الأمة حديثة التكوين . و كان لهذا الإجماع دور كبير في الإستقرار و الأمن الذي طبع سياسة الأمة في تلك الفترة . فعموم الأمة كانت تتحمل تبعة الرأي الجماعي الذي يشكله أهل الشأن و الدراية بموضوع الإجماع .

و في عصر الخلفاء الراشدين كان منهج الخلفاء و الصحب امتداداً للمنهج النبوي في معالجة الأزمات و النوازل و كان منهجهم انعكاساً للتربية النبوية التي ربى النبي الكريم أصحابه عليها خلال سنوات البعثة .

فكانت سياسة الصدّيق أبو بكر في مواجهة الأحداث و النوازل أن يجمع الصحابة و يستشير أعيانهم و أولي الأحلام منهم ثمّ الصدور عن الرأي الذي يتوصل إليه أهل العلم و المعرفة و الدراية . و أما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فإن منهجه في معالجة النوازل العامة هو ما أكده الإمام أبو عبيدة في كتاب " القضـاء " عندما قال : و كان عمر يفعل ذلك – أي مثلما كان يفعل أبو بكر – فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب و السنة ، سأل : هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء ؟ فإن كان فيه لأبي بكر قضاء قضى به و إلا جمع الناس و استشارهم فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به .

و قد نقل الإمام الدارمي في مسنده عن المسيب بن رافع واصفاً المنهج الجماعي الذي كان الصحب الكرام ينتهجونه في التصدي للنوازل العامة ، و قال ما نصّه : كانوا إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر ، اجتمعوا لها و أجمعوا ، فالحقّ فيما رأوا .

 و على هذا يمكن القول بأن مفهوم الإجماع في هذا العصر لم يشهد تغييراً ذا بال على مستوى المحتوى و المنهج و لكنه شهد تويعاً في استخدامه و توظيفه في سائر النوازل و الحوادث التي داهمت الحياة الإسلامية في ذلك العصر و ذلك نتيجة تنوع و تتابع الأزمات و النوازل على الساحة الإسلامية .

على أن الجدير بالذكر و التقدير أن الصحب الكرام ظلوا محافظين على استخدام هذه الوسيلة في القضايا و الشؤون التي تعم فيها البلوى و لم يستجرّوه  للفصل في القضايا الخاصة . و لعل تكثيف استخدام الإجماع في هذا العصر هو الذي دفع الكاتبين في  تاريخ نشأة  الفكرة الإجماعية إلى اعتبار العصر الراشدي هو العصر الذي ظهر فيه هذا المصطلح ، و الحال أن معنى المصطلح و محتواه كان موجوداً و حاضراً و فاعلاً في حياة الأمة في عصر الرسالة على مستوى توجيه النوازل السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية التي تنزل بالمسلمين آنذاك . و قد حان الأوان لأن يعاد النظر فيما تصر المدونات الأصولية عليه من اعتبار الفكرة الإجماعية فكرةً ناشئة في العصر الراشدي ، كما أنه من الجدير بالمراجعة و التجاوز رأي الذين حصروا مصدرية الإجماع في العصر الراشدي دون سواه من العصور اللاحقة و السابقة .

و نظرة متفحصة في المنهج الذي كان يتبعه خلفاء بني أمية و خلفاء بني العباس في التصدي للنوازل و الحوادث العامة خلال سني حكمهم تهدينا إلى القول بأن الإجماع أخذ يتراجع و يغيب كوسيلة لمواجهة الأزمات و أصبح أهل العلم و الدراية و المعرفة في ذلك العصر في واد و رجال الحكم و السياسة و القيادة في زاد آخر و غدا ثمـّة فصام نكد و قطيعة عميقة بين رجال السيف و الحكم و أهل القلم و العلم . و هنا لا بد من تسجيل التحول و التغير الذي حدث لمفهوم مصطلح الإجماع من جهة ، و مجالات توظيفه و استخدامه من جهة أخرى .

فبعد أن كان الإجماع ينصبُّ على القرار الذي تتوصل إليه جماعة أهل الرأي و العلم و الدراية مع رجال الحكم و القيادة في التصدي للنوازل و الحوادث التي تعم الجماعة و الأمة ، غدا هذا المفهوم غير مستقر و لا معتبر . فقد تمّ استبعاد دور رجال القيادة السياسية في تصور الإجماع عند جماعة العلماء ، و كذلك فقد استبعد رجال القيادة السياسية العلماء في قراراتهم و مداولاتهم . و هكذا فإن القار الذي يتوصل إليه أيٌّ من الفريقين ما كان له أن يوصف بأنه رأي الجماعة ، الأمر الذي يعني في نهاية المطاف تعذر انعقاد إجماع في أيـة نازلة من النوازل .

و من جهة أخرى فإن مجالات توظيف و استخدام فكرة الإجماع تغيرت و توسعت و أصبحت يقحم بها في جميع المسائل و القضايا بغض النظر عن كونها مسائل عامة أو مسائل خاصـة . و تمّ استدعاء مفهوم الإجماع للمصادقة على أحكام مسائل وردت فيها نصوص من القرآن و السنـة حتى المتواتر منها في كل صغيرة و كبيرة تحولاً عن سيرة الرعيل الأول من الأصحاب في توظيف فكرة الإجماع للإسهام في معالجة الأزمات المتجددة و النوازل العامة الطارئة .

و أصاب مفهوم الإجماع تحول آخر إذ أصبح يعني موافقة جميع أهل العلم دون مخالفة أحد منهم ، بحيث إذا كان لأحد العلماء رأي مخالف لرأي الجماعة فإن الرأي الذي يتوصل إليه الغالبية لا يعـدُّ إجماعاً ملزماً و ذلك على العكس لما كان عليه الأمر في عصر النبي صلى الله عليه و سلم و عصر الخلفاء الراشدين حيث كان يـُكتفى لإنعقاد الإجماع بالرأي الذي ترجحه الغالبية و السواد الأعظم و يتم إعتماده رأياً للجماعة تتحرك بموجبه تأكيداً لوحدة الكلمة و التوجه . أما الآراء التي أدلى بها المتحاورون عند التداول و التشاور بين أفراد أهل العلم و المعرفة ، فيتم التنازل عنها – عملياً – من أجل رأي الأغلبية .

أضف إلى هذا أن القرار الإجماعي في عصر الرسالة و عصر الخلفاء الراشدين كان يتشكل من جماعة أهل العلم و المعرفة و الدراية في المنطقة التي تنزل بها النازلة ، و لم يـُؤثر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه بعث أحداً إثر العالمين من الصحابة القاطنين في أماكن أخرى للمشاركة في اتخاذ قرار الجماعة في النوازل التي كان يجمع لها الصحابة للتشاور و التحاور .

و لم يُؤثـَر كذلك عن الخلفاء الراشدين استدعاؤهم علماء الصحابة أو الولاة إلى المدينة للتشاور معهم و التحاور في النوازل التي اتخذوا فيها قرارات عرفت بعد ذلك بإجماعات الصحابة .

و هذا يعني أنه لم يكن ثـمّة توسع في اندراج عالمين خارج منطقة النازلة في عصر الرسالة و عصر الخلفاء الراشدين . و لكن هذا الحصر لدائرة الداخلين في تشكيل الإجماع تبدل و توسع حتى أصبح يشمل اندراج جماعة أهل العلم و المعرفة القاطنين في أرجاء الدولة الإسلامية بغض النظر عن كون النازلة عامة لجميع الأقطار أو خاصة لبعضها دون بعض .

 

و من هنا يمكن القول إن هذه التحولات في مفهوم الإجماع و مجالات استخدامه صيّرته مصطلحاً ذا مفهوم مثالي – غير واقعي – و غير فاعل و لا مؤثر في تشكيل رأي موحد في توجيه الأمة عند الأزمات و النوازل .

و لا تزال حالة مصطلح الإجماع على ما كانت عليه منذ عهد التدوين إلى يومنا هذا إذ ليس هناك تجديد في الموقف من المعاني المثالية التي نسجت حوله بعد عصر الخلفاء الراشدين . و على هذا فإن إعادة الواقعية و الفاعلية إلى مصطلح الإجماع تظل مرهونة بإعادته إلى سيرته الأولى وسيلة للتصدي للنوازل الفكرية و السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية التي تتجدد على الساحة يوماً بعد يوم ، للوصول إلى قرار جماعي – أغلبي - ينطوي على خير ما يعلمه أهل الدراية و المعرفة في الأمة ، و تجريده من المعاني المثالية التي نسجت حول مفهومه و المتأهلين له و مجالات توظيفه .

إن النقاشات التي تمتلئ بها بطون كتب الفقه و الأصول حول فكرة الإجماع تعريفاً و حجيـّة، و إمكانية وقوع أو عدمه ، و شروط المجمعين ، و حكم نسخ الإجماع بإجماع آخر ، و غير ذلك من المسائل التي لا نفتأ نرددها ليل نهار ، إن تلك المناقشات تغفل ما كان للظروف السياسية و الفكرية من تأثير في توليدها و لهذا فإنها تجنح إلى التكرار و لا تسهم في البحث عن الحلول العملية و عن البدائل للخروج من النظريات المثالية في تاريخنا الإسلامي . و لهذا لا بد من إعادة الوعي للمنهج النبوي في تسيير الشؤون العامة للأمة و منهج خلفائه الراشدين في اتباع تلك المنهجية في قضايا الأمة المصيرية بحيث تستبعد دعاوى الإجماع في أية قضية فردية لا تعم بها البلوى ، و يكتفى بالحديث عن الإجماع في المسائل المصيرية لعموم الأمة و جوداً و تنظيماً و تخطيطاً . أما مسائل الأفراد و قضاياهم الخاصة سواء وردت فيها نصوص أم لم ترد ، فليس من المقبول اقحام الإجماع في تلك القضايا بل تترك للعلماء لإبداء وجهة نظرهم فيها بما يتناسب مع مرونة الشريعة لإستيعاب اختلاف الأحوال و الأشخاص .

و يوم تعي القيادة السياسية في بلاد المسلمين هذا البعد الإجماعي في تدبير شؤون الأمة المصيرية و أحوالها العامة ، فإن استقراراً سياسياً و أمنياً سوف يعم الأرجاء فتنعم به البلاد و العباد .

و أخيراً فإن ما يصادفه المرء في كتب الفقه و الأصول و الفروع من دعاوى الإجماع على كثير من المسائل الإجتهادية لا يعدو أن يكون دعاوى لا نصيب لها من الحقيقة و المشروعية ، و من ثمّ فإن تجاوزها باجتهاد شرعي صحيح لا يترتب عليه تفسيق و لا تبديع  أو  تكفير ، و ذلك ترجيحاً للمقولة الذهبية التي رد بها الإمام أحمد – رحمه الله – على غلاة دعاة الإجماع في كل صغيرة و كبيرة من المسائل الإجتهادية  " .. من ادعى الإجماع فهو كذاب ، لعل الناس قد اختلفوا ، ما يدريه ؟ و لم ينته إليه ، و لكن يقول : لا نعلم الناس اختلفوا .  

و نأمل أن يكون في هذا التحليل الموضوعي لمعنى الإجماع تأصيل للتوجه الجماعي و نبذ الفردية في معالجة القضايا العامة . و نأمل كذلك أن لا يساء فهم هذا الطرح لمعنى الإجماع ليتخذ مسوغاً لطرح ما أجمع عليه علماء و مختصون في شأن من الشؤون قبل وضوح الحجة و قيام البينة على وجاهة الإنتقال من رأي إلى آخر لأسباب موضوعية واقعية و بعد استشارة و تداول يؤكد غياب الإرتجال و الإستعجال .