الحكم الإسلامي بين الشعار و المضمون

د. مازن موفق هاشم

 

سوف أستهلّ المقال بتعريف مقترح للحكم المستنير إسلامياً، أُتبعه باستطراد ثم توضيح لأسباب هذا الإختيار في التعريف.  الحكم المستنير إسلامياً هو الذي يحقق خمسة شروط:

1-  يسعى إلى تحقيق العدالة في المجتمع

2- ويحرص على صيانة كرامة الأفراد (ذكرهم وأنثاهم) وحريات المجموعات بغض النظر عن الانتماء الديني أو القومي

3-  ويتوجه نحو تأمين أساسيات المعاش قبل كمالياتها

4-  ويشجع على الفضيلة ويضيّق على الرذيلة ويرفض الإكراه في مسائل الدين

5- ويحقق أهدافه من خلال آليات التشاور والمشاركة والتمثيل والمحاسبة وضوابط القانون والعرف في جميع التشكيلات المجتمعية أدناها وأعلاها

ويلاحظ أنه تجنّب هذا التعريف ثلاث عبارات: فلم يقل (حكم إسلامي) ولم يستخدم عبارة (تطبيق الشريعة) ولم يذكر (الديمقراطية). وسوف أُفصِّل في أسباب هذا الاختيار بعد استطراد وجيز لا بدّ منه عن أزمة النموذج الغربي للحداثة على المستوى العملي.

*    *    *

كان القرن الفائت قرن الحداثة بخلفيتها الفلسفية الليبراليّة-النفعيّة (ولا أقصد بذلك الإشارة إلى ثنائية الليبراليين-المحافظين، وإنما أقصد المنـزع الفلسفي الذي يُقصي قيم الدين عن الحياة ويمنع إلتحامها مع الواقع، والذي يعتبر أن المضاعفة الكمّية للمتاع واللّذة هي جوهر السلوك الأخلاقي)، و قد انطوى بكل ما فيه و ترك لنا شهادة تاريخية حضارية تتلخص في أربع نتائج حاسمة: (1) لاعالمية هذا النموذج؛ (2) واستحالة استنساخه؛ (3) واعتدائه على الفطرة البشرية؛ (4) وفشله في تقديم ما وعد به وما جعله مبرر وجوده. ولقد انعكست أزمات هذا النموذج بشكل جلي على أكثر من صعيد.

أولاً، إن لاعالمية هذا النموذج أمر أصبح معروفاً، وتتراكم الشواهد الدالّة على أن نموذج الحداثة ملتصق التصاقاً كاملاً بالثقافة الأوربية الغربية ويضيق ذرعاً بالتوجهات القِيَمِيَّة الشرقية، و هو إذ يستعير منها حيناً بعض عناصرها فإنه يسخر منها ويفرّ منها غالب الأحيان. وإذا تتبعنا التجليات السياسية لهذا النموذج نجد انهيار الاتحاد السوفيتي ذو الخلفية الماركسية أحد إشارات اللاعالمية، تلك الخلفية التي تُعتبر من منظور الحضارات الشرقية "حركة تصحيحية" فاشلة ضمن النموذج الحداثي المادي-النفعي-الليبرالي.  ولقد حاولتْ هذه النسخة أن تأتي بتطبيق عملي منافس للرأسمالية يحمي من الاستغلال، وإن كان يتوجه نحو نفس المطلب من تعظيم الانتاج وتحقيق حلم الرفاه الأرضي. أما في الشق الرأسمالي للنموذج المادي فتتناقص مصداقيته يوماً بيوم حتى أصبح يُطلق عليه لقب "الاستبداد الشهي" والذي يفتقر لرسالة يُقنع بها غير رسالة المتاع و إغرائه.

ثانياً، ولقد أصبح الناس على دراية – على الأقل المثقفون منهم – استحالة نسخ هذا النموذج الحديث وتكريره . وتتجلى هذه الاستحالة على أصعدة كثيرة جداً ، و لعل الأسهل تدليلاً عليها هو عتبة الاحتمال البيئي والتي تجعل من المستحيل أن يعيش جميع أفراد الأرض نمط الحياة الحديث المتميز بالاستهلاك العالي لموارد الأرض والتلوث البيئي الحاد الناتج عنه. ويزداد الأمر وضوحاً عند التفكر في مآل الكون بافتراض تعميم هذا النموذج.  فإذا كان الفرد الواحد في الولايات المتحدة يساهم في سخونة الأرض بمقدار 60 من المكسيكان، والفرد الواحد من كندا يساهم في سخونة الأرض بمقدار 190 أندونيسي، فلا حاجة لمزيد من التفصيل.  أي أن تعميم هذا النموذج يستلزم استخراج موارد عدّة كواكب أخرى، بالإضافة إلى افتراض وجود شعوب جاهزة للاستغلال، وبالإضافة أيضاً إلى الأسلحة والجيوش اللازمة لفرض نتائج هذا النموذج على الساخطين من هذه الترتيبة.

ثالثاً، ولقد عجز النموذج الحداثي عن الاستجابة لفطرة التدين عند الإنسان ، فرغم أن الحاجات المادية ضرورية لوجود الإنسان، فإن هناك أسئلة فلسفية خالدة ما فتئ الإنسان يجري خلفها ويحاول فك لغزها: لماذا وكيف، وما هو سرّ الوجود الأعظم وما هو هدف الحياة الأكبر، ومن أين جاء الكون وما هي نهايته... الخ. ولنا أن نتذكر أن الكنيسة الشرقية لم تفقد مركزها في قلوب الناس رغم كل العسف الأوروبي الروسيّ لمدة جيلين، وكذلك الأمر في النسخة الصينية حيث أن الشيوعية الاعتقادية التصوّرية لم تكن إلا طارئاً مؤقتاً، ونهضة الصين المعاصرة هي نتاج تفاعل أرضية الثقافة المحليّة التاريخية مع الواقع الحديث.  أما في الشق الرأسمالي للنموذج الأوروبي فإن الدّين لم يفتأ أن يحاول إثبات نفسه رغم كل ضغوط الانتثار، وها هو في الولايات المتحدة يعود إلى سدّة القوى الاجتماعية السياسية .

رابعاً، أما فشل النمط المادي-النفعي-الليبرالي في تقديم ما وعد به وما استند إليه مبرر وجوده فإنه ينعكس في سخط الشرائح المحرومة داخل المجتمعات الغربية وفي العنصرية الواضحة تجاه الغرباء -غير البيض خصوصاً- مروراً بفرنسا وألمانيا وأستراليا وهولندا بالإضافة للولايات المتحدة. وبشكل عام فما زالت الشقة بين الغني والفقير تزداد في هذه البلاد وما زالت السطوة الاجتماعية والسياسية تتركز في أيدي حفنة صغيرة من الناس. ولم يفشل هذا النموذج في تحقيق ما وعد به من المساواة بين شعوبه فحسب، بل وإن ما حقّقه من رفاه استند جزئياً إلى استغلال الأقوام الأخرى "غير المتقدمة".

*    *    *

لقد كانت هذه مقدمة ضرورية قبل نقاش حلم النموذج الإسلامي الذي لم ينقطع من أن يعكس تجلياته في أحوال الناس رغم أنه فقد مكانه في سدّة السلطة.  ولا يختلف المؤرّخون في هذا حيث يشيرون أنه لم يخل ضمير المسلمين بالكلّية من قيم الإسلام –بغضِّ النظر عن السلوك العملي- إلا ما أصابه من شكوك فترة الاستعمار المباشر في أوائل القرن العشرين.  ولا يصعب ملاحظة أن الشعوب المسلمة من شرقها إلى غربها تريد أن ترى للإسلام -دوراً ما- في سياسة البلاد رغم كل محاولات الخنق والتهميش.  ومن ماليزيا وأندونيسيا إلى الباكستان ومن تركيا وإيران والعراق إلى مصر والمغرب العربي... تجد رغبة شـعبية في بلاد الأكثرية المسلمة في أن يتمثل الإسلام في رحلة مصيرها الحياتي –بشكلٍ وقدرٍ ما- وأن يُرشدها ويسدّد خطاها.  وتبرز هنا إشكالية مفهوم "الحكم الاسلامي" إذ تنظر إليه الشعوب المسلمة نظرات متفاوتة: من تراث تاريخي يمنح شعور العزة والثقة بالنفس، إلى أمل مستقبليٍّ يمزج بين عناصر إسلامية وبين ما يتخيله "نقاطا إيجابية" في النموذج الغربي المعاصر.  وتختلف نسب هذا الخلط بين شرائح الناس، بين من يرغب أن يُلبس الحداثة حلّة إسلاميةً وبين من يتمسك بالمعطيات الإسلامية ويربطها بتطبيقات متفرقة من النموذج الحداثي.

أما طروحات التيارات الإسلامية فإنها تباينت وتنوعت أيضاً، وخامر بعضها حال وحدة وجود مع بعض الطروحات السياسية الأُروبية حيث تضخّم البُعد السياسي عند الجماعات الكبرى واقترب من نموذج الشعب-الدولة، إلى أن حدث الانفراج الفكري والتوجه نحو اكتشاف الذاتية السياسية للإسلام.  ولكن لعل مفاهيم الجمهور المتحمس لواقع حياتي يتجلى الإسلام فيه ما زالت تعتريها ضبابية وشعاراتية حالمة تُشكِّل عقبة في الوصول إلى تصور مستقبل سياسي يلتقي عليه معظم الناس وغالبيتهم . وعلى هذا كان هدف هذا المقال اقتراح صيغة مبسّطة ومفهومة حول ما تعنيه عبارة "حكم إسلامي" وفق الاحترازات الثلاثة المذكورة والتي سوف أُفصّل فيها.

أولاً: لم يستخدم التعريفُ الذي استهله المقالُ عبارةَ "حكم اسلامي" لأنها مصدر لكثير من الاختلاط في الفهم، إذ قد يُظن أن المراد هو حكم ثيوقراطي يتزعمه رجال دين. وهناك مصدرين يرسخان هذا المعنى غير المقصود، أحده هو التجربة الإيرانية التي انتهت إلى تشكيلة سياسية متناقضة داخلياً بين جهاز حكم مؤسساتي قانوني دستوري وبين جهاز سلطة الأئمة.  ولكن المصدر الأساسي لهذا الاختلاط هو المناخ الفكري الشائع في وسائل الإعلام والصحف والمجلات والتي تُردّد لغز "فصل الدين عن الدولة".  ولقد عالج مقال سابق في الرشاد- عدد 16 هذه النقطة بنوع من التفصيل، ولكن تكفي الإشارة هنا إلى أن أصل العبارة هي فصل "الكنيسة عن الدولة".  وبالطبع كيف تفصل بين شيئين إذا لم يوجد أحدهما، كما هو الأمر في أصل الحالة الإسلامية.  ولنا أن نتذكر أن تاريخ المسلمين لم يكن حكماً خاضعاً للعلماء وإنما قاموا بدورهم التخصصي في نواحي الحياة المختلفة. أما فصل الدين كقيم من السياسة فهو أمر غير ممكن أصلاً ، فلا بد للسياسة أن تستبطن قيماً ما، سواء كانت قيم عالمانيّة الحداثة أو قيم الديانات السماوية الثلاثة أو قيم غيرها من ديانات العالم الكبرى كالبوذية والهندوسية ، أو خليطاً من هذا و ذاك.

ثم إن وصف الحكم المُرشَّد إسلامياً بأنه "إسلامي" فيه نظر باعتبار المنطق الداخلي للإسلام ذاته. وذلك لأن أي حكم إسلامي سيكون محاولة تقترب من المثال وتجتهد بشرياً في تحقيق مقتضياته ولا يمكن أن ترتقي إلى كماله ونصاعته. وعلى هذا فإن وصف حكم بأنه إسلامي فيه درجة من الادعائية، فهو حكم "مسلم" لا يعدو أن يكون محاولة تفعيل رؤية إسلامية مهما كان جاداً في إسلاميته، وليس "إسلامي" بالمعنى الحصري للكلمة.  ورحم الله عمر بن الخطاب الذي كان يكره أن يتسمى الناس باسم محمد أو أحد من الأنبياء خشية أن يشبّ الواحد من هؤلاء ويكون من أهل الفسق أو ممن تسوء أخلاقه.

ثانياً: ولم تُستخدم عبارة "تطبيق الشريعة" لأنه يعتريها الوهم أيضاً . فهناك من الناس من اقترن في ذهنه هذا المفهوم مع القسر والإكراه وملاحقة الأفراد لجبرهم القيام بالفرائض  والمندوبات، وحجزهم عن كل تصرف يُهيّأ للقائمين المنفِّذِين أنه حرام أو مفسدة أو مكروه.  ولا يخفى تعدد مصادر هذا الخلط ، وقد يستحضر الكثير صورة حكم الطالبان وجهلهم.  وإذا اعتبرنا أن وسائل الإعلام هي المصدر الأساسي لهذا الوهم فإنه لا يمكن إعفاء بعض الوعّاظ أو المتكلمين نيابة عن الإسلام الذين يتفوهون بعبارات مُشكلة أو غير دقيقة.

ويشار هنا أنه ربما لا يستحضر الكثير من الناس أن عبارة "منكم" في آية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليست للتبعيض و لكن لبيان النوع على الأصح؛ أي أن المعنى ليس أن تتفرد مجموعة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما يعني ولتكونوا جميعُكم أمةً تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر،  أمةً حيّة تُمارس واجب التناصح.  ولنا أن نتذكر أن تاريخ المجتمعات المسلمة كان تاريخ مؤسسات مدنيّة مرتبطة بالحي والصنعة وما شابهها ولم يكن تاريخ دولة قهر بالمعنى المعاصر. وعلاوة على ذلك فإن عبارة "تطبيق الشريعة" قد تُوهم رغبةَ فَرْضِها على غير المسلمين -وهو الأمر المخالف للشريعة ذاتها- وهو الذي لم يعرفه تاريخنا أيضاً.

وأخيراً، فإنه ليس هناك وضوح فيما يعنيه مصطلح الشريعة.  فالشريعة في فهم العلماء والمفكرين الإسلاميين هي القيم الكبرى والثوابت العامة والموجّهات الخُلُقية للإسلام، أما في فهم عامة المشايخ وكثير من الناس فهي تراث النتاج الفقهي المتراكم.  وينتج عن عدم التفريق بين هذين الوجهين إشكال كبير.  إن الشريعة في معناها الأول ثابتة، ولكنها تقتضي التجديد الدائم في التطبيقات حيث يتمّ تنـزيل المبادئ العامة للشريعة على الواقع في الزمن والمكان المخصوص، فيتولد فقه جديد يتميز -بآن واحد- بوحدة الجذر وبتنوع الثمار، بالأصالة و بالمعاصرة، بالثبات و بالتكيّف.  أما الشريعة في المعنى الثاني فتشير إلى تفصيلاتِ فهومٍ تاريخية إن صحّت في زمانها فقد لا تناسب الظرف الموضوعي الذي يُرجى معالجته في الواقع المعاصر.  ورغم أن التراث غني وزاخر بالنفائس وجدير بالتبصّر والتفحّص والاستفادة كتجربة تاريخية للمسلمين، فإن خلع اسم الشريعة عليه يدفع إما باتجاه الوقوعِ فيما لم ترده الشريعة أصلاً أو الانحباسِ في مساحات انقضى زمنها.  ولذلك فإن استخدام مصطلح "تطبيق الشريعة" من غير تحريرٍ للمعنى المقصود بالشريعة يُشكّل مصدر تشكّك عند شرائح كثيرة من المسلمين الذين يتوجّسون الجمود والانكفاء وتحكّم المتكلّمين باسم التراث.

ولكن لعل الأهم من ذلك أن استخدام عبارة "تطبيق الشريعة" يفسح مجال التلاعب والمزاودة من قِبَل الحكومات، سواء بادعائها أن تطبيق الشريعة يتمّ من خلال إقامة الحدود والعقوبات –وكأن الإسلام لم يأت إلا بهذا وكأن العقوبات تُشكِّل جوهر الإسلام – أو من خلال تطبيق قانون الأحوال الشخصية -وكأنه يمكن اختزال نظام الإسلام إلى قوانين الزواج والطلاق.  بل وتختار هذه الحكومات عادة أضيق الأقوال الفقهية وتهيّج العامّة نحوها لأغراض سياسية استعراضية، فيقع المسلمون الجادّون في حرج لأنهم إذا عارضوا يُخيل أنهم يعارضون الشريعة ذاتها، وتبقى البلاد ترزخ تحت إجرائيات تزيد الأمة وهناً وفقراً .

ثالثاً: لقد تجنّب تعريفُ الحكم المستنير إسلامياً عبارة "ديمقراطي" لأنها أصبحت عبارة فضفاضة ليس لها معنى واحد، بل ولقد أصبح يمجّها البعض من الناس يمجّها لأنها تُستخدم ذريعة للعبث بمصائر الشعوب وفرض هيمنة خارجية نفسية وعملية، ويبدي البعض الآخر حيرة منها على الأقل لذا تراه يشفعها بصفة أخرى مثل الديمقراطية الحقيقية.  وبالذات فإن هناك معنيين متباينين جداً لمفهوم الديمقراطية: الأول هو الأدوات والوسائل والإجرائيات المعروفة في إدارة الحكم و تصريف شؤون الناس، والثاني هو إعطاء البشر المرجعية المطلقة ورفض أي مرجعية خُلُقية أو قِـيَمِيَّة متعالية وخارجة على نطاق الحياة المادية الأرضية.

ولا يخفى أنه لا إشكال في معنى الديمقراطية الأول ، وما دامت الوسائل هي مدار النقاش فالتدبر في مناسبة هذه الوسائل وإمكان أقلمتها مع الواقع الذي يُطلب أن تُطبّق فيه حكمة واجبة.  وكما هو معروف فإن الديمقراطية بمعنى وسائلها وطرقها لم يخترعها الغرب بل عرفتها أقوام التاريخ بشكل أو آخر بما فيه التجربة المسلمة (ولقد عالج العدد 17  للرشاد هذه الفكرة بتفصيل أكبر). وضمن هذا المعنى أصبحت الحركات الإسلامية الكبرى اليوم تتكلم بالديمقراطية وتعتبرها من مطالبها.

ونظراً لوجود هذين المعنيين المتباينين للديمقراطية فإن استخدامها كمصطلح مُشكل حيث لا يُفهم إذا كان المقصود منه المفهوم الإجرائي الأول أم المفهوم الثاني الذي يُفرِّغ الثقافة المحلية للشعوب من عناصر ذاتيتها.  والسؤال هنا فيما إذا كان يمكن تلافي الخلط باستعمال عبارة (الوسائل الديمقراطية) بدل إفراد ذكر الديمقراطية.  وعلى كل حال، فمن الأنفع التكلم في عناصر الديمقراطية بدل ترديد شعار غامض؛ أي أنه من الأنفع عند مناقشة مسألة الحكم استحضار أن المسألة تتصل بالتشاور والمشاركة الجادة، وتتصل بالأشكال المتنوعة للتمثيل، كما تتصل بترسيخ ضوابط القانون والأخذ بالعرف.

وأشير هنا إلى أن مسألة اعتبار الأعراف التي اصطلحت عليها الناس أمر محوري في حياة المجتمعات لأنه يُمكّن من عدم إقحام القانون في كلّ صغيرة وكبيرة (وهو من أبرز مشاكل الممارسة الديمقراطية الحديثة)، وبذلك يتمُّ حجب التدخل الحكومي فيما استطاعت الناس أن تحلّه وتُسيِّره من خلال الأعراف. وهذا أمر هام لأن تطبيق القانون يترافق ضرورة مع مراقبة الإنفاذ من قبل الحكومة، وهو الأمر الذي يجب أن لا يتضخم لأنه يستجلب قوة الإكراه المودوعة في السلطة والذي يصبح خانقاً عند اتساعه.  ومرة ثانية فإن قوة الوجود المسلم تاريخياً لم يكن مصدره قوة الحكم ووصول نفوذه إلى كل مناحي الحياة، بقدر ما كان في تملّك المجتمعات والبنى الصغيرة للمجتمع مفاتيح القرارات الهامة في حياة الأفراد إلى جانب سلطتها العرفية على نمط ما يُعرف اليوم بمؤسسات المجتمع المدني .

والخلاصة إن مصطلح الديمقراطية مُشكل مثل مصطلح الحاكمية ، فقبولهما من غير تفصيل يُشكل عند البعض ورفضهما يُحدِث إشكالاً عند البعض الآخر.  وقد حاول د. حسن الترابي تجاوز إشكال مصطلح الحاكمية بقوله "الحكم لله والسلطة للشعب"، ولعله يمكن تجاوز إشكالية مصطلح الديمقراطية باستعمال عبارة "الوسائل الديمقراطية" أو عبارة "آليات التمثيل والمشاركة السياسية".  ويضاف هنا أنه تُشكِل أيضاً عبارات "الإسلام هو الحل" و "دستورنا القرآن" ، إلا ضمن معنى  الشعار العام.  فالإسلام يُقدِّم حلاًّّ عندما يُطوِّر أصحابُه مشروعاً سياسياً واضحاً، وذلك لأن أيّ حلٍّ يتوقّف على رؤية عملية مفصّلة.  وقولة دستورنا القرآن صحيحة على المجاز، فالقرآن ليس مجرد وثيقةً سياسية أو قانونية وإنما يُفترض أن يكون مُلهِم الدستور وخلفيته.  ولو قيل "دستورنا القواعد الأصولية" لكان ذلك أقرب لأنها تنضوي على مبادئ عامة حول حفظ الحقوق وما شابه؛ ولكن حتى القواعد الأصولية تبدو أقرب لأن تكون مصدراً للدستور أو بعض آليات صياغته وليست دستوراً بالمعنى المدني المحدّد.  ولا شكّ أن هناك ثغرة في الخيال السياسي الشعبي الإسلامي، ثغرة غياب صياغة عملية معاصرة للتنسيق وحفظ الحقوق وتوزيع الواجبات بشكل واضح ومحدد يضع الجميع في صيغة تعايش مقبولة على نحو ما قامت به "وثيقة المدينة" والتي مثّلت دستور ذاك الوضع الزماني المكاني. 

وقد يُستغرب هذا الزهد بمصطلح الديمقراطية مع أنه أصبح بمثابة العملة السياسية القياسـية المتداولة، ومع أن هناك محاولات نشر ما يُسمّى بالثقافة الديمقراطية في العالم الإسلامي.  ولكن يصعب إيراد الأدلة العلمية التي تُبشِّر بنجاح هذا المصطلح، إذ تدلّ المؤشرات الميدانية على أن الاهتمام بهذه الطروحات محدود جداً وأن الجمهور لا يُبدي ثقة عالية بمثل هذه الدعاوى.  وهذا ملحوظ بوضوح سواء في المقالات الصحفية أو في التعليقات العفوية الساخرة في مجالس الناس وسمر العائلات.  ثم إن عامة الناس تعرف أن كلا هتلر وشارون حكما من خلال منظومة ديمقراطية، وأن الاستعمار القديم والحديث يمارس من خلال منظومات ديمقراطية؛ وكيف لا يُحدث مصطلح الديمقراطية إشكالاً عند المسلم والعربي وهو يرى أن هذا الخطاب متلبّس اليوم بمشروع سياسي تفتيتيٍّ يحاول أن يُعمِّق الشروخ الطائفية بدل أن يلحمْها.  وإن أدنى معرفة بعلم الاتصال البشري أو علم التسويق تؤكد أن أي شعار شعبي لا بدّ له أن يتخاطب مع الواقع الحياتي الذي يعيشه الناس.

ثم أضف إلى ذلك أن الدعاوى الديمقراطية كثيراً ما تُشخّص المشكلة بأن الثقافة العربية الإسلامية ثقافة اسـتبدادية وأن المسلمين بحاجة إلى أن "يفهموا" الديمقراطية و "يرتقوا" إلى علاها، على نمط الأدبيات الإستشراقية التي لم تفتأ أن تصوّر الاستبداد كجزء أصيل من جِبلّة الشرق وثقافاته.  ولا تخفى النـز عة الاصطفائية حتى في الغيور من أصحاب هذه الدعاوى.  إن شمول الإسلام في أذهان الشعوب المسلمة وعمق بُعد العدالة في مخيلتهم، إلى جانب جموده الخطاب التقليدي من جهة وارتكاس الممارسة الديمقراطية من جهة أخرى، يجعل من الصعب الاتفاق على معنى محدّد للديمقراطية.  وإنه مع الاعتراف بأن خبرة المسلمين العملية في كيفية تطبيق معاصر لرؤية سياسية إسلامية ما زالت محدودة، فإن نقص الخبرة شيئ وعدم الأهلية الحضارية شيئ آخر.  وإن في تجربة الشرق الآسيوي -مثل الصين وفيتنام- عبرة حيث فشلت الإشتراكية الشيوعية من أن تضرب بجدورها وكانت البوذية وغيرها من الأديان الشرقية هي الأرضية التي استند عليها وامتزج بها الوعي العام والمخيال السياسي؛ وكذا يمكن القول في تجربة بلاد أمريكا اللاتينية التي لم تنجح فيها السياسات الاشتراكية عندما استندت إلى المبادئ الماركسية المستوردة، وهي ترجع اليوم إلى محاولات تطبيق سياسات تستند إلى الثقافات المحلية التاريخية التي تُعلي من شأن المشاركة الشعبية والمساواة. 

أما إذا حاولنا إزاحة الغموض من مصطلح الديمقراطية بالنص على أنها الديمقراطية-الليبرالية، فإن استحضار الشاهد التاريخي القريب للمجتمعات العربية يجعل احتمال نجاح أي خطاب مُفعم بالروح الفلسفية الأخلاقية الغربية أمراً مشكوكاً فيه.  فلنا أن نتذكر أن هذه ليست أول مرة تجري فيها محاولة تطبيع المصطلحات الغربية (ديمقراطية، تحررية، اشتراكية...ألخ)، بل هو بالضبط ما شهدته البلاد عقب فترة الاستعمار، وفشلت هذه الشعارات أن تحظى بالمخيال الشعبي –رغم أن الخطاب الإسلامي آنذاك كان أقل نضوجاً منه اليوم ، ورغم أن الإقبال على المستورد كان على أشدّه- وتشكّلت نخب إيديولوجية تتبنى طروحات غير ملتصقة بآمال الجماهير وتترفّع –عملياً- عن المجتمع، مما انتهى بالأمر إلى الحيرة والإحباط الذين وطّأا للاستبداد.  وإشكالية الاستبداد في البلاد العربية لا تقتصر على الاسـتئثار والتفرّد، بل تتأزم بالخصوص في الفقدان شـبه الكامل للشرعية الثقافية، الأمر الذي يُبرر للبعض المقاومة الرفضية غير البنّاءة بل والعُنفية أحياناً.

إن الذي تؤكده هذه المعالجة هو التفارق بين أفق الثقافة السياسية من المنظور الفلسفي الحداثي (الليبرالي-النفعي) وبين أفق الثقافة العربية الإسلامية. ولا يخفى أنه تُستغل هذه المسألة الشائكة من قبل الإعلام العالمي ليُعطي الانطباع بأن الثقافة المسلمة هي ثقافة جبرية غير قادرة أو جاهزة لاستقبال الديمقراطية.  وينقسم أصحاب الرؤية السياسية الغربية لمستقبل المسلمين إلى فريقين: فريق مُشفق يؤكد أن الشعوب المسلمة هي بشر مثل غيرهم وإنما يلزم إعطاؤهم الفرصة والزمن الكافي حتى يهضموا المبادئ الليبرالية، وفريق مغرض لا يُخفي إعتقاده باستحالة تنوير المسلمين بالديمقراطية الليبرالية ولا يرى بديلاً عن السيطرة عليهم والتحكّم بمصائرهم لحماية العالم من شرورهم.  ولكن من منظور الثقافة العربية الإسلامية فإن كلا هذين الطرحين سـطحيين. وحتى الطرح المشفق منهما فإنه يغيب عنه أن الثقافة الإسلامية تتطلع نحو آفاق عدل أعمق من الذي تَعِدُ به الإجرائيات الديمقراطية.  ثم أن الرؤية الإسلامية تضع هوبز و لوك في خانة واحدة، وذلك لأن كلاً من هوبز وفكرة ضرورة الدولة المستأسدة و لوك وفكرة دولة السطوة القانونية يودعان المفتاح السحري للحلِّ بيد الدولة وأجهزتها بدل إيداعها في مؤسـسات المجتمع العرفية الفطرية كما يراها النموذج الإسلامي (والدّيني بشكل عام).  إن الإشكالية الرئيسة التي تركّز عليها المعالجة في هذا المقال تقع في الفصام بين المضمون الخُلُقي والإطار التصوري للنموذج السياسي المرتجى وبين الترتيبات والوسائل السياسية العملية.  وما دام هناك فصام بينهما فإن احتمال نجاح الوسائل المستعارة ضئيل، والنجاح -إن حصل- فإنه يغلب أن يكون قصير المدى، وبقدر عمق الفجوة بقدر احتمال الفشل أو حصول التضارب؛ وكل هذا مما يُطوِّل رحلة نضوج رؤية سياسية موطَّنة أو يُفوّتها.

وأخيراً أرجو أن لا يكون هناك حاجة للتأكيد على أنه لا يُتصور القفز فوق الخبرة البشرية في الإجرائيات القانونية الحديثة، أو عدم النظر والاستفادة من الأشكال المتنوعة للضوابط والترتيبات التي تُدرج تحت وصف الديمقراطية، بل إن الحاجة إلى تقييم مدى مناسبة كل هذا وفعّاليته واجب أكيد.  ومن ناحية عملية بحتة لا بدّ من استعمال بعض الوسائل الديمقراطية المعروفة لأنه قد تمّ فعلاً اسـتيراد نموذج الدولة الحديثة وقد أصبح هذا واقعاً محققاً لا يُتصور تجاهله. فنموذج الدولة الحديثة بطبعه وبُنيته وآليات تحركه مُتعدٍّ على الاجتماع الطبيعي للإنسان، ولا بدّ أن يُشفع بضوابطه وإلا تحول إلى آلة قمع مخيفة. ومثال ذلك مثال مدينة الأزقّة الضيقة الحافلة بكثافة العلاقات الاجتماعية التي استورد جهّال وجهاؤها سيارات سريعة فارهة لا يُمكنها خدمة حاجات سكان هذه الأزقّة إلا بعد وطئ عتبات ديارهم وإزاحة منتدى سمرهم و تلويث هوائهم وتربتهم، فهل يُعقل الاسـتغناء عن كوابح هذه السيارات وأحزمة أمانها بغض النظر عن الحاجة الأصلية لهذه السيارات.  فالذي أكّد عليه في هذا المقال هو أن مصطلح الديمقراطية مشكل لعموميته. وهناك مضامين أخرى يمكن أن يحتويها مصطلح الديمقراطية لم يناقشها المقال، مثل رفض الترتيبة الملكيّة للحكم ورفض مبدأ توارث السلطة ورفض الطائفية السياسية والرفض التام وغير المشروط لأي نوع من الاستبداد والتأكيد على اللامركزية وفصل السلطات... وهذا بالضبط هو السبب الذي يستلزم الكلام بالمضامين بدل مجرد رفع الشعار.

*    *    *

 وبعد، إن النضوج النسبي الذي يلحظه المراقب لحال الأمة ، سواء في قناعتها بضرورة الاستغناء عن الحلول المبسترة المستوردة أو في ملَلِها من الحلول المحلِّية المزاجية الاعتباطية، إلى جانب رغبتها الأكيدة أن تعكس مؤسساتُ المجتمعِ السياسية والاقتصادية خصائصَ خصالها الثقافية، وإلى جانب ظاهرة محاولة اشتراك التيار الإسلامي في الحكم؛ إن هذا النضوج يجعل من الضروري أن يكون واضحاً ما هو المقصود بحكم له توجه اسلامي وأن يتم تجاوز مرحلة الشعارات، وأن تبدأ عملية حوار في أبعاد محددة (اقترح هذا المقال في مقدمته خمسةً منها)، لكي يتمّ بعدها البناء والتفصيل والتخريج على هذه الأبعاد.  إن السلام والاستقرار في بلدان المسلمين يتوقف على تجاوز مرحلة السبابّ والتنديد بالحكام وفساد السلطات وأن يتوجه إيجابياً نحو صياغة مشروع وطني تجتمع عليه غالبية فصائل المجتمع، بما فيها المجموعات غير المتديِّنة والتي تقبل الإسلام كمفهوم و انتماء حضاري فحسب، وبما فيها المجموعات المتديِّنة التي ربما أدركت (أو يجب أن تدرك نظرياً وعملياً) أن إصلاح المجتمع يتجاوز قضية الالتزام العبادي والتّقى الشخصي، وأنه يتمحور لحدٍّ كبير حول الإصلاح المؤسسي، وأن اجتماع الأمة مقدّم على أي اعتبار آخر.