شركــاء لا متطـفـلون

 

" دين في صعود ، الإسلام في الألفية الثالثة "

"Islam in the Third Millennium  Religion on the Rise "

في هذا الكتاب الشيق يستعرض " مراد هوفمان " تاريخ العلاقة بين الشرق و الإسلام من جهة و بين الغرب و النصرانية من جهة أخرى . و برؤية موسوعية علمية رصينة يتحدث عن تاريخ طويل من الأزمات و المواجهات و يحاول أن يكشف كذلك عن القيم الإنسانية المشتركة و التي تمهد الطريق لتعايش سلمي بين الشعوب و الثقافات بتناغم كامل بين متطلبات العقل و بين هدي الوحي الإلهي .

إنه كتاب يستحق القراءة و المدارسة لما يحويه من نظرات نقدية تستحق التفكر و التمعن .

و قد اختارت " الرشاد " أن تنقل للأخوة القراء أحد الفصول الأخيرة في الكتاب ، حيث يتحدث الدكتور هوفمان عن بعض النقاط و الأمور التي يظن أن نظرة الإسلام فيها و أداء المسلمين يشكل عوامل جذب و إعجاب و مساهمات كامنة تنتظر من يستثمرها لدى شرائح من أهل الغرب لتجعلهم في النهاية يدخلون في الإسلام و ليصبح المسلمون جزءاً من النسيج الإجتماعي في مجتمعات تعددية تمثل عالمية الإسلام و خلود رسالته .

 

*                           *                           *

 

في الأجواء المتلبدة بالتوجس و الترقب و الإستقطاب ، تلوح في الأفق بوادر من الأمل في أن يصل الغرب إلى مرحلة من التقبل و الإحترام للمسلمين المقيمين بينهم و ذلك إذا نجح المسلمون في إقناع جيرانهم أن المسلمين لا يطالبونهم بالكثير و لكن الإسلام يمتلك الكثير مما يمكن أن يجود عليهم به ، و خاصة إذا علموا أن ما يمكن أن يقدمه الإسلام هو عين ما يفتقده الغرب في التعامل مع أزمة وجوده . و بعبارة أخرى ، هناك فرصة للمسلمين في النجاح إذا قدموا الإسلام ليس على أنه ( فولوكلور ) بل على أنه البلسم الشافي  .

صحيح أن الغرب لم يعد مهدداً من الشيوعية ، و لكنه مهدد بأزمة و جودية خانقة . و قد صاغ المشكلة – ألكسندر ماكنتر – بقوله : هذه المرة لم يعد البرابرة ينتظرون خلف الحدود ، إنهم يتحكمون بنا منذ فترة من الزمن . و إذا كان ما يقوله حقاً فإن جذور المعضلة الأخلاقية في الغرب ترجع إلى 250 سنة . و من هنا فإن أي تماثل للشفاء يجب أن يمر عبر نقد جذري للعقلانية التي مثلت الدين البديل للعصر الحديث .

إن أمل الإنسان الغربي يتمثل في نجاحه في التخلص من الوهم المتعسف للحداثة . و عندها يمكن لسموم العقلانية الغربية أن يكبح جماحها . و عندها فقط يمكن للمجتمعات الغربية أن تعيد الصلة بالروابط المتعالية عن الإنسان و تسمح لـلله و للمقدس أن يعود إلى مجال رؤيتها من جديد . فالقضية هنا هي إعادة النظر إلى الدين كضابط منطقي للإنسانية و هذا يتطلب إزاحة علم الطبيعة عن عرشه الذي تبوأه كدين للسيطرة و الإخضاع . و بإختصار ، فالمطلوب ليس أقل من تغيير الوجهة و إطار التفكير ، تغيير يفسح المجال لرؤية دينية تجديدية تستلهم المصدر المتعالي للإسلام و نظرته التوحيدية و براءته من المتناقضات .

و من الناحية النظرية ، يمكن للنصرانية أن تنجز المهمة و لكن المغالاة و الإفراط قد أساءت إلى مصداقية النصرانية إلى حد غير قابل للإصلاح ، و ليس هناك شخصيات قيادية في أي كنيسة رئيسية تمتلك الرغبة في تشغيل مكابح الطوارئ الإعتقادية . و على أي تقدير ليس هناك في الأفق أديان أخرى أو عقائد قادرة على أن تغير من وجهة السفينة .

و في الغرب تمثل البوذية توجها نخبوياً غير قادر على إحداث أي تغيير جماهيري . أما الطرح الإنساني التحرري المعتمد على الحقوق الطبيعية فهو طرح هشٌ و ضعيف . إنه ليس بإمكان الأديان الملفقة أن تؤسس للقوى الضرورية اللازمة للتغلب على الأنانيات و الأهواء الفردية و الجماعية .

و من ناحية اُخرى ، أنا على يقين من إمكانية الإسلام لإحداث التغيير المطلوب في التوجه و الإطار العام للتغلب على ثغرات الحداثة . و بالطبع ، لا يمكن الإغضاء عن قصور المسلمين في كثير من المجالات ، و لكني أعتمد في إثبات قضيتي على المساهمات الكامنة التي يمكن أن يقدمها الإسلام و التي سأعرضها من خلال النقاط الأربعة عشرة التالية :

 

1 -  تُجمع الأدبيات و الأعمال الفنية على وجود حاجة ملـحّة للتواصل الإجتماعي الذي ينطوي على مسحة من التعاطف و التعايش ، فقد أصابت العلاقات بين الأفراد موجة من البرود انعكست في كثير من المظاهر الإجتماعية . و الموعظة - أحبَّ جارك كما تحب نفسك-  رغم ترددها على المنابر ، أصبحت وهماً لا حقيقة لها ، و أصبح الحسد الإجتماعي و التنافس المتوحش يحمل الناس ليس للوصول إلى الغنى فحسب ، بل للتفوق في الغنى على أي شخص آخر . و انحصرت صياغة الحياة في الإستهلاك و الإقتناء  و الصراع حتى بين الأزواج و الأولاد في دوامة لا تهدأ من الأنانيات و التمحور حول الذات .

و على الطرف الآخر من هذه الخلفية القاتمة ، تقدم الجاليات المسلمة في الغرب مثالاً حياً للتعاطف الإجتماعي الذي يتسامى فوق الفروق الوطنية و العرقية . و ينظر الناس و يراقبون بنوع من الدهشة و الإستغراب المساجد التي تبنى بالعمل التطوعي ، و كيف يجتمع الناس للإحتفال بعيد الفطر و عيد الأضحى و كأنهم في حفل عائلي ضخم . فالمسلمون حولوا الدين إلى رابط إجتماعي . و كثير من الشباب يعجبهم هذا الأمر بشكل خاص ، و ينجذب إلى الإسلام  الكثير من المؤمنين الجدد بملاحظة المشاعر العارمة للأخوة و التعاطف بين المسلمين و استعدادهم لمساعدة بعضهم بعضاً .

 

 

2 - إن قدرة الإسلام على النظر إلى الإنسان و تقييمه بغض النظر عن لونه و عرقه جذبت الكثير من الناس إلى الإسلام ، فمن المنبوذين في الهند إلى الفيـلـيبـيين في دول الخليج إلى الأفارقة السود في أمريكا . . . كل هؤلاء وجدوا طريقهم إلى الإسلام عبر وجهه متعدد الألوان و الأعراق .

 

 

3 - و الناحية الأخرى التي لا تقل أهمية عن سابقتها تتمثل في التحرير و العتق الذي يتميز به الإسلام . فالمسلم يرى نفسه وجهاً لوجه أمام الله من غير احتمال أن يتدخل في هذه العلاقة أحد و من غير سلطة دينية يتميز بها أحد . فالقرآن الكريم و الأحاديث النبوية متاحة لجميع القادرين على القراءة ، و ليس هناك أحد يستطيع أن يدعي الإختصاص بمرجعية فهم أو تفسير معصوم . فملك السعودية – خادم الحرمين الشريفين – ليس له سلطة أو صفة تشبه تلك التي يختص بها   - البابا - ، و الإسلام لا يعرف محاكم كنسية شبيهة بمحكمة الفاتيكان أو أي نظام أو روتين كنسي ، و ليس هناك – فتوى – مطلقة لا يناقشها أحد ، و الزواج ليس سراً مقدساً ، و لكل مسلم الحق في أن يقوم بأي عمل من أعمال العبادة دون مساعدة طرف آخر ، و هذا كله يعني على التحقيق الخلاص من الكهنة و الكـهّان .

إن غياب السلطة الروحية عنصر يغري الكثير من الشباب في الغرب الذين يظهرون المزيد من التحسس و التوجس للإدعاءات المزيفة للسلطة و المرجعية .

 

4 -  نجحت الحداثة على حد بعيد في إزالة هالة الغموض السحري عن العالم . و الناس في الغرب يتندرون من أي شيء يبدو و كأمه معجزة . و من المعلوم أن الطريق إلى النصرانية يتقدمه الكثير من المعجزات ، بينما الطريق إلى الإسلام ليس فيه إلا معجزة واحدة و هي وحي القرآن حيث يستطيع كل قارئ أن يتعرض لها غضةًً نضرة عندما يواجه بجدية و إخلاص النص العجيب للقرآن . و في القرآن ، يجد الذين يتطلعون إلى الإسلام تحدياً يحملهم على التفكير و التدبر بدلاً من التطلع إلى من يفكر عنهم .

و علاوة على هذا يحذر القرآن من التسليم الآلي لمعتقدات الآباء و الأجداد . و كما قال - غوته – يجب على المسلم حتى يعترف و يعلن إيمانه أن يبذل الجهد العقـلي ليصل إلى قناعة ذاتية بما نقله إليه آباؤه . إن هذا الإنفتاح العقلي المتميز ينعكس في عمارة المساجد التي تقدم جواً مضيئاً واضحاً ينال إعجاب أهل الغرب إلى حد بعيد .

 

5 - دخل العالم - حسب رأي رودجر سافرانسكي – إلى مرحلة من الوثنية العلمانية انقسم فيها الإله الواحد إلى عدد كبير من الآلهة المحلية الصغيرة . و المسلمون يرون الأمر تماماً بهذه الطريقة . فالإعتماد الغربي على كل أنواع و آليات الدع النفسي من التدخين و الكحول و المخدرات و التعرض الدائم للتلفزيون و الإنترنت أصبحت مشكلة في بنية المجتمع و تركيبه ، حيث يعكس هذا الإدمان حاجة جماعية لسعادة تسد الفراغ الكبير اللامتناهي .

و في الوقت الذي يعي الغرب تماماً الأخطار المدمرة لهذا الإدمان فإنه لا يستطيع أن يعالج نفسه كما هي الحال في المدمنين على المخدرات . و على العكس ، فالحكومات – مثل هولاندا – بدأت في طريق الترخيص للمخدرات . و تنهض أمريكا وحدها الآن ضد التدخين لدرجة اعتباره تصرفاً غير أمريكي . ( و أمريكا هي التي وقفت في العشرينيات من القرن الماضي ضد الخمر حين تبين لها أنها تستهلك المزيد من – الويسكي – و تجند لذلك الكثير من المافيا ) . و المسلمنو يواجهون هذا المشهد للمخدرات و هم غير مسلحين إلا من رصانة أصيلة حيث لا تعتمد مقاومتهم للمخدرات على أسباب صحية بل على محاولتهم الجادة للنجاة من الشِّرْك الذي يسمح لأي شيء غير الله أن يكون العامل المسيطر على حياة الإنسان . و لهذا كان الشِّرْك هو الذنب الذي لا يغتفر. و الأمر الآخر أن المسلم يبقى دائماً رصيناً متيقظاً لإحتمال مداهمة  الموت  في أي لحظة . و تبقى مقارنة الإدمان بالإرتداد عن الدين عاملاً حاسماً في إعطاء المسلم مزيداً من المقاومة و التماسك ضد الإدمان . و المستفيدون من هذا على سبيل المثال هم عمداء المدن الكبرى مثل نيويورك و فيلاديلفيا و لوس أنجلوس حيث أوكلوا مهمة تطهير الأحياء الموبوءة بالمخدرات لجماعات من المسلمين الأفارقة بوسائل سلمية و عبر الأسلمة التي غالباً ما تبدأ في السجون .

 

6 - إعتبر – وليام أوفلز – أن الحركة النسوية هي بداية الإنهيار التام للمجتمع البورجوازي . حقاً هناك أزمة ثقافية تدفع إلى الذعر عندما نفكر ماذا سيحل بالمجتمع الغربي عندما يصل جيل إلى سن الرشد و هو محروم من تربية الآباء ، لإرتفاع نسبة الطلاق أو لإنتشار الإعجاب بفكرة الأمومة من غير أسرة ، هل يمكن لهذا الجيل أن ينهي أزمة تفكك العائلة .

عندما يضع المسلمون العائلة في مستوى من الأهمية أعلى من أي مؤسسة إجتماعية أخرى فإنهم يرسلون الرسالة المعاكسة . فلا شك أن تفكك المجتمع يبدأ من الأسرة و ينتهي بها كذلك . و لا شك أن الشباب الذين أيقظهم مرض – الإيدز – إلى ضرورة العلاقة بشريك واحد سيتلقون هذه الرسالة المعاكسة التي يطلقها الإسلام بقبول و ترحيب و خاصة عندما يقبلون الإسلام عن طريق التعرف على مدى و شدة ارتباط العلاقات العائلية بين المسلمين .

 

7 - قد يظن المرء أن ( حق الحياة ) هو الحق الذي لا يناقش و ليس فيه أي خلاف . و لكن الحقيقة أن هذا الحق يتمتع به فقط أولئك الذين اجتازوا بنجاح أخطر مرحلة في وجودهم و هي مرحلة ما قبل الولادة . فالمقاومة لإنتشار السماح القانوني للإجهاض تتراخى باستمرار حتى في الأوساط الكاثوليكية . فحق الجنين في الولادة لا يـتقدمه في الأهمية حياة الأم فحسب ، بل أصبح يـتقدمه شراء سيارة ثانية و قارب فخم و التخطيط لإجازة ثانية .

و هذه النزعة تقود بعض المحافظين إلى القطيعة مع مجتمعاتهم المتسيبة . و في هذا السياق يكتشف البعض أنهم يتمسكون بموقف إسلامي ، و أن الإسلام يمكن أن يقدم حلولاً لمشكلة الإجهاض أكثر نجاعة من إلقاء القنابل على العيادات .

 

8 - منذ أيام القديس بولس و مارسيون و أوغسطين ، كانت النصرانية تتحرك بين موقفين متعاكسين و كأنها تحاكي رقاص الساعة . فمن الإتجاه المسرف في احتقار المرأة و العلاقة الجنسية ، إلى الموقف النقيض الذي يتمثل في الإستسلام للدوافع الغريزية بلا حدود و لا ضابط. فإذا اعتبرنا الغلو الثاني هو غير نصراني، فالنصرانية كما وصفها – جورج دنزلر – هي ألفا سنة من الشهوة المحرمة .

و على النقيض الصريح من هذا الموقف ، استطاع الإسلام أن يضع الميول الجنسية في موضع متكامل مع الحياة اليومية للمسلمين دون تضمين أي توجهات سلبية . فالتعاليم الإسلامية تأخذ بعين الإعتبار الحاجات الجنسية الطبيعية للرجل و المرأة . فمن المباح أن يستمتع الزوجان بالعلاقة الجنسية حتى في ليلي رمضان . و يعتبر الإسلام العلاقة الجنسية بين المتزوجين شكل من العبادة و تعبير عن الرحمة و المودّة . و كل شيء هنا مضبوط و متوازن ، فلا يضع الزواج من قدر المرأة – كما هي الحال في الإنجيل – و ليس الزواج عقد ديني – كما هي الحال عند الكاثوليك و الأورثوذكس - . و عندما تساءل أتباع النبي محمد باستغراب : كيف يكون للعلاقة الجنسية بين المتزوجين قيمة دينية ؟ بين الرسول الكريم أن العكس المتمثل في الزنا هو ذنب و إثم ، فالنقيض للإثم هو العبادة و الطاعة .

إن موقف الإسلام البعيد عن اللامعقولية بشأن الأمور الجنسية يستجيب للفطرة الإنسانية و يفسر لنا غياب ظاهرة الرهبان المنعزلين أو الساحرات الشريرات . و المجتمعات الغربية تدفع الثمن غالياً نتيجة التارجح بين طرفي الغلو و التفريط . فقد حرقت عشرات الآلاف من النساء بتهمة أنهن ساحرات فاتنات و قضى الملايين غيرهن حياتهن في الأديرة محرومين من الإستجابة لمشاعر الجنس و الأمومة و الأبوة بشكل مطلق .

فإذا أراد الغرب أن ينجو من هذا المصير المظلم عبر دين وسطي يبتعد عن كل أشكال الغلو و التطرف فالإسلام يطرح هذا المخرج .

 

9 - فيما يتعلق بحركة تحرير المرأة، يصحو الغرب على الحقيقة المزعجة بشكل متأخر . فكثيرات من النساء اللواتي تابعن خط النجاح المهني أدركن شوقهن المكبوت للأمومة . و اكتشفت الكثيرات أنه رغم عقود طويلة من تطور المرأة فلا تزال الأوساط السياسية و الإقتصادية و العلمية و الإعلامية ذات أغلبية مسيطرة من الرجال . و الأسوأ من ذلك يعترف النساء أن الإستغلال الجنسي للمرأة لأغراض تجارية متفشٍ على أشد ما يكون و يزداد ذلك توسعاً باستمرار .

و على مثل هذه الخلفية تجد الكثيرات من النساء المفكرات أن طريقة الإسلام في تحرير المرأة ناجعة و فعالة . و قد يكون هذا مستغرباً ، و لكن هذا هو السبب الذي يكمن وراء اختيار كثير من النساء الغربيات غير المتزوجات للإسلام . و عندما يغطي النساء أنفسهن على الطريقة الإسلامية يكتسب هؤلاء النسوة من جديد الكرامة التي فقدنها و هن يشتركن في سباق لفت الأنظار عبر مزيد من العري و التكشف .

 

10 - و فيما يتعلق باللواطة فالأمر مشابة لقضية الإجهاض – و لابد للمكتوم من أن يظهر و يبين - . و هنا أيضاً يتأرجح رقاص الساعة الغربي بين نقيضين : محاكمة اللوطيين كمجرمين من طرف، و القبول الواسع للبديل أو الخيار اللوطي من طرف آخر . و انتقلت صورة اللوطيين من مجرمين إلى أقلية يجب حمايتها و أن تتمتع بحقوق الزواج من المتماثلين جنسياً .

و في هذا الأمر كذلك يقف الإسلام على أرض وسط بعدم معاملة اللوطيين كمجرمين مع الإعراض في نفس الوقت عن إبرازهم على منصة الشهرة و الإعتراف . فاللوطية هي مشكلة و ليست نموذج حياة . و الإسلام يرفض اللواطة بشدة و يبدي الشفقة على المصابين .

و هذا الموقف يجب أن يكون هو الموقف الطبيعي للناس المحافظين في أي دين . و مهما كان اعتبارنا لهم فإن قبول الإسلام كنموذج حياة يوقف انتشار مرض - الإيدز- و يشكل أمراً يستحق الإعتبار في نظرة الناس إلى الإسلام .

 

11 -  يراقب المسلمون بنظرة ساخرة سوق المستحضرات الصيدلانية التي تعد بمعالجة سريعة لزيادة الوزن ، و نوادي مراقبة الوزن . لقد أصبحت البدانة ظاهرة مرتبطة بالكثرة و البحبوحة التي يعيشها الغرب . و ابتسامة المسلمين تفصح عن الإيمان بأن أي نظام غذائي دون اعتبار الحاجات الروحية و بإهمال للتجديد الفكري لا بد أن يبوء بالفشل . و يعلم المسلمون تماماً أن صيام شهر رمضان كعبادة دينية لا يحقق نقص الوزن و الكولسترول فقط بل هناك المزيد من الفوائد مثل الإنتعاش الروحي و ضبط النفس و تعديل الأولويات و التراحم و التواصل الإجتماعي . و كثير من الناس في الغرب عرفوا الإسلام أول مرة في رمضان و اكتشفوا ديناً يصنع العجائب إلى درجة تغيير أو تبديل شخصياتهم .

 

12 - يشعر الغربيون بالإرهاق ليس في العمل فحسب بل كسائحين في رحلات المغامرة و راكضين وراء الجنس ضمن بيت الزوجية و خارجه . و لم يعالج مشكلتهم و يلفت النظر إليها في الماضي إلا فلاسفة قليلون ، و هذه المشكلة هي اعتبار الحياة ذاتها عبءً لا يحتمل . فالمشكلة هنا ليست أحداث الحياة ذاتها بل كيف نتقبل الحياة كما هي . ومن المستغرب أن الإنقباض و النفور أمور طبيعية عند الأمريكيين ، و أن من الطبيعي كذلك البحث عن ما يهدأ و يعالج هذا الإنقباض من أنواع الرياضات الروحية و الممارسات الطقوسية ، حيث يبدو غير المتأثرين بهذه الأزمة الوجودية أناس غير حساسين أو غير مدركين لحقائق الحياة . و هنا لا بد اقتباس وصف (وليم افلوس ) لعلم النفس بأنه المرض الذي يدعي أنه يقدم الشفاء .

و سيجد المساكين الذين حاصرهم الجو النفسي الذي يشبه ألعاب السيرك المفزعة أن الإسلام يمكن أن يقدم المعجزات في قضية المعالجة العقلية و العصبية عبر الذكر و الدعاء و الصلاة و الإلتزام و العهد للسلطة المطلقة التي تعمل برحمة و شفقة . و الإسلام على كل حال أقل كلفة بكثير من فواتير المعالجين النفسيين .

 

13 - كتب ( فرانسسكا اوغسطين ) أن إقتصاد السوق الحر بمساعدة ما قدمه - هيغل – يتوضع قرب أبواب الجنة كأحسن عالم في الإمكان .  وهما يكن من أمر فلا ينكر أن النظام الإقتصادي الغربي و الرأسمالية في أي صورة من صورها قد نما ليصبح مجتمع كثرة و وفرة خالٍ من المخاطر و يتمحور حول الترفيه . و يعود قسم كبير من مال الإستثمار الأمريكي إلى أرامل أغنياء و ليس إلى الحرفيين المخاطرين الذين يضمنون بشكل فعال الحيوية الأساسية لعمل النظام الرأسمالي . و بهذا فإن أموال المضاربة لا تنمو و لكن الإستثمار قليل المخاطرة بفائدة ثابتة هو الذي يزيد و تزيد معه إمانية الركود .

و بالمقابل فإن الإسلام يسمح بنمو رأس المال عن طريق المشاركة بالمخاطرة و الربح سواء بصورة شركة أو أسهم .و بالتالي فالإسلام يحرم الفائدة الثابتة و هذا وحده يساعد على منع انتشار عقلية - من ينتظر الريع – و التي تؤدي إلى إخلال توازن النظام المالي .

إن التلازم بين الإسلام و تحريم المجازفة المالية تهدف إلى القضاء على التهديد المنتظر من تحويل رأس المال إلى مجرد ضربة قمار عن طريق أسواق الأسهم أو أرباح الأسهم أو أي إحتمالات مستقبلية و غيرها من التصرفات التي يمكن أن تقوض إقتصاداً كاملاً إذا خرجت عن الحدود . و لعل الماليزيـين يفهمون تماماً ما أعنيه .

و التوجه الإسلامي يمكن أن يخفف من غلواء الوفرة غير المعقولة و التي تحدث عنها مدير المجلس الإحتياطي الأمريكي - آلن غرين سبان – عندما اضطربت سوق العقارات اليابانية عام 1996 . و يمكن أن نكرر الملاحظة نفسها عند قراءة ما حدث عقب المبالغة في قيمة المؤشر الإقتصادي (NASDAC) و ذلك عام 1999 . و في عام 2001 انفجرت فقاعة شركات الإنترنت (dot. com) و ضاعت معها استثمارات و أحلام كثير من المستثمرين الصغار .

و لو أن هؤلاء تمكنوا من قراءة ما كتبه المحلل الإقتصادي الذكي – عمر شابرا – لاكتشف أصحاب خيبة الأمل الكبيرة أن الإسلام هو الطريق الوسط من الناحية الإقتصادية حيث ينأى عن – رأسمالية الدولة – و عن الرأسمالية الفردية غير المنضبطة في نفس الوقت .

 

14 – و بعد استعراض ما يمكن أن يقدمه الإسلام و ما يجعله جذاباً ملفتاً للنظر ، فإن بالإمكان اختصار الفروق بين الشرق و الغرب إلى عامل مشترك و حيد بينهما ( مع العلم أن هذا الإختصار قد يخل بالصورة بشكل غير عملي ) . فلأمر كما أراه أن الفرق الجوهري بين الشرق و الغرب يمكن التعبير عنه بقضية الكمية و النوعية . فالغرب لا يعطي قيمة لأي شيء ما لم يمكن التعبير عنه بشكل كمي أو حتى رقمي ، أي اختزاله إلى العدد صفر و واحد ( كما هي الحال في عالم الكمبيوتر ). و من الطبيعي أن الحياة الروحية و القيم الأخلاقية و المشاعر السامية لا يمكن قياسها كمياً بهذه الطريقة . و لهذا لا تساوي هذه الأمور من الثراء المعنوي فلساً واحداً . فالحياة في الغرب تتمحور حول الإقتناء ( having ) و الحياة في الشرق تتمحور حول القيم ( being ) . و تتأكد هذه الملاحظة بالحقيقة أن مصطلح – جودة أو نوعية  الحياة – ( quality of life ) قلما يناقش في الشرق و لكنه يعتبر أمراً أساسياً في الغرب . و في الشرق يكتشف المرء أن – جودة الحياة – منفصلة تماماً و إلى درجة غير متصورة عند أهل الغرب عن مستوى الدخل . و ترجع هذه الظاهرة إلى السلوك غير الإستهلاكي أو المعادي للإستهلاك و الذي يتجلى في الموقف الهادئ المستريح لمرور الزمن و يتجلى في الكرم و الضيافة التي تأخذ أولوية على كل شيء آخر . و يتجلى كذلك في المعرفة الواسعة التي لا تبتغي الشهرة العلمية ، و النزول بكل ما يدعى ضرورة حياة إلى الدرجة الثانية من الأهمية ، و جعل التأمل الديني و الروحي طريقة في الحياة . إن هذا النور المجازي هو ما يراه الناظر ساطعاً من الشرق عبر التاريخ .

يجب أن يكون واضحاً الآن ما يمكن أن يقدمه الإسلام . و هذا هو جواب عدد من أسئلة الغرب و احتياجاته الفكرية . و يجب أن يكون واضحاً أن الإسلام لا يستجدي بإلحاح و لكنه مسهم أساسي يقدم المعنى و القيمة للسلوك المسؤول. و سواء اعترف الغرب بهذا أم أنكره فهو أمر آخر تماماً . و يعلم الناس أن المرضى الذين يعانون من الإدمان يخدعون أنفسهم و يرفضون رؤية الطبيب للهروب من الحقيقة . و هذا هو الموقف الذي تجد المجتمعات الغربية نفسها في مواجهته . و رغم التحليل العميق لعلماء من أمثال ( دانيال بل ) و ( وليم افولز ) فإن أكثر الناس لا يعلمون إلا بغموض كبير الأزمة التي تهز حضارتهم ، و الأسوأ من هذا أن المزاج العام في الغرب ما يزال يعكس الفخر بالإنتصار و بقدر قليل من الإلحاح على مواجهة التحديات. و باختصار يبدو أنه ليس هناك من يمتلك القدرة على تغيير مجرى السفينة بل على العكس يستمر الغربيون في المناورة - كالعادة - .

إن التشخيص الدقيق و العلاج الصحيح لا يغني شيئاً إذا أصر المريض على رفض تناول الدواء بالوقت المحدد . و بالطبع فإن رفض الغرب للإعتراف بحاجته للمساعدة يشكل جزءاً من المشكلة . إن الغرب يمتلك أدوات التحليل باقتدار و لكنه يفتقد القدرة على الفعل المناسب لنتائج ما توصل إليه ، و هذا الأمر هو ظاهرة معروفة في كل حضارة في دور الإنهيار.

فالمشكلة صاغها الرئيس الأسبق لألمانيا بقوله : لا تكمن مشكلتنا في الفهم و لكنها تكمن في التطبيق .

و في القرآن الكثير من القصص عن أقوام تجاهلوا ما جاء في كتبهم و رموا بتعاليم أنبيائهم عرض الحائط حتى انمحت حضارتهم من الأرض في لحظة خاطفة .

و الغرب يواجه مثل هذه المخاطرة . فبعد الإنتصار الملحمي على الشيوعية يواجه الغرب الهزيمة بفعل التدمير الذاتي  ما لم يتجاوز الغرب عبادة الفرد بدلاً عن الله و يتمسك من جديد بالقيم السماوية التي يتجاهلها .

و الإسلام هو الذي يدل على هذا الطريق .