مفهوم التسخير

 

في كتاب " مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي " بدأ مالك بن نبي رحمه الله الفصل الأول من الكتاب موضحاً أن الإنسان حين ينتابه شعور بالفراغ الكوني يحاول أن يملأ هذا الفراغ. و طريقة الإنسان في ملء هذا الفراغ تحدد طراز ثقافته و حضارته، فإما أن ينظر حول قدميه أي نحو الأرض، و إما أن يرفع بصره نحو السماء. فالطريقة الأولى تملأ الأشياء وحدةَ الإنسان حيث يجمح بصره لامتلاكها، و الطريقة الثانية تملأ وحدَته بالأفكار و يبحث عن الحقيقة بنظره المتسائل.

و هكذا يستنتج مالك رحمه الله ينشأ عبر الطريقتين نموذجان من الثقافة : ثقافة ذات جذور تقنية، و ثقافة ذات جذور أخلاقية و غيبية. فالظاهرة الدينية تبدو حين يوجه الإنسان بصره نحو السماء، و هنا يظهر الرسول صاحب الدعوة و الرسالة أي ذلك الإنسان الذي يملك أفكاراًً يريد تبليغها للناس. و هذه الخطة لا تتوافق مع مرحلة معينة من التاريخ فحسب، بل مع سائر مراحله التي يتداول فيها صعود الحضارة العالمية إلى القمة و هبوطها إلى الحضيض كرقاص الساعة في دقاته المزدوجة تلكم هي الحضارة في أحيانها و تقلباتها، تكون في الأوج حضارة تتركز فيها الأشياء حول فكرة حيناً، و حيناً تبلغ الأوج حضارة أخرى تتركز فيها الأفكار حول الشئء.

و يتابع مالك رحمه الله الإستدلال على هذا الإستنتاج بقوله: إن الأدب الشعبي يكشف عن جذور الثقافة، مثل قصة (روبنسون كروزو) للكاتب الإنكليزي دانيال ديفو حيث ملأ بطلُ القصة وحدَته في عزلته بصنع طاولة، بينما قادت الوحدةُ و العزلة (حي بن يقظان) في القصة التي كتبها ابن الطفيل إلى التفكير في الروح و الخالق و إدراك النظام الإلهي و صفات الخالق سبحانه.

كلما تذكرت تحليل مالك رحمه الله لخصائص الثقافة على هذا النحو، شعرت برغبة ملحة لمراجعة هذا الكلام و التعقيب عليه، فقد رأيت في هذا التحليل تعميماً لا يستقيم و غفلة عن تأثير السياق التاريخي لعصر ابن الطفيل و عصر دانيال ديفو على ما كتبوه و قدموه.

و لن أتوقف عند تحليل مالك رحمه الله للظاهرة الدينية و أنها تبدو حين يوجه الإنسان بصره إلى السماء، فهذه مغالطة واضحة، و لعل الأصح أن نقول الظاهرة الدينية هي وحي الله و رحمته لعباده يرسلها على لسان رسله و أنبيائه لا ينتفع بها الإنسان الذي تشده دوافعه و غرائزه إلى الأرض ليعيش حياة مادية تحجبه و تمنعه من رفع بصره إلى السماء.

و لكن الذي يعنيني هو الإستنتاج أن في مزاج الثقافة الإسلامية جنوحاً إلى الفكر النظري بالحق و الخير، بينما ركبت أوروبا في ثقافتها مزيجاً من الأشكال و الأشياء و التقنية و الجمالية. و بعبارة أخرى، أن المنطق العملي لإستخدام الأشياء و الإنتفاع بها هي خاصية في الثقافة الأوروبية تتجلى في طريقة تعامل الناس مع بيئتهم. بينما تتجلى عبقرية الثقافة الإسلامية في أمر آخر لا يتعلق بالمنطق العملي للإنتفاع بالأشياء بل يتعلق بفكرة الحق و الخير و الإستغراق النظري في تجليات هذه الأفكار.

إن هذا الكلام من مالك بن نبي رحمه الله لا يستحضر ما قرره في كتبه الأخرى عن دورة الحضارة. فالحضارة عند مالك تبدأ في مرحلة صعود ثم تصل إلى فترة استقرار و انتشار ثم تصل إلى مرحلة أفول و ذبول. و ابن الطفيل الذي توفي سنة 1185 تفصله عن دانيال ديفو الذي توفي سنة 1731 فترة تقارب 550 سنة. و أظن أن من الأجدر أن نتلمس مما كتبه ابن الطفيل في القرن السادس الهجري ملامح بداية التدهور و الإنحطاط في الثقافة الإسلامية في الجنوح إلى النظري و الإبتعاد عن المنطق العملي. بينما يمثل دانيال ديفو مرحلة الصعود في الحضارة الأوروبية حيث أعطته الفكرة الدينية فيما تلا الحروب الصليبية و حركة الإصلاح الديني توجهاً عملياً في التعامل مع الأشياء لم يكن مما عرفه قبل اتصاله بالحضارة و الثقافة الإسلامية.

و إذا كان مالك بن نبي رحمه الله قد أكّد استنتاجه عن خصائص الثقافة بالأدب الشعبي و قصة روبنسون كروزو أو حي بن يقظان، فالجاحظ في كتابه " البيان و التبيين " نقل قصة تعكس توجهاً مغايراً تماماً لما أراد مالك رحمه الله أن يجعله خصيصة أصيلة في الثقافة الإسلامية.

و الجاحظ الذي توفي سنة 869 تفصله عن ابن الطفيل أكثر من ثلاثمائة سنة، فلعل ما كتبه في كتاب العصا من البيان و التبيين يمثل مرحلة أخرى من دورة الحضارة الإسلامية بشكل لا يستقيم مع التعميم الذي أطلقه مالك رحمه الله عن التوجه النظري للثقافة الإسلامية الذي يستوعب مراحل التاريخ !

ففي الجزء الثالث من البيان و التبيين و عندما كان الجاحظ منهمكاً بالرد على الشعوبية الذين دأبوا على الحط من شأن العرب بكل سبيل و من ذلك ما كان من اعتنائهم بحمل العصا. فبدأ بسرد الأخبار و الأشعار و الحجج التي تبين فضل الأوائل من العرب ابتداءً بالرسول الكريم صلى الله عليه و سلم و أصحابه و الخلفاء و الأمراء و دأبهم في التزام اتخاذها و ارتباط ذلك عندهم بالشرف و السيادة. ثم أعقب ذلك و هذا هو الشاهد في نقل هذا الفصل بذكر منافع استعمال العصا بطريقة عملية ترصد أوجه الإرتفاق و الإنتفاع بالعصا و جاء من ذلك بالظريف العجيب. ثم أورد قصة عن رجل تغلبي من ولد عمرو بن كلثوم و كيف كان في سفره يقلب وجوه استعماله لعصاه و يستخرج منها الأداة بعد الأداة و يتفنن في تقليب وجوه استعمالها بما أثار عجب صديق سفره الشعوبي و حمله على الإقرار بوجاهة هذا الرمز الثقافي لإرتباطه بثقافة عملية استعمالية أصيلة. و لولا طول الخبر و وعورة و صعوبة بعض ألفاظه لكان في إيراد ما كتبه الجاحظ بنصه فائدة و متعة. و لكن الذي يهمنا في هذا المقام أن الجاحظ الذي عاش قبل ابن الطفيل بثلاثمائة عام كان ينتمي إلى مرحلة مختلفة من دورة الحضارة الإسلامية فالتفت إلى المعاني الإستعمالية و استنباط وجوه الإرتفاق في استعمال العصا و لم يتوقف عند المعنى الثقافي الرمزي للعصا عند العرب و ذلك بشكل لا ينسجم مع التعميم المجحف الذي أطلقه مالك رحمه الله في أن الثقافة الإسلامية لها مزاج في الإحتفال النظري بفكرة الحق و الخير و الإبتعاد عن الإهتمام بالأشياء و الأشكال و التقنية و الجمال.

إن ما يهمنا من طرح هذه القضية هو تأصيل نظرة قرآنية متوازنة لمفهوم التسخير و تزكية هذا التسخير لتتوسع و تتعدد أوجه الإرتفاق و الإستعمال لكل ما خلق الله في السموات و الأرض لخدمة الإنسان و تزكية حياته. فالجاحظ في احتفاله ببيان أوجه استعمال الأشياء أقرب إلى منطق القرآن و أقرب إلى روح الثقافة الإسلامية في عصر ازدهارها.

إنه لا بد من بيان النظرة القرآنية للتسخير حتى يعود التوازن إلى عقل المسلم و يعود التوازن العملي إلى حياته ليدرك واجبه في إعداد الكفاية لكل ما يعود على الأمة بالنفع، و حتى لا يكون الإعراض عن التسخير و إتقانه مظنة توافق مزعوم مع مزاج و عقلية الحضارة الإسلامية.

إنه لا بد من تحرير المسلم من عقد النقص و الدونية التي يشعر بها و هو يعيش عصر الحداثة و هيمنة التكنولوجيا، و لابد أن نعيد إلى المسلم ثقته بنفسه و قدرته على تحقيق الكفاية و حل مشكلاته بعقلية عملية استعمالية تعتمد على المتوفر من الأسباب و الإمكانيات بعيداً عن الكسل و التفكير بالإستيراد و الإستهلاك طريقاً وحيداً للخروج من الأزمات.

رحم الله مالك بن نبي فقد كان في كل ما كتب عن شروط النهضة يحاول أن يعيد التوازن إلى علاقة الإنسان بعناصر الحضارة من الوقت و التراب، أي بالزمن و الأشياء. و ما حاولته في هذا المقال هو تحرير ما أحسبه خللاً في علاقة المسلم بالأشياء من خلال التذكير بمفهوم التسخير.

و الله أعلم