في
الكتاب
الجديد الذي
صدر حديثاً
للدكتور " جفري
لانج " يعرض
المؤلف مشكلة
تواجه مستقبل
الجالية المسلمة
في الولايات
المتحدة
الأمريكية .
و
تتلخص
المشكلة في أن
أبناء
المسلمين
المهاجرين
إلى الولايات
المتحدة
يعرضون عن
المساجد و
المراكز
الإسلامية و
صلتهم مقطوعة
بالجالية و
نشاطاتها، و
ذلك لأن
الأجواء و
الممارسات السائدة
في المساجد و
المراكز هي
أجواء تقصي أبناء
الجيل الثاني
من المسلمين و
لا تشجع العقلية
النقدية و لا
تسمح بمجال
للرأي
المخالف و لا
تجذب إليها
المعتنقين
الجدد .
فالمساجد و
المراكز هي
تجمع
للمهاجرين
الجدد و
الطلاب الأجانب،
أما الجيل
الثاني فلا
وجود له، و لا
شك أن هذا هو
الخطر الذي
يتهدد مستقبل
المسلمين في
هذا الموطن
الجديد .
لقد
بدأت الموجة
الجديدة من
هجرة
المسلمين إلى
الولايات
المتحدة في
أوائل
الستينات من القرن
الماضي. و منذ
ذلك الوقت إلى
الآن مضى ما يكفي
لتكوين جيل من
أبناء
المهاجرين، و
إذا أضفنا إلى
ذلك موجة
الإعتناق
للإسلام من
الأفارقة
الأمريكيين و
غيرهم من
الأعراق و
الأجناس، فإن
هناك جيل كامل
من المسلمين
الأمريكيين
مولداً و نشأة،
و لكنهم قرروا
أن يبقوا
بعيدين عن
المساجد و
المراكز
الإسلامية
التي تضيق بهم
و بطريقة
تفكيرهم .
و
يضرب الدكتور
" لانج " مثالاً
على هذا
التحليل مسجد
" لورنس " في
ولاية كنساس،
فهناك أكثر من
سبعمائة من
أبناء الجيل
الثاني من
أبناء
المسلمين لا
يحضر منهم
صلاة الجمعة
سوى عشرون، و
من بين طلاب
جامعة " لورنس
" هناك أكثر من
مائتين و
خمسين من
أبناء المسلمين
لا يحضر منهم
أحد، أما رواد
المسجد فهم
الطلاب
الأجانب .
و
قد بدأ الكاتب
مقدمة كتابه
ببيان الفجوة
التي تفصل
أبناء الجيل
الثاني من
المسلمين عن المجتمع
الأمريكي و
كيف تشكل هذه
الفجوة أزمة يحسون
بثقلها و
ضغطها . ولقد
استهل الكاتب
بيان هذه
الفجوة بنقل
حوار مثير جرى
بينه و بين ابنته
جميلة –تسع سنوات–
أثناء جولة في
الحي أحد
أمسيات الصيف
عندما فاجأته
بسؤال غريب:
يا أبتِ ماذا
تفعل لو أني
أصبحت
نصرانية في
يوم من
الأيام؟ و بعد
حوار متماسك
رصين حاول
الأب أن يخفي
خلاله استغرابه
للسؤال و خيبة
أمله، أفصحت
الفتاة الصغيرة
عن حقيقة
مشاعرها
بقولها: يا
أبت أنا لا
أفكر جدياً
بالإنتقال
إلى
النصرانية و
لكني أظن أن
الحياة ستكون
أكثر يسراً
إذا لم أكن
مسلمة .
يعيش
الجيل الجديد
حياته في
أمريكا و
المدارس على
وجه الخصوص في
مجتمع ينظر
إلى الإسلام بطريقة
دونية متوجسة
حيث تصطدم
رغبة الأطفال الفطرية
في الإنتماء و
الإندماج بانتسابهم
إلى جالية من
الغرباء غير
المرغوب بهم .
و
رغم أن هناك
فرق واضح بين
الإسلام و
الثقافة
العامة في
أمريكا، إلا
أن هذا الفرق
يتضخم كثيراً
عند الخلط بين
الإسلام و
أعراف و
تقاليد شعوب
بلاد
الأكثرية
المسلمة، و
خاصة أن أكثر المساجد
في أمريكا
تدار من مهاجرين
و طلاب أجانب
كثير منهم
يساوي بين
الإسلام و
تقاليد بلده
الأم و التي
قد تحوي
الكثير من التوجهات
و الممارسات
غير
الإسلامية،
أو الممارسات
المبالغة في
التشدد و
الحيطة و الحذر
و خاصة في
القضايا التي
تخص التعامل
مع النساء،
إلى جانب
التوجس من
توجهات
الثقافة الأمريكية
التي تبدو
متفلتة .
يعيش
الناشئون
المسلمون
أزمة تعارض
بين عقليتين
لا يمكن
تعايشهما:
فالمسجد يضع
تأكيداً مبالغاً
فيه على
التقاليد و
الأعراف و
التجانس و
الإنصياع،
بينما ثقافة
المجتمع
تُعلي من شان
العقلانية و
الفردية. و يؤكد
المسلمون على
الأمور
التقليدية و
ضوابط السلوك
التي تـُعطى
صفة الخلود و
الدوام،
بينما يعتمد
المجتمع
الأمريكي على
التكيف و
الإبداع . و
يؤكد نظام
التعليم في
أمريكا على
البحث و النقد
الموضوعي،
ويبدي المسلمون
مقاومة شديدة
لهذه
التوجهات و
خاصة عندما
يتعلق
بالإسلام . و
تشجع المدارس
الطلاب على
التحدي و
التساؤل،
بينما تعلم
المساجد أطفال
المسلمين ألا
يتساءلوا عن
أمور الدين .
و
بالطبع،
تعاني كل
الأديان في
أمريكا من مثل
هذه الضغوط و
لكن الفرق في
ما يتعلق
بالإسلام أن
كثيراً من
الأعراف تمت
بلورتها بشكل
يـُبقي
مجالاً
ضئيلاً
لإعادة
التفسير و
التكيف ليترك
مجالاً
كبيراً
للتساؤلات و
الشكوك في عقول
الشباب
المسلمين . و
بهذا ينشأ
الأطفال المسلمون
في أمريكا في
ظروف صدام بين
ثقافتين متعارضتين
بشكل صارخ،
الثقافة
الأمريكية و ثقافة
أجواء
المساجد، و
نستطيع أن
نحكم من خلال
غياب الجيل
الثاني من
أبناء
المسلمين عن نشاطات
الجالية أن
الأغلبية
العظمى منهم
اختارت عدم
المواجهة و
الإنسحاب
بعيداً عن
فعاليات
المساجد و كل
فعاليات
المسلمين
الأخرى .
إن
الجيل الثاني
من أبناء
المسلمين
ينشأ في أشد
الثقافات
حيوية في
العالم حيث
تمتلك القدرة
على الإختراق
و التأثير في
انحاء الأرض
بما في ذلك
أبناء بلاد
المسلمين. و
تبدو المساجد
و المراكز
الإسلامية
على هذا و
كأنها النقيض
للمجتمع
الكبير الذي
سيعيش فيه
أباء المسلمين
و يتعلمون و
يعملون. و إذا
كانت إدارات
المساجد
تعتقد أنها
تمثل صورة
الإسلام
الصحيحة، فالأجيال
الناشئة لا
ترى أية علاقة
بين حياتهم و
هذا الإسلام،
و لن يكون
مستغرباً على
هذا أن يتساءل
الشاب
الأمريكي
المسلم عن
قضايا تتعلق
بمصداقية
الإيمان و
تطبيقاته في
الحياة .
إن
أزمة الثقة و
عدم الإرتياح
متبادلة بين
جيل الناشئين
و الجيل
القديم،
فكثير من
مهاجري الجيل
الأول
ينـزعجون
بشدة للفجوة
الثقافية
التي تفصلهم
عن الجيل
الثاني الذي
اندمج مع
عادات
الأمريكيين و
طريقة
تفكيرهم، أما
الناشئة من
أبناء الجيل
الثاني
فغالباً ما يشكون
أن الكبار
يسألون
باستمرار عن
اخلاصهم و ولائهم
لعادات
الوطن، و
غالباً ما
يتعرضون للتشهير
و التقريع
عندما لا
يتصرفون
كأقرانهم في
الوطن الأم . و
على النقيض من
هذا، فعلى
الرغم من
الجهل و
التحامل الذي
يبديه
المجتمع الأمريكي
تجاه
المسلمين فإن
أكثر الشباب
الذين اتصل
بهم المؤلف
أكدوا له أن
غير المسلمين
هم على الأغلب
أكثر تفهماً و
قبولاً لهم من
أبناء
جاليتهم من
المسلمين . و
بهذا يظهر سبب
آخر يساهم في
إقصاء أبناء
الجيل .
إن
الهجرة
الجماعية
لأبناء
المسلمين و
المعتنقين
الجدد عن
المساجد
ستستمر حتى
تقرر الجالية
أن تتصدى لهذا
الأمر و تتفهم
أسبابه . و لا
يعذر
القائمين على
أمر المساجد و
المراكز زعمهم
أن الذين
اختاروا
الإبتعاد هم
الذين يستحقون
اللوم لأنهم
آثروا متاع
الدنيا على
الواجبات و التبعات
الدينية، فمن
الممكن أن تتعلق
المشكلة بعدم
القدرة على
التواصل مع
هذا الجيل و
فهمه و فهم ما
يمثله، وأن
هناك أخطاء مهمة
ترتكبها
الجالية و
رواد المساجد
في هذا المجال
.
و
عندما نشر
المؤلف كتابه
(حتى الملائكة
يسألون ؛ Even Angels Ask)
بدأ يتلقى
كثيراً من
المراسلات من
أناس ينحدرون
من آباء
مسلمين أو
معتنقين جدد
يسألون عن موضوعات
دينية متنوعة
و يعبرون عن
شكوك و تساؤلات
تحملهم على
ترك الدين
بالكلية .
و
قد جمع المؤلف
هذه
المراسلات و
ما ورده من أسئلة
مع إجاباته
عليها في ملف
توسع مع
الأيام ليصبح
مادة هذا
الكتاب الذي
يستعرض
نداءات
الإستغاثة و
ما دار حولها
من نقاش و
الذي رأى من
الفائدة أن
يعم الإطلاع
عليها و
مواجهة
المشكلة التي
تمثلها .
وقد
كان قسم كبير
من الأسئلة
يتعلق
بالعقائد الإسلامية،
و قد يبدو هذا
الأمر
مستغرباً إذ يؤكد
الدعاة
دائماً على
بساطة
العقيدة الإسلامية
و تماسكها . و
حقيقة
المسألة أن
صياغة العقيدة
هي عمل بشري
لشرح طبيعة و
كيفيات أفعال
الله سبحانه،
و هو أمر لا
يمكن إلا أن
يكون قاصراً
مهما حاول
البشر و
اجتهدوا في
ذلك . و يبدو أن
ميول
المسلمين
لإدعاء
الكمال لآراء
و شروح
العلماء
السابقين في
عصر كتابة علم
الكلام هي
السبب في كثير
من التساؤلات
عن الأزمة بين
العقل و
الإيمان . و
لذلك حاول
الكاتب أن
يكون واضحاً
صريحاً عندما
صرّح أنه في
كل ما كتب و
أجاب لا يدعي
أنه يقدم
الحقيقة
النهائية، بل
كان يستجيب
للأسئلة بعرض
خبرته و
تجربته
الشخصية و كيف
عالج الأمور و
استقر على رأي
عبر دراسة
للقرآن
الكريم بعد
المعاناة مع
الموضوعات
التي حجبته عن
الله في وقت
من الأوقات .
و
هناك موضوع
آخر أثاره سيل
المراسلات
التي تلقاها
الكاتب و هو
ما يتعلق
بتصنيف
الحديث النبوي
. و قد كان
الكاتب قد عاهد
نفسه ألا
يتحدث في هذا
الموضوع مرة
أخرى بعد ما
رآه من ردود
الفعل
السلبية التي
تلقاها بعد أن
حاول في كتابه
الأول (صراع
حتى
الإستسلام ؛ Struggling To Surrender)
أن يحرر هذا
الموضوع
مستنداً إلى
أنضج ما كـُتب
من الردود
الأكاديمية
الإسلامية
على دراسات
المستشرقين
عن هذا
الموضوع .
و
بعد نشر كتابه
الثاني ( حتى
الملائكة
يسألون ) تلقى
الكاتب جملة
من الأسئلة
تتعلق
بالشكوك حول
الحديث
النبوي و التي
تعكس ظلال
الشك على
الدين كله . و
يؤكد الكاتب
أن انطباعاته
التي جمعها
خلال جولاته
في البلاد
تشير إلى أن
موضوع فقدان
الثقة بالحديث
النبوي يسري
بشكل سريع بين
المسلمين المولودين
في أمريكا، و
يأسف أنه ليس
هناك صدىً
لهذه الشكوك
لمعالجتها و
الإجابة
عليها في
المؤتمرات أو
المنشورات
الإسلامية في
أمريكا .
و
حيث تشتد
الحاجة إلى
دراسات
أكاديمية في
الحديث
النبوي تصمد
لإنتقادات
العلماء الغربيين،
يؤكد الكاتب
أن ما كتبه
ليس أكثر من
محاولة مسلم
عادي يعالج
هذا الموضوع
ليتفهم مجالاً
من الفكر يتصل
بتاريخ ممتد و
ظاهرة ثقافية
و حضارية
معقدة .
و
هناك موضوعات
متفرقة أخرى
أثارها
السائلون، و
هناك بعض
الإفادات و
الرسائل
الشخصية سجلها
الكاتب لتعرض
صورة حقيقية
عن أزمة حادة
تلف الجالية
المسلمة في امريكا
حيث تتعرض
المحاولات
الجادة لبناء
جالية
إسلامية حية و
مستمرة في هذا
الجزء من العالم
إلى خطر يتحدى
تلك
المحاولات و
يقودها إلى الفشل
المتمثل
بنضوب معين
الإستمرار
عندما ينفر
أبناء
المسلمين من
الجيل الجديد
عن المساجد و
المراكز و
نشاطات
الجالية .
و
قد أقر الكاتب
منذ البداية
أنه لم يحاول
تجنب
الموضوعات
التي تثير
الخلاف عادة،
و لم يحاول أن
يتجنب
الطروحات
التي تتحدي
الأعراف السائدة
و ذلك لأن
أمانة العلم و
أمانة
النصيحة تحتم
على المرء أن
لا يكتم ما
علمه من
مشكلات تهم إخوته
في الإيمان، و
لأن تجنب
الخلاف و
محاولة التلطف
مع الأعراف
السلبية تزيد
من المشكلة و تزيد
من الإقصاء و
الإبعاد لجيل
نتمنى له العودة
إلى هويته و
ثقته بدينه في
صورته
العالمية
التي تتجاوز
خصوصيات
الثقافات و
الأعراق و الألوان
.
و
الكتاب بكل
فقراته و
جولاته يمثل
طرحاً جريئاً
لظاهرة يتهيب
الكثيرون من طرحها
و مواجهتها و
يفضل
الأكثرون
تجاهلها و تجاهل
إحراجاتها.
إن
الإسلام الذي
يواجه تحديات
العولمة و
العالمية لا
بد أن يستجيب
أبناؤه لهذا
التحدي بما
يؤكد خلود
الرسالة و
شمولها و
عالميتها، و
قد يكون
المسلمون في
أمريكا - بما
تمثله من موقع
متقدم في
الانفتاح و
امكانيات
التواصل و
التأثير - هم
المؤهلون
لإثبات جدارة
الإسلام و
صلاحه و قدرته
علىإصلاح
الحياة و
تزكيتها و ذلك
بإبراز معالم
خطاب ديني
عالمي متجدد
قادر على
التحرر من عبء
الممارسات
التاريخية
لمجتمعات
المسلمين.
و
رب ضارة نافعة
– كما يقال – و
هذا الكتاب
بأسلوبه الرصين
و محاكماته
المشوقة يفتح
العين على كثير
من ممارسات
المسلمين و
يحرض العقل
على التفكير
في أمور لا بد
من تحريرها و
إعادة صياغتها
ليعود
الشاردون و
يتم البيان و
تقوم الحجة و
ينعم الذين
كواهم الشك
ببرد اليقين .