كلمة التحرير

يعيش المسلمون زمن فتنة و عصر استضعاف. و لا يكاد يمضي يوم لا تتناقل فيه وسائل الإعلام ما يؤذي المسلمين في مشاعرهم و مقدساتهم و كرامتهم.  و يزيد الأمر سوءاً كثرة من يلهجون بذكر أخبار الأذى و إشاعة ما يبث الوهن و الإستخذاء.  فأحاديث الناس في ندواتهم و مجالسهم تُضخّم أثر الأذى و تنشر جواً خانقاً لا يسمع فيه المرء إلا اجترار مقالات السوء.  و يتساءل المرء كيف يواجه هذا الوضع المتأزم و كيف يخرج بالناس من هذه الدوامة القاتلة للوقت و المدمرة للجهد و الأمل.

و يجد المؤمن في القرآن الكريم ما يعطيه على الدوام القدرة على الإرتفاع فوق لحظة القرح و الأذى و رؤية الأمور في صورة كونية شاملة تعطيه البصيرة لرؤية ما وراء السطور و ما وراء الأحداث. 

لقد واجه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بعد هزيمة أُحـُد موجة من مقالات السوء و الأذى و جاء القرآن الكريم ليضع هذا الموقف التاريخي الخاص في إطار سنة كونية و درس يبني الأمة و يوجهها حتى تستطيع أن تستفيد من أخطائها و تستدرك ضعفها و تـُري من نفسها أنها تستحق النصر و التمكين الذي وعده الله عباده المؤمنين.

لقد بدأ القرآن الكريم بيان دروس و عبر أحداث معركة أُحـُد بتقرير حقيقة لها دلالاتها و أهميتها : لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً، ودُّوا ما عَنِتـّم.  ووضع القرآن بعد ذلك منهاج النظر في تصاريف الأمور: قـُل هـو من عـنـد أنـفـسكـم.

إن البداية الصحيحة لمعالجة الأزمات لا تبدأ بالتمني و المطالبة أن يُغيّر الطرف الآخر موقفه و نمط سلوكه. فقد قرر القرآن الكريم طبيعة الطرف الآخر بما يقطع الأمل من هذا  التمني و يضع الأمور في موضعها.  فالآخر -مهما بلغ حرصنا على إنصافه و احترام مقدساته... ﴿تحـبونهم و لا يحبونكم و تؤمنون بالكتاب كـلّه﴾-  متورط و حريص على كل ما يضع المؤمنين في المشقة و العسر و الحرج و لا يترك فرصة لدفعهم إلى الحيرة و الإضطراب و الخبال.  فكيف يُسوّغ أن تتجاهل الأمة هذا وتعكس تصورها عن البداية الممكنة لمعالجة أي أزمة ؟

و يأتي التقرير القرآني ﴿قل هو من عند أنفسكم﴾ ليدفع بالمؤمنين إلى التفكر و التدبر فيما عسى أن يكونوا قد أهملوه أو غفلوا عنه من سنن التدافع أو واجبات البلاغ المبين، ليكون القرح و الأذى عامل تمحيص و أداة استدراك.

و أول ما يجب على المؤمنين أن يتذكروه هو موقعهم من الكون و خصوصية دورهم الموكل إليهم في بيان الهدي الرباني الذي تزكو به الحياة و يتأصل الخير. فقيمة المؤمن في نفسه تنطلق من معرفته قيمة الحق الذي كُـلِّف ببيانه و تمثيله و إبرازه، و ليس من مقدار القوة و مدى التمكين الذي يتمتع به. فالقوة و التمكين يتداولها الناس بقدر رباني تحكمه سنن التدافع و التداول. و من الخطأ أن يربط الناس بين التمكين و بين امتلاك الحق و المشروعية، فهذا هو شأن من ابتُـلي بامتلاك القوة فظن من نفسه استحقاق التشريف و غفل عن مسؤولية التكليف فطغى و تجاوز الحد. و القرآن يذكر المؤمنين أن يستشعروا العزة و الإستعلاء بالإيمان و ما تمثله قيم الإيمان ﴿و أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾.  فالشعور بالنقص و الدونية هو ما يحاول أصحاب القوة أن يقنعوا به المستضعفين و يرّوضوهم على قبوله و الخضوع له، و هذا هو الأمر الجلل الذي يتطلب العزم و المصابرة : ﴿لتبلونّ في أموالكم و أنفسكم و لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم و من الذين أشركوا أذىً كثيراً  و إن تصبروا و تتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾.

لقد بيّـن القرآن الكريم – بأشدّ الصيغ اللغوية للتأكيد و المبالغة – أن الإبتلاء و الإمتحان أمر لا بد منه، و أن إلحاق الأذى بالمؤمنين هو شأن من لا يستقيم على مبدأ ويجعل من عداوة الإسلام و المسلمين ديدنه، و أن الواجب في هذا الحال هو الصبر الذي يعني في هذا المقام الثبات على الحق و عدم الشعور بالدونية و الإستخذاء، و أن الواجب كذلك التحلي بالتقوى التي تعني في هذا السياق أن يتذكر المؤمنون أخلاقهم و قيمهم و لا يتورطوا -و هم يردّون على الأذى- بسفاهات الآخرين و تعصبهم و تضييعهم للحرمات و المقدسات.

و الصبر في القرآن الكريم – عندما نتأمل السياق الذي ورد فيه الأمر بالصبر أو الثناء على الصابرين – هو في أكثره أمر بالثبات على الحق و التمسك بمقتضيات الإيمان و أخلاق الإيمان في مواجهة الإستكبار و التكذيب و الإستهزاء و الأذى و خاصة عندما يكون المؤمن في حال ضعف لا تمكنه من الإنتصار للحق و دفع الأذى عن نفسه. و مع ذلك فالمؤمن مطالب بأن يحمل نفسه على الإرتفاع فوق الأذى و التفكير فيما وراء لحظة القرح و الألم، و ينظر بمنظار كوني شامل ليرى أن العلو و الفساد لا يمكن أن يستمر و أن العاقبة و الدوام تكون لما ينفع الناس و ما يؤصل قيم التكافل و التعايش و التعارف في الأرض، و ليكون الإحتمال و مكابدة الأذى بعزة و تَرَفـُّع هو ضريبة استحقاق التمكين و قرينة اقتراب النصر الذي وعده الله تعالى للصابرين ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾.

 

و هنا لا بد من التنبيه إلى قضية مهمة كثيراً ما يدفع إلى الغفلة عنها جو التدافع و الخصام. إن من الحق الذي يطالَـب المؤمن أن يتمسك به هو أن القرآن الكريم رسالة عالمية و خطاب للناس كافة و هو "هدى للناس" و "بيان للناس" و "رحمة للعالمين". و إن الذهول عن هذا الأصل لأي سبب يـُفقِد المؤمنين المصداقية و يشوه الرسالة التي يحملونها عندما يضمر مداها إلى انتصارٍ للنفس و تشفٍ من الظالمين، أو عندما تختزل الرسالة العالمية إلى هوية إقليمية محلية و ثقافة وطنية و تقاليد قومية. و عندها تغيب القدرة على طرح قيم القرآن و توجهات القرآن بديلاً حضارياً عالمياً متقدماً عن العصبيات و العنصريات التي أشقت البشرية.

و المؤمنون في هذه الحال معنيون باستنقاذ من ظلموهم و اعتدوا عليهم تماماً كما هم معنيون باستنقاذ المستضعفين. و يكون المؤمنون معنيين بطرح كلمة سواء لا أثر فيها لضغوط ثارات الجاهلية و الوقوف عند الماضي و مظالمه، بل تتوجه إلى المستقبل لتأصيل التعارف و التعايش و رفع الفتنة و الفساد.

إن هذا التوجه إلى المستقبل بأمل و تفاؤل و الإعراض عن الإرتهان لآلام الماضي و معاناة الإستضعاف هو الذي عبر عنه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله عندما منعته قريش من أداء مناسك العمرة قبيل صلح الحديبية "لا يعطونني اليوم خطّة يعظّمون فيها شعائر الله إلا أجبتهم إليها". و هو المعنى الذي قد يفهم من وعد النبي "ما ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزاً "، هذا الصبر الذي يوجه النفس بعيداً عن التشفي و الإنتصاف و يدفعها إلى الترفع لتأصيل أخلاق التعامل التي تحفظ كرامة الإنسان و تعترف بالتنوع و الإختلاف. إن هذا المعنى من الصبر و حبس النفس على مقتضياته هو الذي يتطلب العزيمة و المجاهدة التي لا يحتملها أهل الإستعجال و الرعونة و قصر النظر، و بذلك الصبر يكتسب المؤمنون المصداقية التي تؤهلهم للريادة و استحقاق التمكين لرفع الأذى عن المستضعفين.

 

و في الوقت الذي يتأكد فيه دور الدين في توجيه دفة الحياة وحركة الشعوب، تحاول الرشاد أن تستمر في أداء الرسالة الفكرية التي تنتهجها من خلالها المشاركة في تشكيل خطاب إسلامي أصيل لا يتجاهل الثوابت و يمتلك القدرة على فهم الواقع المعاصر و التعامل معه لتزكيته بقيم الوحي و الإرتفاع به فوق الإرتهان للقوة و الثروة أو ردود الفعل على طغيان هيمنتهما على الأمم و الشعوب.

و يقـدِّم الأخوة الكتـّاب في هذا العدد جولات في الفكر و النظر إلى الواقع  لتأطير حركة التدافع و الإستقطاب التي تتصاعد بسرعة في هذا العالم الصغير، و لتأصيل التعارف الذي يبدأ بمعرفة النفس و مواضع الغنى و القوة في أصول تراثنا و شريعتنا، ولمحاولة الفهم الجادة للآخر. و نرجو أن يجد الأخوة القراء في هذا العدد ما يؤكد مصداقية التوجه الفكري الذي نتحراه للأمة و الله المستعان.