حول العادات والشعائر‍

عند الحديث عن تفعيل مقتضيات الدين في الواقع، لا بد من التفكير في معالم الإستجابة الراشدة لما تزخر به الحياة من تغيرات و تفاعل . فالإختزال الذي يختصر المشكلات في فتوى تضع المسائل في كلمة حرام أو حلال لا يمكن أن يقدم مساهمة لحل المشكلات أو التأثير في التوجهات التي أفرزتها .

و نضع فيما يلي بين يدي القارئ الكريم بعض النقاط للتعليق على موضوع إمامة المرأة في الصلاة و خطبة الجمعة، و الذي شغل كثيراً من الناس و حظي على اهتمام واسع من وسائل الإعلام . و نبدأ بالإشارة إلى أننا لا نشارك في هذا الموضوع لإضافة فتوى، و إنما نتخذ من هذه المسألة مثالاً على منهجية التفكير في المسائل الطارئة  لبيان مقدار الجناية على مضمون الإجتهاد و نتائجه عندما لا تعالج الصورة الشاملة المحيطة بجوانب أي موضوع و تفاصيله .

العلاقة بين الجنسين في الفضاء الإجتماعي

·        في الوقت الذي يأسف فيه المرء للوضع الهامشي و غير المريح للأمكنة المخصصة للنساء في المساجد، لا بد من الإشارة إلى أن الإهتمام و الإنشغال بقضية مشاركة المرأة في الفضاء العام أمر قديم شهده عصر النبوة:

o      روى البخاري في كتاب العلم عن أبي سعيد الخدري قالت، النساء للنبي صلى الله عليه و سلم : غلبنا الرجال عليك فاجعل لنا يوماً من نفسك .

o      روى البخاري عن ابن عمر قال: كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح و العشاء في الجماعة في المسجد، فقيل لها لِـمَ تخرجين و قد تعلمين أن عمر يكره ذلك و يغار . قالت و ما يمنعه أن ينهاني. قال يمنعه قول النبي صلى الله عليه و سلم : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله .

o      روى مسلم أن عبد الله ابن عمر قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول: لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا اسـتأذَنَّـكم إليها . فقال بلال ابن عبد الله و الله لنمنعهن . فأقبل عليه عبد الله فسبَّـه سباً سيئاً ما سمعته سبّه مثله قط و قال : أُخبرك عن رسول الله و تقول و الله لنمنعهن!!

 

·        إن التضييق على المرأة واستغلالها أمر شائع في كل الثقافات، وهو أمر يعظُم ويزداد بشاعة إذا اتصل بأمر ديني عبادي.  والحاجة إلى مشاركة النساء في المراكز الإسلامية في الغرب آكدة حيث يُفترض أن تكون هذه المراكز مساحات يتحقق فيها الاجتماع المسلم بشكل مكثّف، مقابل الجوّ العام الذي يبتعد عن السمت الإسلامي.  ولعلّ في هذه الأحاديث إشارة إلى إشكالية المجالات العامّة التي لا تفسح مجالا مريحاً لمشاركة النساء.

ماذا عن الإجتهاد

·        ليس الإجتهاد فكرة تخطر في البال ثم يحشد لتبريرها و دعمها الشواهد من القرآن و الحديث . و لكن الإجتهاد هو الجهد العلمي الذي يضع المسألة المدروسة في إطار النموذج الإجتماعي الذي يقدمه و يشجعه الإسلام و يضع المسألة كذلك في مكانها من النسق الشرعي والتكليف الديني .

·        وإذا أردنا التعبير عن الإجتهاد بمصطلح أكاديمي، فيمكن تشبيهه بالبحث العلمي . و من الأصول الراسخة في البحث العلمي الرصين أن تتم مراجعة ما كُتب في الموضوع . و في حين أن الأبحاث السابقة ليست نهائية في نتائجها، فإنه لا يمكن تجاهلها بالكلية . وبالرغم من أنه يجب أن لا يُسدل ستار دون احتمال بروز فهم جديد، فإنه لا بد من الإبتعاد عن العفوية و الإعتباطية .

·        إن من السمات المعلومة في الشريعة أن الأحكام الخاصة بالعبادات تتصف بالثبات فلا يدخل عليها التغيير و التبديل، بينما تعتمد الأحكام في الأمور الأخرى على الظروف و الأحوال إلى حدّ كبير . فعند التفكير في أي أمر لا بد من رده إلى قسم العبادات و الشعائر الثابتة أو إلى قسم المعاملات و العاديّات، فدور التحكيم المطلق للعقل مختلف في القسمين . فالشعائر في الإسلام -ولو كانت مفهومة بشكل إجمالي وحكمتها معقولة- فإنها لا ترتكز على أساس عقلي صرف؛ فدور العقل فيها هو التأمل لإستشعار و تذوق العلاقة المباشرة بالله تبارك و تعالى و التي تصفها الأحاديث النبوية الشريفة بأنها (حلاوة الإيمان) . وبالمقابل ترتكز أحكام المعاملات على ضوابط أخلاقية و قانونية مفهومة يعمل العقل على تفسيرها و تشغيلها للوصول بالتصرفات إلى غاياتها العملية في ظروف الحياة المتغيرة .

·        إن ثبات الشعائر في الشريعة الإسلامية لهو خصيصة متميزة لهذا الدين. وإن التاريخ يعلمنا أن المجتمعات البشرية عانت الكثير من الخلاف حول القضايا الرمزية . فثبات الشعائر يضع سقفاً للمضي مع المشاعر  و الإنفعالات التي تحوّل السلوك الاعتيادي مع الزمن إلى مقدسات و عوامل تفرقة و تشرذم.

·        لا يمكن معالجة القضايا الجزئية في معزل عن الكلّ الذي تتحرك فيه وتربط به، ولا بد من وضعها ضمن إطار شامل تتكامل فيه الجزئيات الأخرى حتى يتمكن الوصول إلى نسيج مفهوماتي لا يملؤه التضارب والتناقض.  فالأحكام الخاصة بالرجال أو النساء لا يمكن فهمها بشكل متزن إلا عندما توضع في مكانها من النظام العام الذي يدعو إليه الإسلام.

مُدخل المعالجة ومحلُّ الخلاف

لو أردنا التساؤل عن إشكالية وضع المرأة المسلمة تبرز إلى الأذهان مجموعة من النقاط :

·        هناك الكثير من القضايا العملية في حياة المسلمين التي تحتاج إلى المراجعة ولاسيما ما يجري منها وفق أقوال فقهية ضعيفة. و إهمال مراجعة القضايا العملية ينقلب عنتاً ومشقة في حياة المسلمين بشكل عام، و تأثير بعضها على النساء أكبر وأخطر . فسوء الفهم لكثير من أحكام الطلاق و العدة يؤدّي إلى خلل إجتماعي تتحمل النساء النصيب الأكبر من أعبائه و نتائجه. ومثل ذلك أحكام الإرث؛ والخلاف الفقهي في أحكام الإرث معروف، ولا بد اليوم من الاختيار في المسألة لكي تُحفظ الحقوق الشرعية للمرأة بعدما تراجعت قدرة المجتمع الحديث على التكافل الاجتماعي.  والمسألة الأخطر في حياة المسلمين هي سوء فهم واجب الزكاة في مصادر الدخل المستحدثة، والذي ينعكس سلباً على حياة الأمهات والأولاد أولاً وقبل غيرهم من أفراد المجتمع.  فالقضايا الجديرة بأن تكون بداية موفقة للإصلاح تحتاج إلى تفكر و تمعن.  وبالطبع فإن إعطاء الأولوية لمعالجة الأمور الكبرى لا يعني بالضرورة إهمال الأمور الصغرى –وإن تراكم تقاليد التهميش الصغيرة لهو خانق للمرأة- وقد تكون معالجة الأمور الصغيرة مدخلاً عملياً للحل في حالة صعوبة أو استحالة ولادة حلول كبرى؛ ولكن لا بدّ من تقدير الأمور بقَدَرها وعدم التهويل والمبالغة.

·        كان الدين عبر التاريخ عامل استقرار و استمرار في حياة المجتمعات، أما التقاليد و الأعراف (والتي تنحدر من قيم المجتمع وتتغير بتغير الظروف) فهي ليست بالضرورة سيئة أو جيدة و لابد من استعمال معيار عملي وظيفي للحكم عليها.  وإن ما طبقه و مارسه المسلمون قاطبة عبر 1400 سنة أمر يستحق نظرة جدّية، ولا بد عند محاولة تغيير هذه الممارسات من التشاور وأخذ الرأي العام بعين الإعتبار .

·        إن الطبيعة الصدامية و الإعتراضية لطرح موضوع إمامة المرأة يجعل الأمر يبدو و كأنه منافسة و صراع لإيجاد دور ديني رسمي أو تأهيل إكليروسي للمرأة . و في التاريخ الإسلامي لم يكن الدور الديني للمرأة موضع تساؤل أو مناقشة، فقد تبوأت المرأة دور الواعظة و الفقيهة و المحدّثة و العالمة و المعلّمة دون اعتراض .

·        إن المضي مع تطلعات و طموح الحركيين دون الرجوع إلى أصول البحث العلمي سيؤدي و لا شك إلى نوع من التحديث في بعض الممارسات الدينية و لكن على الطريقة التجارية .

·        لقد تجنبنا الحديث عن الجانب الفقهي لأن سياق المسألة و ما أحاط بها من صراع سياسي هو المشكل في الموضوع . فمسألة إمامة المرأة ليست جديدة، وليس هناك إجماع في المسألة، وذهب جمهور العلماء إلى عدم صحة صلاة الرجال تؤمهم امرأة، و لكن رأى بعض العلماء جواز إمامة المرأة في ظروف خاصة . فليس هناك قول نهائي في هذا الموضوع القديم، و لكن الجديد فيه هو الرؤية الصراعية التنافسية بين الجنسين من وجهة نظر الحركة الأنثوية المتمحورة حول الذات.

·        وإنّا لنحسب أن المُشكل العملي الكبير لا يكمُن في إمامة المرأة وإنما في تنْحِيَتِها عن مهمّات التعليم العام ومواقع الريادة في المراكز الإسلامية، وهو الأمر الذي لا يتعلق بأمر تشريعي -عبادي أو غير عبادي- وإنما في عادات ونمط حياة، وهو الأمر الذي يجب أن يكون -من وجهة نظرنا- موضعَ الشكوى.

الإطار  المرجعي

·        إن الملابسات والتعليقات التي رافقت هذا الأمر لتشير إلى ارتكاز أساس الطرح إلى إيديولوجية مابعد الحداثة التي تدّعي أنه لا يوجد أي ذاتية أنثوية أو ذكرية، وأنهما ليسـتا إلا انعكاسات وتركيبات اجتماعية اعتباطية.

·        إن الطريقة التي طُرحت فيها القضية تبدو أنها أقرب لأن تكون من باب نزعة ممارسة كل شيء والتجريب للتسلية الذي يتسم به السلوك المراهق المعاصر منها إلى طبيعة الإيمان الديني الذي يعتبر التسليم القلبي والرضى النقطة الجوهرية للمارسة الدينية .

·        وإن التأكيد على الحق في فعل هذا الأمر أو ذاك هو جزء من التوجه المعاصر الذي يصبغ الحياة الحاضرة بالفردية المتطرفة، كما أنها تعكس النـزعة الأمريكية التي تنحو إلى المعالجة الجزئية للأمور والاختزال للمستوى الفردي. وإن التركيز على معالجة الأمور الصغرى لا يستقيم إلا مع استحضار الوعي بحجمها و ضبط سلامة الإطار التي توضّع فيه هذه المسائل ورفض التمحّور حولها.

·        إنه من الصعب التسليم بأن اسـتنقاذ المرأة روحياً لا يتم إلا عن طريق تبوئها لمركز الإمامة و الخطابة . فكثير من الرجال لا يمارسون هذه الوظيفة و لا يعتبر هذا نقصاً في إيمانهم أو ارتقائهم الروحي .  وإنه لمن القبيح سكب نزعة الانجاز الفردي التي تميّز منطق عصرنا التجاري في روح الأمور العبادية.

·        أي أن المشكلة لا تكمن في مناقشة موضوع جديد يتعلق بدور المرأة، بل تكمن قبل كل شيء في الإطار الفلسفي الليبرالي و الفرداني الذي أثاره الموضوع و صبغ الحوار فيه.

·        وإن ما ذكرناه لا يعني بحال أننا نُنكر أن وضع المرأة المسلمة يعاني من التهميش و التهوين، وربما من قِبَل غير الملتزمين أكثر من غيرهم. ولكن تلزم الإشارة هنا إلى أن مكان المرأة و الأنوثة في المجتمعات الحديثة لم يُحلَّ أو ينفرج،  وإنما تأزَّم وزاد تعقيداً.

الحاجة إلى الإبداع الملتزم

·        إننا لندرك أن مثل هذه المعالجة لا تشفي غليل المُهمَّـش الذي يستشعر الظلم أو الذي ملَّ الانتظار، والذي لربما اعتبر الدعوة إلى الحكمة غطاء للتهرّب أو التسويف وإبقاء الحال على ما هو عليه.

·        وإننا لنتفهم أن بعض ممارسات المسلمين الذين نشأوا في الغرب قد جرى التهوين من شأنها بطريقة غير مُنصفة، وفي الوقت نفسه جرى تهويل وتضخيم قيمة تقاليد المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة بشكل غير منطقي. و تكمن المفارقة أن كلا الفريقين يريدان أن يُثبتا و يؤكدا إخلاصهما و طيبة قلبهما وولائهما للإسلام في جو ثقافي مليء بالمتناقضات.  و الحق يقال أن الممارسات اليومية لكل من ثقافة البلاد و الجاليات الإسلامية بحاجة إلى التقييم و إعادة النظر .

·        وإننا إذ نفتخر عادة بأن المسلمين في أمريكا ينأون بأنفسهم عن التمحور حول العصبيات و المذهبيات، فإنه ليس من الحكمة بحال أن نستبدل العصبيات المستوردة التي تحمل بذور التفرقة بأخرى محلية.

·        و أخيراً فإنه إذا كان مطلوباً في هذا الموضوع و أمثاله استيفاء المناقشة على المستوى العلمي فإنه ينفع أن يتوسع البحث ليضم المعماريين و المهندسين، فلعل الإبداع يُرشد لإيجاد حلول عملية مريحة، حتى لا تضَّطر النساء الاختيار بين مزاحمةٍ غير محمودة أو التنحي حتى يُـصدر الرِعاءُ مما قد يفوِّت عليهن خيرَ الغُدُوِّ الباكر ويفوِّت على المجتمع خير بصيرةٍ مؤمنة.