تأملات حول الإصلاح البروتستانتي والكاثوليكية

د. مازن موفق هاشم*

 

طرح رحيل البابا بولس الثالث أسئلة مهمة في العالم ما-بعد-الصناعي الذي افترض يوماً أن الدين انتهى ولم يعدْ له حاجة، وهو افتراض يعارضه الاهتمام الهائل الذي رافق الحدث والزخم العاطفي الذي أبداه الملايين. وهدف هذا المقال أن يلقي تساؤلات حول مدى نجاح الإصلاح البروتستانتي، إذ يعتبره البعض اليوم أنه الجواب المطلوب والحل الأكيد لمشكلة دور الدين في العالم  المعاصر وأن الأديان غير النصرانية وبالذات الإسلام بحاجة إلى إصلاح على الطريقة البروتستانتية بعد أن فرز كل أنواع الجمود والثورة.  وبالطبع فإن تقييم نجاح أي مشروع (وهنا مشروع الإصلاح البروتستانتي) يتوقف على المحكّ الذي اعتمده هذا التقييم .

ولقد كانت بعض دوافع الإصلاح البروتستانتي على مستوى الشعائر والممارسات الدينية، وتمثلت في تخليص أنماط التعبد السائدة يوم ذاك من المجسدات التي اعتبروها تسرباً وثنياً إلى النصرانية. فإذا كان المحكّ هو التخلص من تراكمات العادات المحلية والوافدة، فإن الإصلاح البروتستانتي نجح في التخفيف من الكثير من  هذه الرموز وأقلع عن كثير من الطقوس الكنسية للعصور الوسطى، وإن كانت  قد احتفظت البروتستانتية لنفسها بكثير من  التعبيرات الرمزية بما فيها المجسدات.

ولكن لم تقتصر دعوة مارتن  لوثر  على تنقية  العبادة من الشوائب، بل تمركزت بشكل رئيس على مفهوم العودة إلى النص (بما اشتهر بشعار "النص الديني وحده")، وبالطبع فإن هذا الموقف بتعريف اليوم هو موقف أصولي بحت.  فإذا كان محكّ نجاح الإصلاح البروتستانتي هو تخفيف كثافة الدين، فإن الإصلاح  في بدايته لم يتوجه إلى  هذا الهدف ابتداءً بل إلى تعميقه وتأصيله.

إن ما طرأ على البروتستانتية فيما بعد هو الذي طامن من قيمة المرجعية الدينية وأدخل النسبية والمنطق الليبرالي إلى ذات الدين، على مستويي الممارسة والاعتقاد على حد سواء. فالإصلاح البروتستانتي إذاً يمكن أن يُعدّ نجاحاً إذا حكمنا المحكّ الليبرالي ويعتبر فشلاً إذا حكمنا محكّ الحركة الإصلاحية ذاتها.  ويشهد لهذا أن البروتستانتية ذاتها تمرّ خلال معركة داخلية تتساءل فيه عن المدى المقبول لاستيعاب الأسس الفكرية للحداثة بعد أن توجهت عموماً إلى اختزال الممارسة الدينية واستبطنت الليبرالية الفلسفية في اعتقاداتها والرأسمالية السوقية في ممارساتها.  وليس هناك كثير خلاف بين الدارسين أنه لا يمكن فهم البروتستانتية الغربية بشكل عام بدون وضعها في خانة المنظومة الرأسمالية.  وبالقدر الذي تصحُّ الإدانة الأخلاقية للرأسمالية غير المقيدة، فإنه يصعب على البروتستانتية البيضاء التنصل من أي مسؤولية.  أي أنه بالقدر الذي يمكن تحميل الرأسمالية المنفلتة آثام الاستغلال والفساد، فإنه يصعب عدم لوم البروتستانتية الغربية –رغم مشاريعها الخيرية الكثيرة- على سكوتها العام عن هذه الآثام وعلى قدحها مخيالاً دينياً ممتزجاً بهذا النمط الثقافي-الإقتصادي.

أما إذا كان محكّ التحكيم في نجاح الإصلاح البروتستانتي هو إنهاء الفساد الإداري للكنسية -والذي تسبب في القرون الوسطى بمتاعب شديدة على الناس- فإن بعض الفرق البروتستانتية اليوم قد وقعت في مثله، وإن كان بشكل غير مباشر ووفق الطريقة المعاصرة في إغراء مستهلك البضاعة الدينية؛ وكما هو معروف فإن دخل الجهود التبشيرية الدعائية يأتي بشكل رئيس من قبل محدودي الدخل.  ثم إنه ليصعب الإدعاء بأن البروتستانتية بجملتها قدمت خدمات للبشر وللمستضعفين منهم أكثر من الكنسية الكاثوليكية بجملتها.  كما أن تحميل الكنيسة كل مسؤولية الترهل قبل الإصلاح البروتستانتي فيه نظر إذ أنه لم تكن الكنيسة إلا جزأً من المجتمع المهترء، وإن ليس هناك خلاف بأنها عجزت عن تقديم بدائل سائغة يومذاك .

أما إذا كان محكّ النجاح هو عدد الناس الذين تنوّروا بالتحول إلى البروتستانتية، فإن المليار ونيف كاثوليكي يشكّلون ثلاثة أضعاف عدد البروتستانت في العالم، وإن كانوا ربما يملكون من الأموال والموارد والنفوذ معشار ما يملكه البروتستانتيون (يعني كشعوب، أما الكنيسة الكاثوليكية فيقال أنها تحوز على ممتلكات هائلة، ربما على شكل ممتلكات ثابتة).

أما إذا تجاوزنا الثقل العددي والمالي، فإن نفوذ الكاثوليكية العالمي له خصائص واستنادات فيها كمون قوة ربما لا توازيه قوة البروتستانتية. وذلك لأن نفوذ البروتستانتية –إلى حدِّ معتبر- نفوذ مادي وتنظيمي هائل قادر على التحرك بشكل شديد الفعالية، أما نفوذها الايديولوجي فهو غير مستقل بنفسه بالكلية. إن نفوذ البروتستانتية الايديولوجي وعمقه الديني لا يسهل فصله عن الطروحات الليبرالية، وبالقدر الذي تُسقط البروتستانتية المعطيات الليبرالية وتبتعد عنها بالقدر التي تنقلب إلى تمحورات ضيقة حول الذات، ولا يعود هناك معنى للدعوى بأن الاصلاح البروتستانتي يُقدم الحرية والديمقراطية للناس.

وبالمقابل، فإن الكنيسة الكاثوليكية بمحافظتها على نمطها  الديني التاريخي اكتسبت شرعية وأبقت على الحياة خصيصة الثباتية التي تتميز بها الأديان والذي يتوقعه الناس من الدين، ولا يخفى على الملاحظة أن الاحتفاء الشديد بمراسيم رحيل البابا لم يشارك فيه الكهول فقط بل استجلب أيضاً عنصر الشباب .

وزيادةً على الحجم العددي للكنيسة الكاثوليكية فإنها تملك توزعاً جغرافياً له أهميته الاستراتيجية، رغم أنه عبء بآن واحد.  إن انتقال مركز الثقل الكاثوليكي العددي من العالم الأول إلى العالم الثالث لهو أمر قد يكون له تبعات جمّة وقد يغيرّ في دفّة التوجه الكاثوليكي، ولعل كتلة أمريكا اللاتينية هي التي تملك كمون المستقبل أكثر من الكتلة الإفريقية.

 أما الكتلة الغربية فتجتذبها قوتان: قوة الزخم التاريخي المحافظ التي تمسك به الكنيسة، وقوة التوجه في الولايات المتحدة الذي يسعى نحو تخفيف نزعة المحافظة وفضفضة الأمور، هذا إلى جانب الابتعاد الكبير لدى الشعوب الأوربية عن مقتضيات الكاثوليكية وانخراطها العملي في  منظومة حياة علمانية وتوجه سياسي شديد التحسس من الدين لا يبقي له إلا أضيق المجالات.

وهكذا تجد الكنيسة الكاثوليكية نفسها بين ضغوط وخيارات مصيرية، فهي تتحرك بين محوري الشمال والجنوب من جهة وبين توجهين في داخل محور الشمال، والتوجهان داخل محور الشمال وإن كانا متخالفين ولكنهما ربما يضغطان باتجاه مخالف لمحور الجنوب.  فمحور الجنوب سواء كان في إفريقيا أو في أمريكيا اللاتينية له أولويات مختلفة جداً.  وبغض النظر عن محافظته (فاللّبرلة لا تنفك عن الخط المادي الرأسمالي) فإن أولوياته تلمس قضايا جوهرية في صلب الاهتمام المسيحي من مساعدة الفقير والعديم والمريض والمنكوب والتعيس.  إن لصوقية اهتمامات الجنوب بالمهام التي ترى الكنيسة أنها مضطلعة بها وتفهم مهمتها التاريخية من خلالها وتتمحور كثير من تفسيرات النصوص حولها يعطي للجنوب وزناً معنوياً ليس من السهل تجاهله.  والمعضلة أن إعطاء اهتمامات الجنوب الأولوية -وهو الفقير عملياً، وهو الذي يملك خصالاً ثورية في أمريكا اللاتينية- يُحرج الكنيسة التي تتحرك ضمن سياق هيمنة رأسمالي تعاونت معه في صدّ الشيوعية.  أي أنه إذا حاولت الكنيسة الكاثوليكية الاستجابة لميول ما يعرف باسم "العقيدة التحررية" التي صبغت الوجود الكاثوليكي في أمريكا اللاتينية، فسوف يُجدد تعرضَها للضغوط الدولية والأمريكية.

وكل ما ذكر يمكن أن يوضع في كفة، وتعاملها مع المسلمين في كفة أخرى. فهناك خطوط تماس بشرية معاشية مهمة بينهما: على حدود الشمال الأفريقي وأوربا، وفي بعض البلدان المسلمة، بالإضافة إلى خطوط التماس داخل أوربا ذاتها. وإنه ليس من السهل عملياً أن تستجيب أوربا لاعتقاد البابا الجديد في وجوب الحفاظ عليها قارة مسيحية، ولو راقت لها الفكرة.  فأوربا تحاول أن تطرح نفسها على أنها بديل علماني أخلاقي ناضج بخلاف نموذج الولايات المتحدة، وتُراهن على هذا لتوطيد مصداقيتها العالمية. كما أنها  بحاجة إلى العمالة من خارج بلدانها إذا أرادت أن تحافظ على مستوى نمطها المعاشي الذي يهدده التناقص الديمغرافي. ولها في أوربا الشرقية وروسيا موارد بشرية، لكن ربما لا يكفيها هذا.  إن تنافس أوربا مع الولايات المتحدة واختراق أوربا السوق العربية ومحاولة اختراقها بلاد وسط آسيا المسملة عبر المفتاح التركي ينتجُ عنه بالضرورة تبادل ثقافي وهجرات بشرية.  ثم إنه لا يعتقد أن تنجح محاولات تذويب المسلمين في أوربا (والمسلمون –تاريخياً- جيّدوا التأقلم مع الثقافات التي يعيشون فيها رغم عدم الذوبان)، وسوف تُدرك أوربا –وربما أدرك مفكروها- أن مصلحتها تكمن في استيعاب المسلمين باحترام. أي أنه لا مناص لأوربا في عصر العولمة والتكامل الاقتصادي من التعامل مع المسلمين ومع ثقافاتهم.

ولكن لعل الأهم من ذلك هو خطوط التماس الفكرية، فكيف يمكن للكنيسة الكاثوليكية وهي تحدد موقفها بين المحافظة والتحرر من أن لا تطرف عينُها نحو الإسلام الذي أبقى طروحاته الأخلاقية ناصعة لم يساوم عليها (ولا يمكنه ذلك بحكم التركيبة المرجعية فيه)، كما حافظ على ثبات الشعائر، شعائر تتميز بمعقولية كبيرة وتبتعد عن الرمزية في جملة منطقها ولا تدفع باتجاه الاصطدام مع العقل في مرتكز مبررها .

أي أن الكنيسة الكاثوليكية لا يمكنها  إغفال الإسلام كمنافس فكري. وذلك أنه بالقدر الذي تميل فيه الكنيسة الكاثوليكية نحو الليبرالية بالقدر الذي تفقد مبررها أمام المنافس البروتستانتي الذي يتهددها عموماً ويتهددها في أمريكا اللاتينية خصوصاً.  وبالقدر الذي تميل فيه إلى المحافظة على الطريقة التاريخية الكاثوليكية، بالقدر الذي قد تفلت من أيديها جماهير الأوربيين وأمريكا الشمالية الذين استبطنوا العقائد السوقية الاستهلاكية.  فالخيار الثالث إذاً أن تحاول الإصلاح الديني على نمط يقترب من نمط التجربة المسلمة، وهو التوجه الذي سعى إليه جهد الإصلاح الديني قبل خمسمائة سنة في مبتدأ أمره.  وقد لا تكون الكنيسة الكاثولكية الوحيدة في حلم الإصلاح الديني وفق وجهٍ يقتربُ من نمط التجديد الإسلامي، بل لعل شريحة من المفكرين البروتستانتين قد بدأت بالفعل تقديم طروح تجديدة تقترب من نمط التجربة المسلمة، طروح تستند إلى القيم الدينية وتستحضر العقل ولا ترتكس إلى عبثيةِ علمانيةِ مابعد الحداثة. وإذا نما هذا الاتجاه التوجه البروتستانتي فإنه قد يمتلك مفاصل فكرية مرنة يسابق فيها الكاثوليكية. وعلى هذا فقد تتوجّه العلاقات الدينية في أمريكا إلى المواجهة بين بروتسـتانتية غير أصولية ذات فلسفة دينية وبين يهودية ليبرالية غير أرثوذكسية.

وبالقدر الذي تتوجه فيه الكنيسة الكاثوليكية نحو قضايا العالم الثالث –قضايا أكثريتها– فستجد نفسها قبالة الإسلام أو في محاذاته.  وإذا كان يصعب لهذا التحاذي من أن يخلو من شعور المنافسة بين الطرفين (ومن الإحراج  المؤسسي من قِبَل الكنيسة الكاثوليكية حيث أن التبشير جزء من مهامها الرسمية ونمطها في الممارسة الدينية)، فإنه يمكن أن يكون هذا التحاذي تحاذٍ سلمي حيث أن موجبات الصدام البنيوية غير ناجزة كما كان عليه الوضع حين كان هناك ترابطاً وثيقاً بين الكنيسة والطبقة الحاكمة.  وأي خطاب عملي في العالم  الثالث يجد نفسه يعالج قضايا مصيرية معدودة -قضايا سمراء وسوداء ملتصقة بالأرض وبالمعاناة والكدح والجهاد اليومي، وليست قضايا بيضاء مُترفة- ولن يكون هذا الخطاب خطاب انتقام وهدم كسابقه الماركسي، بل سيكون خطاب تعالٍ روحي وتعاطف مع الممظلومين ينادي إليه صوتا الجنوب الدينيّين، صوتان يحترمان ويصونان البنى الاجتماعية الصغيرة والتقليدية، يُصلحانها ولا يهدمانها.

وأخيراً، إذا كان للكنيسة الكاثوليكية عضوية وتمثيلاً في الأمم المتحدة  (عضوية مراقبة لا تصويت)، وإذا كان قد احتشد رؤساء العالم وساستهم لتأبين البابا الراحل والثناء عليه في الدور الذي لعبه ولعبته الكنيسة في خمد الشيوعية في أوربا الشرقية، فإنه يجدر التساؤل فيما إذا كان فصل الكنيسة عن الدولة قد تحقق بالكلية فعلاً في الغرب.  كما يجدر التساؤل أخيراً فيما إذا كانت النصيحةُ في أن الإسلام يحتاج إلى غرار الإصلاح البروتستانتي نصيحةً حكيمةً لها مصداقية تاريخية.

 



* باحث في علم الاجتماع