كي لا يكون دُوْلة بين الأغنياء
بدأت
تجربة المصارف
الإسلامية في
النصف الثاني
من القرن العشرين
كجواب على
التحدي
الاقتصادي
الذي واجهه المسلمون
عقب الحصول
على
الاستقلال. وقد طرح
الدكتور " عبد
العزيز
النجار " في
كتابه عن
تجربة
المصارف
الإسلامية ،
والذي نشره في
أوائل
السبعينات
تصوراً ربط
نجاح عملية التمويل
والاستثمار
ببنية ثقافية
تشجّع
الادخار والاستثمار
ضمن بنية
اجتماعية
تشكّل الضمان
لحسن سير
الاستثمار،
والجدية في
إدارة المشروعات
من خلال
الانتماء
والحرص على
السمعة والحرص
على أموال
المودعين
الذين يربطهم
بالمستثمر
علاقات يصعب
التفريط بها
والإساءة إليها
.
وانطلاقاً
من الإيمان
بتكامل عملية
التنمية وارتباطها
بخلفيات
الثقافة
وتعلّقها
بالسلوك
اليومي في
إطار العلاقة
بالأشياء
والأفكار
والبنية
الاجتماعية
نقدم للأخوة
القرّاء
ترجمة لقابلة
أجرتها إحدى
الدوريات
الصادرة عن
منظمة
اليونسكو
التابعة
للأمم المتحدة
مع مؤسس "بنك
غرامين" في
بنغلاديش
البروفيسور
محمد يونس..
وتعتبر تجربة
هذا البنك
نموذجاً
رائداً لمنهج
في التفكير
يتحدّى
القوالب التي
تحصر تفكيرنا
عند معالجة
المشكلات،
ويعطي المثال
العملي
الناجح
لتواؤم
التنمية
الاقتصادية مع
التنمية
الاجتماعية
والنفسية
للمرأة المسلمة
التي فقدت
كرامتها
وشعورها
بالثقة
بالنفس وقدرتها
على الإنجاز.
حصل "
بنك غرامين "
والذي أسسه
البروفسور
محمد يونس عام
1983
في بنغلاديش
على شهرة
متفردة، وذلك
لأنه البنك
الوحيد الذي
يقرض الفقراء
... والغالبية
العظمى من
زبائنه هنّ من
النساء.
وقد شجّع
نجاح
هذا البنك
على إقامة
مشروعات
مشابهة في
كثير من البلدان
النامية مثل
ماليزيا
والفليبين
وبوكينوفاسو،
بالإضافة إلى
فرنسا وكندا
والولايات
المتحدة.
وفي
إحدى
الدوريات
التي تصدرها
منظمة اليونسكو
التابعة
للأمم
المتحدة
أُجريت مع
مؤسس البنك
البروفيسور
محمد يونس هذه
المقابلة:
¨
سؤال
: ما الذي
أعطاك الفكرة
بتأسيس بنك
لمساعدة
الفقراء ؟
عندما
أصبحت
بنغلاديش
مستقلة عام 1971
كان الجميع
متفائلاً
ومقتنعاً أن
حياتنا
ستتحسن... ولكن
بالعكس بدأت
تتدهور
الأمور بسرعة
كبيرة.
وفي
عام 1974 تعرّضت
بنغلاديش
لمجاعة، وفي
ذلك الوقت كنت
أدرّس الاقتصاد
في جامعة
"شيتاغونج"،
وفي الوقت الذي
كنت أقوم فيه
بتدريس
النظريات
الاقتصادية
الجميلة
الحالمة كان
الناس يموتون
.. وكان ذلك
أمراً صعب
القبول،
وبدأت أفكّر
بطريقة لمساعدة
الفقراء ورفع
حياتهم فوق
عتبة الفقر .
كانت
الجامعة في
منطقة ريفية ،
وبمجرّد ما أترك
الجامعة أجد
نفسي في قرية
يعاني الناس
فيها من
الحاجة لأبسط
المبالغ !!
وفكّرت في
طريقة لتأمين
هذه المبالغ
البسيطة حتى
يتخطّوا صعوباتهم
... وفي البداية
كنت أعطيهم
سلفاّ من جيبي
... ثم فكّرت
بإنشاء أمر
على أسس
مستقرة ، فطرقت
باب البنوك،
وكان جوابهم
أن فكرتي حمقاء
!! فكيف يمكن
ترتيب هذه
القروض
البسيطة لأناس
هم من أفقر
الخلق ؟
وأعطوني
محاضرات مطوّلة
في أصول صناعة
التمويل !!
ولكني لم أكن
مقتنعاً بما
يقولون ، وكنت
أجيبهم أن
الفقراء هم
أحوج الناس
إلى المال
فيجب أن يوجّه
المال إليهم ..
وكانت
سياستهم هي
إعطاء المال للأغنياء
!! وكان ذلك
عندي
مستغرباً
تماماً
ثم
اقترحتُ لدى
المصارف أن
أكون الضامن
لأموالهم ،
وقمت
بالتوقيع على
كل الوثائق ،
وأُعطيت
الأموال
للمدينين
وكنت مسؤولاً
عن جمع المبالغ
عند
الاستحقاق ...
وكان سروري
عظيماً ودهشتي
بالغة عندما
دفع الجميع
ديونهم في
الوقت المحدد
دون تأخير !!!
رجعت
إلى المصارف
وسألتهم
زيادة عدد
القروض ولكنهم
رفضوا ،
وكانوا
مقتنعين أن
مصير التجربة
إلى الفشل.
وعملت
بنفس الطريقة
، ووسعت مجال
الإقراض إلى
قريتين ثم
خمسة قرى ثم
عشرة ثم خمس
عشرة قرية
وكانت
النتائج
دائماً هي
نفسها ،
فالجميع يسدد
القروض في
موعدها ، ومع
هذا كانت
المصارف ترفض
التمويل .
وتوسّع
المشروع
ليضمّ محافظة
بأكملها ثم خمس
محافظات ..
وكنت أحصل
دائماّ على
الجواب نفسه
من المصارف
ثم
سألت الحكومة
أن تأذن بفتح
مصرف ، وكانت
الحكومة
أيضاً تظنّ أن
هذه فكرة
حمقاء !! وبقيت
أطرق الأبواب سنتين
كاملتين حتى
حصلت على
الإذن بإنشاء
البنك وكان
ذلك سنة 1983 .
¨
سؤال
: واليوم عندك
(12000) موظف
ومليونا
مقترض ، نسبة
النساء فيهم 94%
نعم
أغلب
المقترضين هم
من النساء .
وقد خضنا نضالاً
صعباً حتى
وصلنا إلى هذه
النتيجة .. وكان
الرجال
معادون لهذه
الفكرة ويتساءلون:
كيف تقرض
النساء وهنّ
لا يحسنّ
العدّ؟
وكانت
النساء في
البداية
خائفات من
قبول القروض ،
ويسألن أن
يعطى المال
لأزواجهنّ..
والنساء في
مجتمعنا ليس
عندهنّ ثقة
بالنفس ، فمن
لحظة الولادة
يقال للبنت
أنها تافهة ،
وأن لا قيمة
لها ، وأنها
جلبت الشقاوة
على أسرتها
لأنها بنت !!
ويتكرر هذا
الأمر حتى
يصدق النساء
بهذا الأمر
¨
سؤال
: كيف أقنعت
النساء
بالاقتراض من
البنك ؟
لم
يكن الأمر
سهلاً ، فقد
بدأ الأمر
بالتدريج ،
ولما رأت
النساء نجاح
من اقترض
تشجّعن وجرّبن
حظّهنّ لما
رأين أن الأمر
يسير .
¨
سؤال
: ما هي طبيعة
المشروعات
التي يردن
تمويلها ؟
المشروعات
بسيطة جداً ..
كتربية بقرة ،
أو بيع الحليب
، أو معالجة
محصول الرز ،
أو صناعة السلال
، أو خياطة
بعض الأشياء
التي كانت
المرأة تعملها
على أية حال
دون أن تأخذ
أي أجر ... ونحن نعطي
القروض
للنساء
مباشرة ، أما
الأزواج فلم يعد
لهم دور في
قبض الأجور،
فالنساء يقمن
بالعمل
ويأخذن
الأجور مباشرة
.
¨
سؤال
: هل تعطون
أكثر من قرض
لنفس المقترض
؟
نحن
نستمر في
الإقراض ... فمن
اقترض مبلغ
خمساً وعشرين
دولاراً
ووفاها في سنة
، سيتشجع على
اقتراض خمسين
دولاراً في
المرة
الثانية،
وعندما
يدفعها
سيزداد أفق
طموحه
¨
كم
سنة تمضي بشكل
متوسط قبل أن
يصل زبائنكم
إلى حالة
مالية مستقرة
؟
دلّت
تجربتنا على
أن عشرة قروض
هي ما يلزم
لرفع المقترض
من عتبة الفقر
المدقع ...
وأكثر من ثلث
زبائننا قد
تخطّوا هذه
المرحلة.
إن
من المثير
حقّاً أن نرى
الناس
يرتفعون ويتجاوزون
الفقر،
وهدفنا أن نرى
" المليوني "
عائلة الذين
نتعامل معهم
قد تجاوزوا خط
الفقر في الأعوام
الخمسة
القادمة .
¨
سؤال
: ما هي
العقبات التي
تواجهونها ؟
تتعرض
البلاد
أحياناً
لكوارث
طبيعية ، ففي
سنة 1991 اجتاح
البلاد إعصار
... كان عدد
ضحاياه مائة
وخمسين ألف
إنسان ، ومثل
هذا قد يدمّر
كل شيء .. فقد
تتعرّض البقرة
التي شُريت
بالقرض للمرض
والموت ،
وعندها ستكون
المرأة في
مأزق ، ولكن
المبلغ يجب أن
يعاد... وربما
فقدت ثقتها
بنفسها ، ولكن
واجبنا هو مساعدتها
وتشجيعها.
¨
سؤال
: هل تسامحون
المقترضين في
حال الخسارة ؟
لا أبداً ..
وهذا هو مبدأ
بالنسبة لنا ...
ما نعمله هو
أن نعدّل شروط
القرض ،
ونجعله طويل
الأمد، ونعطي
قرضاً جديداً
قصير الأمد
¨
سؤال
: ولكنّ
الدّين يزداد
؟
نعم
ولا ..
فالأغنياء قد
يكونون تحت
عبء دين كبير
، ولكنهم
يكسبون مالاً
كثيراً،
فالدين ليس
مشكلة إذا كان
يموّل فيجني
بعض المال
للمقترض .. أما
الدين الذي لا
يجني أي دخل
فهو مشكلة ...
على كل حال
عندما تتفق المرأة
مع " بنك
غرامين " فإن
هناك عدداً من
الأمور تَعِد
أن تلتزم بها
، مثل أن لا
تعطي ولا تأخذ
مهراً ،
وتَعِد أن
ترسل أطفالها
إلى المدارس ،
وتَعِد أن لا
تشرب ماءً
ملوّثاً ،
وتَعِد أن
تقوم بزرع
شجرة .
¨
سؤال
: هل ترفضون
الإقراض إذا
كان مشروع
الاستثمار
ليس مربحاً أو
جيداً ؟
لا
نتدخل في هذا
ولا علينا أن
نتدخل ...
فالمرأة التي
تطلب قرضا
تنتمي إلى
مجموعات ،
وهذه المجموعات
هي التي تقترح
الاستثمار
وتوافق عليه ،
ونحن بدورنا
نقول لهم إن
المال هو لنا
، ولكن
الأفكار هي
لكم ، ونحن
نحجم عن إعطاء
أي توجيه حتى
يكون الناس
على ثقة من
أنفسهم، وحتى
يشعروا
ويتحمّلوا
المسؤولية .