عرض وتلخيص كتاب
نظرية التقريب والتغليب

د. أحمد الريسوني

 

نظرية التقريب والتغليب هي نسق علمي منهجي يقوم على فكرة أساسية وهي أننا حين نفتقد اليقين والكمال نتمسك بما هو قريب من درجة اليقين والكمال، وإذا لم تتأتى درجة التقريب هذه صرنا إلى التغليب وهو الأخذ بما غلب صوابه و احتمال صدقه وصحته وبما غلب من المقادير والأحوال والأوصاف . وهذه الفكرة تسري في كافة العلوم وفي كافة مجالات الحياة النظري منها والعملي وخاصة نطاق العلوم الإسلامية (الشرعية).

ويجد الباحث معالم هذه النظرية وآثارها في مختلف جوانب العلوم الشرعية وقضاياها وذلك بشكل إشارات وتنبيهات أو طرائق استدلال أو تطبيقات متنوعة متباعدة. ولكن النظر فيها مجتمعة وربط تطبيقاتها بعضها ببعض والنظر في الأساس العلمي الذي تستند إليه يكشف عن وجود نظرية شاملة كاملة .

وقد استعمل العلماء قديماً مصطلحات الظن وغلبة الظن والترجيح للدلالة على معان تحوم حول معان مشابهة لمعاني مصطلح التقريب والتغليب ولكنها لا تصل في مزايا محتوياتها ودلالاتها ودقتها وتطبيقاتها إلى أفق الوضوح الذي يتمتع به المصطلحان ( التقريب والتغليب ) بالإضافة إلى رفع بعض التشويش الحاصل من اشتراك معنى الظن ، فالقرآن يذم الظن وينهى عنه وقولنا إن الأحكام العملية مبنية على الظن والعمل بالظن واجب هو مظنة الالتباس .

تطبيقات التقريب والتغليب في العلوم الإسلامية

علوم الحديث طافحة بتطبيقات التقريب والتغليب، فعلم الجرح والتعديل الذي يمثل الميزان في قبول الروايات وردّها مبني على النظر فيما غلب على أحوال الرواة من الحفظ والضبط أو موافقة آراءهم ومروياتهم لروايات الثقات أو غلبة صلاح عصرهم وزمانهم إذا كانوا من المستورين 

و أما مسألة تصحيح الحديث وتضعيفه فهي أحكام يطلقها العلماء مبنية على قواعد وضوابط اعتمدوها وهى في جملتها أحكام تغليب وتقريب كما قال الحافظ بن حجر( إصابة الظن بخبر الصدوق غالبة ووقوع الخطأ فيه نادر، فلا تترك المصلحة الغالبة خشية المفسدة النادرة).

فدرجة صحة الحديث تتبع مرتبة الرواة في العدالة ومنـزلتهم في العلم والحفظ والضبط ، وكذلك تتعلق درجة الحديث بعد الرواة فإذا بلغوا حدا من الكثرة وقع اليقين بخبرهم .  و قد رتب العلماء درجات الحديث بشكل روعيت فيه اعتبارات مختلفة ولكنها جميعا تقوم على مبدأ التغليب في النظر إلى أحوال الروايات والرواة.

وقد أكثر المصنفون  من خبر الآحاد وطال كلامهم فيه وقد استعرض المؤلف جملة من الأقوال والردود وخلص إلى تحرير المسألة بشكل واضح ومنصف بعيد عن غلو التعصب والحمية للمذاهب والرجال فقولهم: خبر الواحد يفيد العلم  لا بد فيه من معرفة المقصود بالعلم ، فالعلم في آيات كثيرة من القرآن الكريم يدخل فيه كل ما كان عن تقريب وتغليب وتحرٍّ واحتياط يُقلل احتمال الخطأ .  و أما العلم بمعنى اليقين التام فالعلماء أوضحوا أن خبر الواحد قد يفيد العلم بهذا المعنى إذا احتفت به القرائن. والكثير من أخبار الآحاد يفيد العلم والقطع على وجه التقريب والتغليب، وإن أكثر ما صححه العلماء إن لم يكن مفيداً لليقين فهو مفيد للتغليب القوي ومفيد لدرجة التقريب.

التقريب والتغليب في المجال الفقهي

يرتبط الفقه بالحياة العملية ارتباطاً وثيقاً، ونظراً لتنوّع وتقلّب وتعقيد أمور الناس فإن أكثر قضاياهم لا تحتمل المبالغة في التشدد والاحتياط بقدر ما هي بحاجة إلى التسديد والمقاربة، حتى أصبح من المسلَّم به أن أكثر أحكام الفقه ظنّية وأن الحكم بغلبة الظن أصل الأحكام ؛ فعندما يتعذر على الفقيه أن يجد لمسألته دليلاً مباشراً صريحاً أو أن المسألة يتجاذبها أكثر من دليل فانه لا يلجأ - إن كان من أهل  التحقيق - إلى إصدار الأحكام القاطعة وإنما يصوغ اجتهاده صياغة تقريبية كقوله هذا أقرب إلى الصواب أو الأشبه بالحق أو الأشبه بالسنة . ويتجلى استعمال الفقهاء للتقريب في الأوصاف حين يتعذر توفر الأوصاف المطلوبة لمنصب الخليفة أو القاضي أو المفتي أو الشهود، فليس هناك أحد يقوم بتعطيل هذه الوظائف والولايات حتى يتوافر الجامعون للشروط والأوصاف بل يعمد الفقهاء إلى التقريب ويأخذون أو يطلبون الأقرب فالأقرب من أصحاب هذه الأوصاف، وهذا المعنى هو الذي يعبرون عنه بقولهم " ما قارب الشيء يُعطى حكمه "  أو "حكم الفرع القريب من معنى الأصل حكم الأصل " .

وكذلك استعمل الفقهاء التقريب في المقادير وقرروا أن التشديد والتدقيق في بعض الحالات هو تنطع وتكلف فأجازوا الخرص وأجازوا المقادير الضئيلة مما أصله حرام إذا كان في التنـزه عنه حرج ، وقرروا أن المتعين في استقبال القبلة هو جهة الكعبة على وجه التقريب قدر الإمكان ، وكذلك الأمر في تحديد المواقيت للإحرام فيما بين المواقيت المخصوصة حيث لابد من اعتماد التقريب في معرفة المحاذاة ومكان الإحرام ، وقد استعمل الفقهاء مبدأ التغليب حين تختلط الأمور وتتداخل الأشكال والنسب و المقادير، فقرروا أن الحكم للغالب من الأوصاف والأحوال وأن العبرة للغالب الشائع لا للنادر ، وشاع قولهم النادر لا حكم له وحتى مسائل النية اعتبر فيها الفقهاء ما غلب من الباعث والقصد واعتبر الغالب في وصف السائمة لوجوب الزكاة إذا كانت ترعى أكثر السنة إذ " للأكثر حكم الكل " واعتُبر الغالب في وصف الحلال والحرام. ومن القواعد الفقهية المبنية على التغليب قولهم " العادة محكمة " وقولهم " إنما تعتبر العادة إذا أطردت أو غلبت ".

وقد استعمل الفقهاء أيضا التغليب في مجال القواعد الفقهية المبنية على الاستقراء وقرروا أن القواعد الفقهية هي قواعد أغلبية بمعنى أنها تنطبق على غالب ما يشمله لفظها وصيغتها .

التقريب والتغليب في المجال الأصولي

إذا تجاوزنا الكليات التشريعية والقواعد الأصولية الكبرى ودخلنا في المباحث الأصولية التفصيلية والتطبيقية وجدنا مجالاً واسعاً للتقريب والتغليب.

ففي مجال دلالات النصوص وفيما وراء النص ( الذي يحتمل معنى واحداً ) فالدلالات ظنية وهي مبنية على التقريب والتغليب ورجحان بعض الدلالات على بعض بقرائن الإشارات والشواهد والأحوال وتتبع استعمالات العرب واستقراء المعاني. فالتقريب هو حمل الكلام على أقرب المعاني وأنسبها عندما يتعذر فهم الكلام على ظاهره وحقيقته.

 واستعمل الأصوليون التقريب والتغليب في القياس وخاصة في إثبات العلة ومسالك إثبات العلل وإثبات وجود العلة في الفروع بطرق غلبة الظن والمناسبة والشبه .

واستعمل الأصوليون التقريب والتغليب في الترجيح حيث بحثوا في مزايا الأوجه المتعارضة والحكم لمن غلبت مزايا دلالته أو تحقيقه للشروط وذلك بغلبة الظن، فجوهر العمل بالترجيح هو تقريب وتغليب ونظر في أوجه الترجيح والحكم لمن غلب منها.

أدلة النظرية وضوابطها

تدلّ آيات القرآن الكريم على وجوب العمل بما غلب على المكلف فهمه ومعرفته وبما رجح عنده أنه الأحسن والأقرب للتقوى والرشد والإصلاح، وكثير من الأحاديث تدل على معنى التقريب والتسديد والأخذ بظاهر الأمر وما غلب على الظن أنه يحقق العدل و يستوفي المطلوب.

يضاف إلى نصوص الكتاب والسنة التي تتناول قضية التقريب مباشرة كثير من الأحكام التي كان مبناها على الظن الغالب والقرائن والأمارات ، مثل العقل الذي يوجب التكليف والنصاب الذي يستوجب دفع الزكاة والشهادات وأخبار الآحاد والأقيسة الظنية

ويضاف إلى هذه الأدلة الإجماع المنعقد على العمل بخبر الواحد، والإجماع المنعقد على العمل بالترجيح والإجماع على صحة الاجتهاد الظني هذا بالإضافة إلى دليل البداهة والضرورة إذ لا يمكن الوصول إلى اليقين الذي ترتفع معه الاحتمالات كلها، فلا يمكن تعطيل النصوص ولاتعطيل المصالح والأعمال ولا بد من التقريب والتغليب والترجيح.

ضوابط العمل بالتقريب والتغليب

1- أن تكون المسألة مما يصحّ فيها ويقبل فيها التقريب والتغليب من المسائل العملية والفرعيات، فالأمور الشرعية التي لا يجوز فيها إلا القطع هي ثلاثة أمور، أصول العقائد والقران الكريم وأصول الشريعة ومقاصدها العامة.  وفيما عدا الأصول القطعية فليس هناك مندوحة عن التقريب والتجويز في فهم آيات الله سبحانه وصفاته وأفعاله مع استحضار العجز ﴿ ولا يحيطون به علما ﴾.  وكلّ ما ثبت فيه خلاف معتبر واستوت فيه  أدلّة النظر فليس من الأصول التي لا يجوز الخلاف فيها ومن الغلط والتجاوز ادعاء القطع ولا قطع ، وأكبر من هذا اعتبار المخالف لهذا القطع المزعوم ضالاً وآثما.

2-  أن يتعذر اليقين والضبط التام، فإذا أمكن اليقين والكمال والقطع فلا نتجاوزه إلى رخصة الظن ، فان الأصل لا يُلغى ويبقى مطلوباً على قدر الاستطاعة سواء ذلك في المقادير أو الشروط والأوصاف والشهادات .

3- الاستناد إلى دليل معتبر يناسب المسألة وينسجم معها فلا يعتبر التأويل البعيد والمتعسف أو ما يقع في النفس بدون دليل ويبقى القسم المعتبر أن لا ترجيح ولا تغليب ولا ظن إلا بدليل.

4- أن يكون الدليل مكافأ للمسألة، فكلما كان الأمر أشد خطراً وأهمية لزم أن يكون الدليل مناسبا في القوة والصحة والرجحان ، فالكلام في الحرام والموبقات غير الكلام عن اللمم والصغائر والكلام عن الواجبات يختلف عن المندوبات وفضائل الآداب، وقد جرى العلماء على التشدد أو التساهل في مدى قوة الظن للترجيح والتقريب تبعاً لنوع المسألة وخطورتها.

5 - ألا يعارض  التقريب والتغليب ما هو أقوى منه ، فإذا حصل العلم واليقين بطل الظن والتخمين ، مثل حصول اليقين بالحسابات الفلكية التي تعارض الظن الحاصل بشهادة الآحاد، وكذلك القول بأقصى مدة الحمل فإن شهادة المختصين في الموضوع يقوم به من القطع وما يقرب من اليقين بما لا  يقف له  الظن الحاصل بالأقوال الظنية المخالفة .

6- أن لا يتسع حد التقريب كثيراً، فحد القرب ودرجة القرب ومقدار النقص المغتفر كل ذلك لم يرد فيه ضابط للتعيين والتحديد واكتفى الفقهاء بضرب الأمثلة مسترشدين بالقاعدة "مالا يحدّ ضابطه لا يجوز تعطيله ويجب تقريبه" ومراعاة المقاصد ومآلات الأقوال والأعراف فيما يؤدى إلى الخصومة أو ما يغلب التسامح فيه.

تطبيقات جديدة لنظرية التغليب والتقريب

حصر المؤلف جهده في مفهوم المصلحة والمفسدة وبعض تصنيفاتها وبين أن معظم ذلك يعتمد على التقريب والتغليب .

فالمصلحة تعتبر مصلحة شرعية باعتبار غلبة النفع والصلاح في أمر ما ولو خالطه بعض الضرر والفساد ؛ والمفسدة كذلك تعتبر مفسدة إذا غلب الضرر والفساد رغم ما قد يوجد فيها من منافع ومصالح.  فليس هناك مصلحة إلا وفيها مفسدة، ولو قلت وليس هناك مفسدة إلا وفيها مصلحة لكان هذا صحيحاً أيضاً.  فالمصالح والمفاسد مفاهيم مبنية على التغليب، فما غلب في محل كان الحكم له. وقد قرّر العلماء أن المصالح المحضة والمفاسد المحضة عزيزة الوجود ، فالدنيا مبنية على الامتزاج والاختلاط بين المفاسد والمصالح ولا مجال لتمييز المصالح والمفاسد إلا بالتغليب والتقريب .

أما ترتيب المصالح فقد درج الفقهاء على التقسيم الثلاثي للمصالح ضرورية وحاجية وتحسينية ثم أدرجوا لكل مرتبة مكملات، ومنهم من جعل المراتب خمساً. ولكن وضع الحدود الفاصلة بين كل مرتبة وأخرى على درجة من الصعوبة لا يُسعف معه إلا الاعتماد على التقريب والتغليب وخاصة عند تعارض المصالح وتعارض المفاسد، فلا بدّ من تقديم ما يغلب نفعه ولا بدّ من تأخير ما يزيد ضرره . والحكم بغلبة النفع وسعته وامتداده وكذلك الحكم بزيادة الضرر وامتداده أمور تقديرية لا بدّ ولا مفرّ من الرضا بالتقريب والتغليب في كثير من الحالات .

معايير التغليب

وفى مبحث معايير التغليب بين المصالح والمفاسد المتعارضة، قرر المؤلف ما أثبته العلماء من أن الشريعة جاءت لرعاية وحفظ المصالح وجاءت أيضا بترتيبات وأولويات المصالح، وذلك مبنى على ضرورة النظر المصلحي إلى النصوص والأحكام الشرعية برعاية مقاصدها، ومبنى كذلك على الأخذ بالتغليب بين المصالح والمفاسد المتعارضة وعدم الاعتماد على المنصوص من المفاسد والمصالح وحدها واعتبار المنصوص علامة ودليلاً على أنواع المفاسد والمصالح ومراتبها وليس حصراً في ذوات الأمور المذكورة .

 وأول معيار للتغليب هو النص الشرعي، فهناك تلازم بين الأحكام الشرعية والمصالح المرتبطة بها، فلكل حكم مصلحة تناسبه ولكل مصلحة حكم يناسبها، فالنص الشرعي آت وفق ما يحقق المصالح ويدفع المفاسد ، ولأجل ذلك أصبح النص معيارا لمعرفة المصالح ومراتبها ومعيارا للتغليب والترجيح بين المصالح المفاسد المتعارضة. وإذا كانت هناك معايير أخرى لترتيب المصالح فهي أيضاً معتمدة على النصوص ومسترشدة بها .

والمعيار الثاني هو رتبة المصلحة بمعنى درجتها في سلم المصالح والمفاسد وذلك ابتداء بالتقسيم الثلاثي: الضروريات والحاجيات والتحسينيات وما قد يتفرع عنه من درجات، وإنما تُلحق المصالح والمفاسد بإحدى الرتب على سبيل التغليب ، فيقدم عند التعارض ما كان أعلا رتبة سواء ما كان في جلب المصالح أو درء المفاسد .

والمعيار الثالث هو نوع المصلحة والمقصود بذلك انتماءها إلى الكليات: الدين والنفس والنسل والعقل والمال ، حيث تجرى المفاضلة بين هذه الكليات والمصالح التابعة لها عند التكافؤ المرتبي فيقدم ما كان مصلحة للدين ثم النفس ثم النسل ثم العقل والمال عند تعارض مصلحتين ضروريتين أو حاجيتين أو تحسينيتين.  

والمعيار الرابع هو مقدار المصلحة بمعنى التغليب الكمي، فليس من الصواب تفويت الخير الكثير  لوجود بعض الضرر ، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة عند تعارضها أمر مقرر معروف. والجزئي مهمل بالإضافة إلى الكلي، ورغم القاعدة المعروفة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح إلا أن العلماء قرروا أن المصلحة تراعى لغلبتها على المفسدة .

والمعيار الخامس هو الامتداد الزمني ، وهو النظر إلى الآثار المستقبلية المتوقعة، وذلك عند تعارض مصلحتين أحدهما لها امتداد زمني وأثر بعيد فيتحتم عند الموازنة تقديمها على المصلحة القريبة المحدودة بالزمن والتأثير ، ومن ذلك السنّة الحسنة والسنّة السيئة والصدقة الجارية والبدع.

وبعد النظر إلى المصلحة وتغليبها بأحد المعايير السابقة أو أكثر تُقدم المصلحة الراجحة، فإذا فرض التساوي بين المصالح أو المفاسد من كل وجه صار المكلف إلى التخيير أو القرعة.

مبحث التغليب في فتح الذرائع وسدها

وفي مبحث التغليب في فتح الذرائع وسدها ، بيّن المؤلف أن الذرائع هي وسائل تفضي إلى غايات ومقاصد ، وتعظم  الوسيلة بقدر ما تعظم المصلحة التي تحققها ، وكذلك يعظم أمر الوسيلة المؤدية إلى مفسدة كبيرة ، وكثير من المحرمات والواجبات إنما أعطى لها حكمها باعتبارها وسائل وأسباب وليس باعتبارها مقصودة لذاتها. والحكم بمنع أمر لما يفضي إليه من مفسدة مبنى على درجة الاحتمال ونسبة الإفضاء وكل ذلك راجع إلى التغليب والموازنة بين ما يغلب على الحال من المصالح والمفاسد ، فلا يجوز تعطيل المصالح الغالبة الوقوع خوفاً من ندور كذب الظنون غير أن الحاجة إلى العمل بالتغليب تظهر أكثر ما تظهر في سد الذرائع لا في فتحها ، وينبغي أن لا ينبني هذا على مجرد الهواجس والتخيلات بل يجب أن ينبني على توقعات راجحة قوية غالبية وليست قليلة أو نادرة .

هل الغاية تبرر الوسيلة؟

  تعرض المؤلف للخلفية التاريخية والسياسية لهذا الشعار والآثار السلبية لهذه الخلفية، ثم قرّر ما ذهب إليه العلماء من أن الوسائل تتبع أحكام المقاصد وقرر أن الغاية هي المصالح الشرعية المعتبرة وليس أهواء وغاية (طريقة ميكافيللي). وبهذا الاعتبار فإن بعض الوسائل غير المشروعة يمكن أن تباح بالنظر إلى غاياتها وذلك بحدوده وضوابطه كبعض وجوه الكذب المباح أو الغيبة المباحة وفداء الأسرى بالمال ودفع الظلم والعدوان.

حكم الأغلبية

وقد تناول المؤلف موضوع الأغلبية وناقش اعتبار الأغلبية مرجحاً أو قرينة للصواب أو ملزماً في الحكم والاتباع، وقد توصل إلى أن الأغلبية معتد بها في مواضعها وشروطها ، وساق أدلة من القرآن والسنة والسيرة مستندا إلى المضامين والدلالات ومبيّناً أن الألفاظ والعبارات متغيرة عبر العصور والاصطلاحات والصيغ لن تتوقف يوما عن التقلب.

وقد ناقش المؤلف الاعتراضات والردود على اعتبار الأغلبية وبين أن القرآن أهدر الأكثرية للخبيث والباطل وليس في القرآن تفضيل مطلق للقلة على الكثرة، فالكثرة تقوى خبث الخبيث وتقوى طيب الطيب، فمن الغلط قطع الآيات التي وردت في ذم الكثرة عن سياقها وموضوعها والانتقال بها إلى صفّ المسلمين وجماعة المؤمنين ثم الانتقال إلى إهدار الكثرة مطلقاً، فالكثرة في الخير أفضل، ووقع تقديم حق الكثير على حق القليل عند عدم وجود مرجح أولى وأقوى .

وقد ناقش المؤلف حجج خصوم الأغلبية وبين أنه لا متمسك لهم فيما ذهبوا إليه في إهدار الأغلبية، وخاصة بتحليل دقيق لمعطيات مواقف النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته وأحواله مع أصحابه و تصرفات الخلفاء الراشدين فيما وقع لهم من قضايا وبيّن أن لا متمسك لرد قول الأغلبية ولا معنى للشورى إذ أهدرت الأغلبية بإطلاق.

وفى بحث مستقل ناقش المؤلف مسألة الترجيح بالكثرة عند العلماء وبين أن الروايات التي تكثر رواتها أرجح وأن الغلط والسهو هو أبعد عن الكثرة وهو إلى الأقل أقرب، ورجح العلماء من الآراء ما كان مع الكثرة من العلماء لأن الأغلب  أن يكون الصواب مع الأكثر، وتحرّج كثير من العلماء من عرض ما اقتنعوا به كراهة مخالفة الجمهور، مما يدل على الاعتداد بالكثرة عند انتفاء مرجح أقوى منها.

وفى مبحث العمل بالأغلبية تعرض المؤلف إلى تطبيقات عملية، وبين أن الأغلبية تحقق أكبر قدر ممكن من الصواب والسلامة من الخطأ وأن إهدار قول الأغلبية لقول الفرد هو خطأ أصولي ومنهجي ينبثق عنه مع الأيام ما لا يحصى من الأخطاء، وأن القول برأي الأغلبية يضمن مشاركة الأمة في التفكير في قضاياها وما يصيبها ويجعل الأمة أكثر انقيادا وأكثر حماسا للعمل والالتزام وتحمل تبعات ومسئوليات القرار، والأهم من هذا أن الأغلبية هي العاصم من الاستبداد والتفرد، و أما مجالات العمل بالأغلبية فهي:

·         التشريع الاجتهادي العام حيث يجب أن يعطى لقول أغلبية العلماء قوة الإلزام العملي والقضائي، أما علمياً فليس أحد ملزماً إلا بما اقتنع به.

·         الأمارة واختيار الممثلين والنقباء، فليس هناك طريقة معينة منصوص عليها بل إن الأمر متروك للمسلمين ليختاروا الكيفيات والجزئيات والتي تعتمد على الأغلبية والأكثرية

·         تدبير المصالح والشؤون المشتركة بين الناس ويختلف مدى وسعة الأغلبية حسب طبيعة المصلحة وامتدادها، فالأمر اليسير يختص بأهله والعمل الجليل العام لا بد أن يشمل عموم الأمة وأغلبية المجالس المختصة.

 


لنتكلم في عناصر الديمقراطية

د. مازن موق هاشم

 

إن الحال الذي آل إليه مصطلح الديمقراطية أمر محزن إذ أنه يزيد المشهد الثقافي اختلاطاً ويُبعد الأمة عن القدرة على وضع يدها على مفاتيح الحلول والمداخل التي تمكّنها من أن تضع رجلها في أول مسار الإصلاح الإداري.

فمن الطرح الذي ينادي بالديمقراطية وكأنها شيء جاهز للتطبيق نستورده كما نستورد حبات معالجة الصداع، إلى الطرح الذي ييأس من إمكان إجراء أي إصلاح...

ومن الطرح الذي يستبطن الاحتقار الثقافي الذي يُصوّر العرب والمسلمين همجاً ليسوا على مستوى السلوك الديمقراطي، إلى الطرح الرومانسي الذي يصوّر الديمقراطية رفعة أخلاقية ساحرة تشكّل سر نجاح الغرب وتفوقه...

ومن الطرح الخيالي الذي يضع عناوين ديمقراطية لآماله الإسلامية، إلى الطرح الرفضي الذي لايريد قراءة التجربة الديمقراطية...

ومن الطرح العنجهي الذي يُكفِّر من يشكُّ بعالمية التجربة الغربية الديمقراطية ويؤكّد ضرورة مراعاة الخصوصية الثقافية، إلى الطرح الابتزازي الذي يُغطي دعاواه المصلحية باسم الخصوصية...

وكأي مصطلح، إذا اشتط الناس في استعماله فإنه يفقد معناه ويفقد الفائدة من استعماله؛ وأهم شيء يفقد القدرة على توجيه العمل الواقعي وترشيده . وفي واقعنا الذي يشكو من غياب المعقولية والرقابة في الحكم والإدارة ، والذي آل فيه مصطلح الديمقراطية إلى مادة للتراشق اللساني، فإنه ينفع الكلام عن العناصر المكونة للديمقراطية رامين القشرة الاصطلاحية المتآكلة.  ورغم أنه لا يوجد ديمقراطية واحدة يمكن التكلم عنها بالتحديد، فإنه يمكن تحديد عدة خصال تشكّل أهم ما تتمتع به الديمقراطية. وبمعالجة الخصال المكّونة للديمقراطية معالجة نقدية يمكننا معرفة أوجه الاتفاق و الاختلاف.  وابتداءً لا بدّ من الإشارة إلى أن تحديد العناصر الرئيسة المشكّلة الديمقراطية هو توجهٌ يقفز فوق الإشكالية الفلسفية للديمقراطية ويفترض -مؤقتاً- إمكان فصل آليات الديمقراطية عن الديمقراطية الليبرالية كمفهوم حياتي وكدين للحداثة.  وسوف يعالج هذا المقال ثلاث خصال مكّونة للديمقراطية –سيادة القانون، والتشاور والتمثيل، وفصل السلطات والمحاسبة– ويعرّج على مفهوم الاستيراد ومقولات توافق الإسلام أو تعارضه مع الديمقراطية.

سيادة القانون

تُعدّ سيادة القانون أحد الاسس التي ترتكز عليها الديمقراطية الحديثة، الاساس الذي لا يتصور أن تشتغل آلية الديمقراطية بدونه، ورسوخ مفهوم القانون في الثقافة الغريبة عامة والثقفة الانجلوساكسونية خصوصاً أمر معروف.  وتثور نقاشات واسعة حول القانون وعموم تطبيقه على الجميع من خلال أزمات قانونية، إلى درجة أنه أصبحت متابعة جلسات محاكمة المشاهير مصدراً للتسلية يتنافس فيها التلفزيون والاذاعة .

ولكن فكرة القانون ومبدأ سيادته ليس أمراً جديداً البتة، بل عرفته البشرية من أزمان ساحقة.  فالدراسات الانثروبولوجية مثلاً تزخر ببيان وجود مفهوم القانون حتى في القبائل التي تعيش حياةً تبدو لنا بدائية.  ولنا أن نتذكر أن القوانين المعقّدة قديمة قِدَمَ حمورابي، وأن المجتمعات الكبيرة والحضارات البائدة كلها عرفت القانون وعملت به.  وإذا أشرنا إلى الحالة الاسلامية بالخصوص فإننا نجد أيضاً أن القانون كان له وجود أكيد.

وهنا يأتي السؤال، كيف نسمح لأنفسنا أو عقولنا بأن تجمع بين اعتقادين متعارضين:  التسليم أن القانون هو أساس الديمقراطية التي تتميز به مع الاعتقاد أيضاً بأنه كان دوماً موجوداً في الحياة البشرية؟  وإذا أنعمنا النظر فإننا نجد أن الفرق ليس في وجود أو عدم وجود القانون، بل هو فرق في (1) مرجعية القانون  و(2) المؤسسة المودع فيها القانون  و(3) سبل إنفاذ القانون و (4) المساحة التي يغطيها القانون من حياة البشر .

يتميز مبدأ سيادة القانون في السياق الديمقراطي الغربي في أنه أسند القانون مطلقاً إلى الانسان نفسه مقطوعاً عن الخلفيات الدينية.  ومقارنة بالمجتمعات البسيطة التي كانت تعتقد أن الظواهر الكونية -من الفيضان إلى  المرض- إنما هي من صنع آلهة تغضب يوماً وترضى يوماً آخراً وأن الظواهر الكونية لا تخضع لآليات مفهومة، فإن نفس هذه الظواهر في منطق الحداثة أصبحت تُفسّر من خلال أسباب ماديّة تحكمها احتمالية الصدفة وتطرد أي إرادة خالقة.

و حدث ذلك التحول أيضاً بالنسبة لمفاهيم الاجتماع الإنساني.  فكانت طاعة القانون مرتكزة على هيبة الملك وادعاء الأحقية الإلهية، فأصبحت في مناخ ثقافة الحداثة مستندة إلى خيال خيار شخصي بحت. فمثلاً كان ينظر للزواج ( وما زال في دوائر المتدينين والكنيسة) على أنه رباط مقدس في حضرة الرب، فأصبح ينظر إليه بازدياد أنه علاقة صداقة غرامية اقتصادية بين اثنين.  أي أن مرجعية القانون الحديث مرجعية تعاقدية مدنية تستند أخلاقيتها إلى الفعّالية الآنية لهذه القوانين ومعقوليتها الظاهرة -إلى جانب إمكان تعليلها العلمي- مرجعية ضحلة العمق الخلقي تُضفي طابع السخف أو التنافس المصلحي على القانون.

ولم يكن للقانون مؤسسة مستقلة في الأزمان البائدة، أو كان لها وجود ضئيل يتمثل في شكل موظفين تابعين للحاكم الأعظم.  أما القانون في العصر الديمقراطي فإنه مودع في مؤسسات بيروقراطية ضخمة لها أجنحتها المستقلة.  ومما يميز هذه المؤسسات أنها مضبوطة بالقانون ومولّدة له بآن واحد في طبقات متراكبة على غاية من التفصيل والتعقيد.  ورغم أن استعمال العنف لإنفاذ الارادة الجماعية معروف منذ أقدم العصور، فإن النظم الديمقراطية الحديثة أعطت الدولة حق احتكار استعمال العنف وشكّلت أقوى المؤسسات التي عرفتها البشرية والتي تستعمل العنف لتقمع العنف غير المقنّن.  وأخيراً فإن ما يميز دور القانون في النظم الديمقراطية هو اتساع المساحة التي يحتلّها ، فلقد حلّ القانون في نموذج الدولة الحداثي محل كثير من المؤسسات الطبيعية التي كانت تنظّم حركة المجتمع ، من العناية بالأولاد إلى التعليم إلى التطبيب إلى طريقة دفن الميت.  ولذا تأزم مفهوم القانون في المجتمع الحديث لأنه امتد إلى مساحات لا يناسبها الضبط القانوني الرسمي، وأصبح القانون مصدر الداء والدواء بآن واحد.

وعلى هذا فإنه عند التفكير في سيادة القانون كعنصر من عناصر الديمقراطية فإنه يجب أولاً أن لا نفكر بأنه شيئ جديد لم تعرف البشرية أي شكل من أشكاله من قبل، وإنما علينا أن نفكر بعدة أوجه: بالمرجعية الخلقية التي يستند إليها القانون لأن تلك المرجعية هي التي تحدد صلاحية القانون في بيئة معينة، وتحدد إمكان احترامه وتقبله من الناس، وتحدد مدى انسجامه مع واقع الحياة. وثانياً يجب التفكير في المؤسسات التي سيودع فيها القانون، والمساحة المثلى التي ستترك للدولة مقابل المساحة الحياتية التي ستترك للمؤسسات المدنية وتلك التي ستترك للفرد والضمير.

التشاور والتمثيل

تفتخر الديمقراطيات الحديثة في أنها متفوقة خلقياً لأنها تمثّل إرادة الشعب.  فمقابل خضوع الناس للملوك في الأنظمة السابقة ومقابل القرارات الحازمة التي كانت تصدر من قبل مجموعة صغيرة من الأفراد، فإن الناس في ظلّ الديمقراطية يطيعون إرادة الشعب ذاته من خلال المشاركة بالتصويت والانتخاب. وبغض النظر عن التبسيط في هذا الطرح وإسقاطه لبعد التحكم المبطّن وترك مساحة ضيقة للاختيار (والذي يصفه البعض بأنه اختيار إذعان)، فإن قضية التمثيل قضية معروفة مارستها المجتمعات البسيطة منذ القدم.  بل تتميز تلك المجتمعات بلقب "مجتمعات المساواة والمشاورة الكثيفة".  فرغم كل السطوة  التي كان يتمتع بها رجال الحكم،  فإنهم كانوا يتحسسون الارادة العامة من خلال الأقنية الاجتماعية الكثيرة. كما كانت طبيعة تلك الأنظمة القديمة أن تتعامل مع كل شيء  -بما فيه التمثيل- على شكل كتل جماعية.  فمثلاً تعهيد مهمة معينة لقبيلة ما أو حيازتها الرمزية لحق من الحقوق هو في حدّ ذاته ضرب من التمثيل ، سواء كان ذلك في حق غسيل فناء المعبد أو في حق الرعي في مساحة عشبية معينة.  وصحيح أنه شهدت هذه الأنظمة تأزمات في مسألة التمثيل والتشاور، فإنه يبدو أن المجتمعات الزراعية الكبرى هي التي مثلت أعلى درجات هذا التأزم .

ومن وجه آخر فإن الديمقراطيات الحديثة أفرزت أزماتها الخاصة في مسألة التمثيل. ولنا أن نتذكر أن نسبة المشاركين في الانتخاب متدنية في كثير من الديمقراطيات ، و أن كثيراً من المفاصل الحساسة في حياة المجتمع الحديث تخضع لطبقة الموظفين الفنيين (التقنوقراط) التي تفرض رأيها الفني حكماً من غير مشاورة.  وحين تُعرض قرارات الفنيين للتصويت فإن التمثيل الصادق يكاد يفقد معناه مع تسييس هذه القرارات واستعمال الدعاية المضللة.

والمقصود من التذكير بهذا هو أنه ليس المطلوب أن نتغنى بالديمقراطية وقدرتها على تمثيل الناس، وإنما أن نتفكر في الصيغة التي يتم فيها تمثيل الناس وموضع السلطة ومساحة صلاحياتها، وما هي الأمور التي سوف تسند إلى  القرار السياسي وما هي التي ستُترك للمجتمع ومؤسساته المدنية والطبيعية.

وبالذات فإن هناك ثلاث نماذج عامّة للديمقراطية، نموذج التمثيل و نموذج التعهيد و نموذج المشاركة.

فنموذج تمثيل المصالح (وأكثر ما يعبر عنه هو نظام الولايات المتحدة الأمريكية)، يعتبر الشخص المنتخب مجرد ممثّل... مجرد شخص ليس ضرورة على علم ومهارة فائفة أو رؤية ثاقبة، وإنما مجرد ممثّل عن الشخص الذي انتخبه يحاول أن يدافع عن رغبات هذا الشخص.  ولكن لما كانت الرغبات والمصالح في المجتمع الرأسمالي البحت قد تكتلت على شكل شرائح اجتماعية وشبكات مصلحية ، فإن الممثّلين المنتخبين أصبحوا يلعبون دور ممثل مصالح شريحة همّهم إقناع قاعدتهم بأنهم فعلاً يدافعون عن مصالحها، وهذا الذي يؤهلهم لينتخبوا مرة ثانية.

وهناك نموذج التعهيد والذي يوجه الناس إلى  انتخاب من يُفترض حيازته على أهلية وقدرة وكفاءة.  ويتوقع من هذا الشخص المنتخب اتخاذ القرار الحكيم حسب ما يراه وبناء على خبرته، مع مراعاة مصالح من انتخبوه. وهناك  نموذح المشاركة الذي يقتضي أن يشارك الناس فعلاً في صنع القرارات وذلك من خلال مؤسسات إجتماعية بينية ليست حكومية.

ومرة ثانية فإن المطلوب التفكير بالنموذج المحبّذ بين هذه النماذج العامة.  فالنموذج التشاركي يتكئ بشكل أكبر على نوعين من منظمات المجتمع المدني: النقابات والمؤسسات الخيرية ومؤسسات الخبرة من جهة، ومؤسسات النشاط والممارسة التعبدية والحي والجوار وشبكة القرابة من جهة أخرى، إذ تتميز كل هذه المؤسسات بأنها تحاول أن تضم -بشكل أو آخر- رؤيةَ أكبر مجموعة ممكنة من الناس.  أما النظام التعهيدي فإنه يحتفظ فيه الناس لأنفسهم مساحة كبيرة من الفضاء الاجتماعي تاركين السياسة وشؤونها للذين لهم خبرة وتاريخ ورؤية وواضعين فيهم ثقة شبه كاملة وكـأنها أمانة عُرفيّة.  أما نظام التمثيل المصلحي فإنه من أكثر النماذج تمكيناً للمال ولفعاليات السوق من أن تفرض نفسها في الحياة السياسية.  ولا يخفى أنه يمكن تقييم هذه النماذج وفق محك معياري، فالادعاء بأن واحداً من هذه النماذج أصلحُ من الآخر هو حكم له علاقة بالخلفية الفكرية والتصورية وليس مجرد خيار تقني.

كما أن فرصة نجاح هذه النماذج مرتبطة بشروط موضوعية.  فمثلاً يواجه النموذج التشاركي صعوبات جمّة إذا كان هناك تفاوت كبير في مستويات الناس العلمية، كمجتمع فيه مجموعة من ذوي التعليم العالي إلى جانب نسبة أميّة عالية بين الشعب (وكمثال عكسي، يُمكن التفكّر بالممارسة الديمقراطية السويسرية التي يلعب فيها المستوى الثقافي العالي دوراً مهماً).  كما أنه من الصعب تخيّل نموذج تمثيل مصلحي فعّال ويستحق الوصف الديمقراطي في بلد فقير قليل الموارد تتركز فيه الثروة في أيدي ثلّة محدودة العدد جداً (ويمكن التفكّر بالممارسة الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية كمثال يدلّ على طرفي المسألة: فمن وجه فإنه ترتاح لهذه الممارسة شرائح ما فوق الطبقة المتوسطة –وهي شرائح كبيرة العدد باعتبار ضخامة حجم الاقتصاد الأمريكي؛ ومن وجه آخر تتأزم هذه الممارسة بين صفوف ثُلْث أو نصف الشعب من الشرائح غير المحظوظة التي تستقيل يائسة من المشاركة، وتندفع المنظومة للجوء إلى الدعاية والطروحات الجانبية لإمكانية الاستيعاب العام).  وأخيراً، يصعب تخيّل فعالية نموذج التعهيد إذا كان هناك هوّة ثقافية قِيَمِيَّة بين النخبة المُعهَّدة وعامة الشعب (ومثال ذلك أكثر البلاد العربية والإسلامية).

اللامركزية وفصل السلطات والمحاسبة

مبدأ اللامركزية مبدأ قديم مارسته كثير من إمبراطوريات التاريخ، بل لعله كان النموذج الغالب لأسباب كثيرة أهمها عدم توفر الوسائط المادية للسيطرة المركزية مع اتساع رقعة الدولة.  ولكن الثورة الصناعية ومنتجاتها مكّنت من التحكم بمساحات شاسعة والسيطرة على أعداد هائلة من البشر.  وفي ظل ظروف تاريخية معينة تعانقت المركزية والتقنية في أوربا لتفرز أنظمة فاشية في التجارب الإسبانية والإيطالية والألمانية والروسية، ولــذا فإنه يُنظر عادة إلى اللامركزية على أنها ترتيبة تنظيمية ضرورية من أجل عدم تركيز قدرات التحكم في أيدي قلّة.

ولكن اللامركزية شرط لازم غير كافٍ ففي أمريكا مثلاً في أواخر القرن 18 وأوئل القرن 19 كانت اللامركزية هي الترتيبة التنظيمية التي مكّنت بعض الولايات المتفرقة من رفض التوصيات الفيدرالية في التضييق على الرق الرسمي وتمرير الإرادة المحلية التي كانت تعارض لمس الأساس القانوني للرقّ كما تعارض أي تغيير في ترتيبة المصالح الاقتصادية المرتكزة على عمالة الرقّ الزراعية.

وبالطبع فإن مجرد فصل السلطات النظري أو مجرد فصل السلطات كتصميم في بنية المنظمة لا يضمن بالضرورة الفصل الكامل الفعلي، إذ أنه يمكن أن تنشأ علاقات غير رسمية تربط بين هذه السلطات وإن كانت غير قانونية وغير ديمقراطية في نتائجها.  والمثال المعروف في هذه الأيام هو نظام الولايات المتحدة، فرغم أنه شديد اللامركزية نسبياً، ورغم أن فصل السلطات مغروس بشكل واضح وأكيد في الدستور، ورغم أن الثقافة السائدة تتوقعه وتحرص عليه، إلا أن دور المال في التصويت وفي تمويل الحملات الانتخابية يقلّص مسافة الفصل هذه.  ومثل ذلك جماعات الضغط التي تعتمد حكماً على المال، ومثل ذلك الدور المتزايد للإعلام وقدرته الكبيرة على توجيه الرأي العام والذي تلعب فيه المصالح والتدبير الاستراتيجي دوراً كبيراً .  و يطلق في علم السياسة الأمريكي على العلاقات المتشابكة المتناغمة بين سدة الحكم التنفيذية و السلطة التشريعية المنتخبة و مؤسسات الضغط اسم "المثلث الحديدي"، الأمر الذي يجعل قضية افتراض الفصل التام في النموذج الديمقراطي قضية نظرية لا تنطبق بالكامل مع الواقع.

ثم إنه يجب أن نتذكر أن طرق الادارة الحديثة مغروسة في المفهوم البيروقراطي للإدارة.  أي أنه بغضّ النظر عن وجود اللامركزية أو عدم وجودها، فإن الترتيبة البيروقراطية التي تنبني عليها الأنظمة الحديثة هي قيد بحد ذاتها، حتى أنه أُطلق عليها الصفة الشهيرة بأنها الـ"قفص الحديدي" أو القشرة الصلدة لمجتمعات الحداثة.

ويجب أن نلحظ أيضاً أن هناك درجات متفاوتة في لامركزية الأنظمة الديمقراطية الحديثة. فمثلاً تتميز كل من فرنسا وألمانيا بمركزية أعلى بكثير من الولايات المتحدة، ويتميز نظام الإدارة الصيني بأنه عالي اللامركزية رغم أنه مغروس في نظام جمعي في روحه له جذوره الشيوعية والتي اختلطت مع الأسس التاريخية للثقافة الاجتماعية للصين.  أما المجتمعات القديمة فإنها على العموم جمعت بين اللامركزية الشديدة في أكثر أوجه الحياة وبين مركزية شديدة في قليل من الأمور.  ويجب أن نتذكر أن درجة وشكل اللامركزية الأمثل له علاقة بالامتداد الجغرافي والتوزع السكاني والتنوع الثقافي والتكامل الاقتصادي لأصقاع البلاد.

أما مبدأ فصل السلطات فإنه متصل باللامركزية ولكنه ليس جزءاً منها بالضرورة . ولا يخفى أن هذا مبدأ قديم عرفته كثير من الاقوام.  ولكن العامل الحاسم الذي يفرّق بين فصل السلطات القديم والحديث هو تقنين هذا الفصل.  فمثلاً وجود القضاة المتخصصين ذوو سلطة متمايزة أمر قديم ، ولكن علاقة القضاة بالمؤسسات الأخرى لم تكن بذاك التقنين الذي نراه اليوم. ويترك اليوم للقضاة مساحة أصغر لتقليب الرأي، أي أن هناك درجة فصل للسلطات أقل من قبل نتجت عن ذات الفصل المقنّن.

ويجب أن نتذكر أيضاً أنه كانت تُحلّ معظم المسائل في مجتمعات ما قبل الحداثة من غير الإحالة إلى  القانون أصلاً. أي أنه تكمن المفارقة في أن المجتمعات القديمة والبسيطة والتي لم يكن فيها فصل السلطات حاسم تمتعت بدرجة مساواة عالية بسبب حصر القانون في المسائل الكبيرة وحلّ أكثر المشاكل من خلال الآليات الاجتماعية، والتي هي بالضرورة ديمقراطية بسبب إشراك عدد كبير من الناس في هذا وبسبب عدم امتلاكها المباشر لوسائل العنف (سجن، غرامة) وبسبب أن طريقة اتخاذ القرار فيها طريقة إجماع تتطلب المساومة والتراضي.

ولعل إشكالية فصل السلطات وضرورة هذا الفصل تظهر عندما يكون عند هذه السلطات قوة كبيرة على الإنفاذ، كما هو الحالي في المجتمعات الحديثة . إن قوة السيطرة لأي مؤسسة من مؤسسات المجتمع الحديث قوة كبيرة ، فإذا اجتمعت كلها ولم تُفْصل تحوّلت إلى قوة مُخيفة.  وكذلك فإن التعقيد و التداخل في تنظيم المجتمعات الحديثة يُلزم بضرورة وجود درجة عالية من الفصل بين السلطات.

إشكالية منطق الاستيراد

إن التفكير بالديمقراطية من خلال عناصرها الثلاث الأساسية (سيادة القانون، والتشاور والتمثيل، وفصل السلطات والمحاسبة) يساعد على فهم إشكالية الديمقراطية ويزيل عنها الهالات، لكن لا يعني هذا أنها ثلاثة مكونات يُمكن استيرادها.  إن الدعاوى التي تطرح المسألة الديمقراطية وكأنها حل جاهز يمكن استيراده وتركيبه كقطعة غيار في آلة المجتمع دعوى في غاية التهافت وتفقد أدنى درجات العلمية وإدراك طبيعة حركة المجتمعات وطبيعة التطور التاريخي.  وذلك أن الفعل الاجتماعي يتحرك أولاً وقبل كل شيء حسب صيغة تفاهم مُضمرة في عقول ومشاعر الناس ، وتتشكل هذه الصيغ من خلال محاولة الإنسان الدائبة التعاملَ مع الظروف المحيطة به وتذليل العقبات وتخفيف وقع المصاعب التي تحيط به .

ويمكن أن نتصور بعدين للواقع البشري، بعداً بنيوياً وآخر ثقافياً، ولنفترض هنا أن البُعد البنيوي أمر مفروض لا يمكن الحياد عنه ولنركّز التفكير في كيفية التأقلم الثقافي مع الواقع  المفروض وعلاقة ذلك بمنطق الاستيراد.  ولنأخذ مثالاً مجتمع جزيرة تحيط بها البحور، فهذا بعد بُنـيوي ليس للناس الساكنين فيه خيار في تغييره أو إزالته، ولنفكّر في كل ما تفسح به هذه الوضعية الجغرافية من إمكانات وفيما تفرضه من عوائق.  فإذا أخذنا مسألة الطعام والنظام الغذائي للقوم فإنها بعد ثقافي يتأقلم حول البعد البنيوي المفروض حيث طوّرت ثقافة هذه الجزيرة نظاماً للتغذية يرتكز بشكل كبير على منتوجات البحر وأسماكه.  ونجد التفنّن والتأنق في الطعام يدور حول إتقان التعامل مع هذه المنتجات واستخراج أحسن ما فيها لكل حاجة طعامية بدءاً بما هو صحي وانتهاءً بفنون الطبخ وكيفية تنظيف السمك وحفظه... وإنه لا مراء أنه لا يُتخيل وجود مجتمع جزيري من غير وجود مثل هذه الثقافة.  والسؤال الآن، هل يمكن تصور استيراد نظام غذائي آخر وفرضه على أهل هذه الجزيرة؟  وماذا ستكون النتائج لو تم هذا الفرض.  إن استيراد نظام غذائي يعتمد على اللحم البقري لهذه الجزيرة أمر شبه مستحيل لأنه ليس هناك مساحات رعي كافية للأبقار. ولو جُرّدت مساحات وخصصت للأبقار لكانت على حساب منتجات أخرى ضرورية للمجتمع ولفقد الناس مهارات صيد السمك وطبخه وتحضيره، ولتهدّد كل المجتمع بالجوع أو بالنقص البروتيني لعدم معرفتهم التعامل اللحم البقري.

ثم دعك عن الأكل وإيفاء الحاجة الغذائية ولنتذكر العادات التي تشكلت حول البحر وخيراته والتي تشكل مادة للروابط الاجتماعية. إن الفقدان السريع لهذه العادات يساهم في فقدان التوازن الاجتماعي ويصبح مصدراً للعنت وشعور الغربة في ذات المجتمع.  فإذا كان هكذا الأمر في مسألة النظام الغذائي التي تبدو بسيطة، فكيف بغيرها من الأمور.

والنقطة المراد التأكيد عليها هنا أن النظام الاجتماعي ليس قانوناً مكتوباً يحتكم إليه الناس وإنما هو تفاهم اجتماعي تتعارف عليه الناس عفواً وبشكل طبيعي.  بل إنه لنجد في كثير من الاحيان أن الحياة تمشي على وقْع عرفي يخالف القانون، والقانون يكاد لا يكون له معنى في غياب تلك المفسرات العرفية التي تجعل تطبيق القانون والتحكم اليه ممكناً .   وإنه لمعروف ومسلم به في علم المنظمات أن المؤسسات لا تسير وفق المخطط المثالي الموجود في سجلاتها بقدر ما تتحرك وفق التأقلم حول هذه الخطط.

وليس المقصود من هذا الكلام القول بأنه لا يمكن الاستفادة بما هو خارج الحيز الثقافي الخاص والتأقلم مع خبرات ومفاهيم جديدة ، وإنما المقصود الإشارة إلى  أن قضية الاستيراد المتعسف وبالجملة أمر لا ينشئ واقعاً  مشابهاً لواقع المصدر وإنما ينشئ واقعاً جديداً بالكلية يعتمد على طبيعة  تفاعل الماضي الموجود مع الطارئ المستورد.  أي أنها ليست قضية معادلة خطية:

واقع قديم ç استيراد ç واقع جديد مطابق لمواصفات البضاعة المستوردة ، ولكنها معادلة مركبة فيها كثير من المجاهيل ربما يمكن أن نتصورها على النحو التالي:

واقع قديم ç استيراد

رد فعل على المستورد

تفاعل مع المستورد

تعارض المستورد مع عناصر موجودة

سوء فهم لآثار المستورد

تأويلات متباينة للمستورد

تأقلم متفائل أو على مضض

 

وأخيراً فإن قضية الاستيراد ، و استيراد الديمقراطية بالذات، أمر ليس جديداً على البلاد العربية.  ففي هذه البلاد مجالس نيابية وانتخابات لا تسمن ولا تغني من جوع بسبب أنها استوردت استيراداً ولم تنمُ طبيعياً في تربة الأرض.  والذي حصل أن هذه المجتمعات تاهت في عملية معالجة تناقضات واقعها الداخلي مستعملة الوسائل المستوردة ، فمشاكل الفقر والتفرقة والتفاوت الاجتماعي مشاكل عضوية تتطلب حلولاً مُوطّنة يستجيب لها الواقع الاجتماعي من خلال فعالياته اليومية الطبيعية الكثيفة.  فكان أن قام المستورد بحجب قنوات العلاج الطبيعية –بل وحطمها بالكلية في بعض البلدان- وأعاد تشكيل الأزمات الاجتماعية وفق معطيات واقع جديد مضطرب.  وبعبارة أكثر تحديداً، إن الذي أشكل في عملية استيراد أنظمة الحكم بعد الانهيار العثماني هو غياب العقد الاجتماعي القادر على إقناع الناس بعدالة ومشروعية الآلية الجديدة وعدم استجابة هذه الآليات للواقع المعاش. وهكذا تحولت الآليات الجديدة إلى  آليات تمرير التناقضات الشاخصة التي تنتظر الحل وإغلاق الباب عليها وتركها أمراضاً تزداد تعفناً بعدما لم تستطع الآليات الحديثة التعامل الحواري معها.

مقولات توافق الاسلام أو تعارضه مع الديمقراطية

يغمر ساحة الخطاب الشعبي توجهان اثنان حول علاقة الاسلام بالديمقراطية ، واحد يرى توافقاً بينهما وآخر يرى في تلك الدعوة خلطاً فكرياً.

فالذي يرى توافق الإسلام مع الديمقراطية يشير إلى آيات القرآن الكريم وأن مبدأ الشورى مبدأ راسخ في الحياة الاسلامية.  ويستشهد هؤلاء بميثاق المدينة والدرجة الديمقراطية  العالية التي تمتع بها، حيث لم يكتفِ الميثاق بتحديد المبادئ الإسلامية في العدل وإنما وضعها على شكل مقنن ونمط دستوري.  ورغم أن الرسول (ص) كان ما زال حياً فإنه لم يعتمد على الوحي في إدارة شؤون المدنية  كما لم يعتمد على مجرد موقعه كنبيّ مرسل ، وإنما وضع أسساً إجرائيةً لادارة المجتمع . وتزداد أهمية هذه الملاحظة في أنه جرى تبـني هذا النموذج في أخطر مراحل تشكل الوجود المسلم.  ورغم وجود مجتمعات غير مسلمة مثل اليهود والنصارى ، فإن الميثاق أصرّ على تساوي الناس في الحقوق والواجبات المدنية بالاضافة إلى  تقرير الحرية الدينية.

وهناك مقولات متعددة ضمن هذا التيار (تيار توافق الإسلام مع الديمقراطية) تتفاوت في درجة تماهيها الفلسفي النظري مع ليبرالية الآلية الديمقراطية:

1.   فهناك الذي يصوغ المسألة ضمن منطق "لا يُعارض"؛ أي أن الإسلام لا يعارض الديمقراطية معتبراً الديمقراطية أمراً مدنياً بحتاً.  وتؤكد هذه المقولة أنه بدون استعمال الوسائل الديمقراطية فإن المسلمين سوف يعجزون عن إصلاح واقعهم.

2.   وهناك من يطرح صياغة تطورية تجادل أن الإسلام قادر على التطور والتأقلم مع الديمقراطية لأن مفهوم الاجتماع البشري قد تغير، وكان أن عجز الإسلامُ عن تحقيق بعض الأمور في تاريخه ولكنه يمكنه اليوم تحقيقها بعد الثورة الصناعية واكتشاف الديمقراطية.  وتؤكد هذه المقولة أنه بدون التأقلم مع المفاهيم الديمقراطية وتدجينها فإن المسلمين سوف يتابعون مسيرة التخلف.

3.   وهناك الطرح الذي يرى أنه لا بدّ للإسلام أن يتحدّث ويقبل عناصر جديدة ضمن جسمه ويرفض بعض العناصر الأخرى ويغّير من تركيبته التصورية ويحصر نفسه في الحيز الديني، فهناك إشكالية نرجسية في ذات الإسلام (وفي كل الأديان) ولا بدّ له من التسليم بمفاهيم الحداثة من الحرية والمساواة والحق الفردي.  وتؤكد هذه المقولة أنه بدون التغيير على هذا المستوى فإن الإسلام سوف يبقى عقبة في وجه الحضارة الحديثة.

 

أما التوجه الثاني فإنه يرى أن إطلاق مصطلح الديمقراطية يُمثّل اختلاطاً ذهنياً ورضوخاً نفسياً.  ولكنه يؤكّد أن رفضه ليس رفضاً لأصل فكرة المساواة والحرية -فإنه قد دعى إليها الإسلام في أعمق صورها- وإنما رفضاً لعنوانها وخصوصية مضمونها ولكونها رمزاً لمشروع غربي لا يستحي من رفع هذا الشعار من جهة وممارسة كل التصرفات غير الديمقراطية من جهة أخرى.  هذا من الناحية السياسية، أما من الناحية الاجتماعية فإنه –تحت غطاء الديمقراطية- لم ينقطع سيل المؤلفات والمقالات الذي تُبشّر بالنموذج الغربي للحياة الاجتماعية والتحقير من كل ممارسة للمسلمين، سواء كانت منحدرة من الإسلام نفسه أو من العادات التي تختلف فيها الأقوام وتتفاوت.  أي أنه ترى هذه الوجهة أن في تخوّل الموعظة بالديمقراطية ِكبْر وتعالٍ ثقافي، فمجتمعات الدول الديمقراطية لم تستطع حلّ مشاكلها الاجتماعية، فكيف تُبشّر بما لم تنجح فيه أصلاً ؟

وترى هذه الوجهة أن معالجة مفهوم الديمقراطية تتسم بالتسطيح الفكري.  وبالذات فإن إشكال الديمقراطية لا يكمن في آلياتها من تصويت أو اقتراع، وانما في أساسها النظري الذي يطرد المفاهيم الخلقية والدينية من حيّز الحياة.  أي أنه هناك معنيين للديمقراطية، معنى الآليات والإجراءات السياسية ومعنى الفلسفة الاجتماعية الحياتية التي يُعبّر عنها بقولة "الديمقراطية الليبرالية".  فإشكال الديمقراطية هو ضمن المفهوم الثاني، أما الاول فخاضع للظروف ويمكن الاستفادة منه والاستعانة به.

كما ترفض هذه الوجهة أصل مبدأ المقارنة بين الاسلام والديمقراطية ، الأمر الشائع في كثير من الأدبيات حتى العلمية والفكرية منها.  وذلك أن محاولة المقارنة تحوي بحد ذاتها على مغالطة لأنها تحاول مقارنة دين شامل برؤية سياسية.  وكذلك ترى هذه الوجهة أن استعمال كلمة الشورى ومساواتها بالديمقراطية أو إطلاق مصطلح الشورقراطية مُشكل أيضاً، وذلك لأنه إذا ساوينا الشورى بالديمقراطية فإن ذلك يحدّ من رحابة معنى الشورى ويحصرها في تجربة الآلية الديمقراطية الغربية التي تصدأت كثير من أجزائها؛ والأهم من ذلك أن هذه المماهاة تحرم من تفعيل منظور الإسلام الخاص في تنظيم الحياة ولا سيما أن  الديمقراطية الغربية أسقطت إلى حدٍّ كبير البعد الخلقي وهمّشته لصالح إجرائيات صلدة.  ولكن تنبّه هذه الوجهة بنفس الوقت أن الإدعاء بأن هناك تنافٍ جذري بين الشورى والآليات الديمقراطية يظلم الشورى لأنها تتسع لأي ممارسة رأت فيها حكمة في إيصال الحقوق المشروعة وتمكين الناس منها.

*       *       *

وبعد ، يبدو أن استعمال مصطلح الديمقراطية تحيط به هالات وغبش يحول دون الوصول إلى تفاهم ، فهناك من يستعمله ويقصد به المستوى الاجرائي ، وهناك من يريد منه طرفيه العملي والفلسفي ؛  وهناك من يقصره على الوجه السياسي وهناك من يعمّمه على الحياة بأسرها ؛ وهناك من يستعمله بإيمان كامل وهناك من يستعمله كضرورة.  والذي يستعمله كضرورة يهدف تفادي أمرين: تفادي غلبة طرح قلة إسلامية ليس لها أي رؤية سياسية إسلامية وتَصِمُ كلّ تجربة عملية أو آلية اقتراب من تطبيق الروح الاسلامية بأنها بدعة؛ و تفادي ارتكاس غير الإسلاميين الذين يرون أن في إصرار الإسلاميين على مصطلح الشورى إشارة على أنهم غير جادّين في  قضية احترام الحقوق.

ومهما يكن الأمر ، وبغض النظر عن المصطلح الذي يميل الفرد إلى استعماله (فالمعاني أهم من المباني) فإنه يرى هذا المقال أن الكلام في عناصر الديمقراطية -مع استحضار السياقات التاريخية والظرفية المعاصرة- أمر أجدى وأنفع من البقاء في مساحة العمومية والضبابية والشعاراتية.

 


 

تقارير
في نقد تقريري التنمية الإنسانية العربية

أ. منير شفيق

 

مع صدور تقرير " التنمية الإنسانية العربية لعام 2002" أخذتُ عليه الملحوظات التالية:

أولاً - إغفاله للدور الذي  لعبته القوى الخارجية في إعاقة التنمية فـي البلدان العربية باعتبار أن المشكل كله داخلي نابع من الفشل العربي . هذا الدور الخارجي يشمل  مشروع إقامة دولة غريبة عن الوسط المحيط في فلسطين وما ترتّب عنه من استراتيجيات دولية تستهدف إضعاف العرب والمسلمين إلى حد يسمح بتمكين هذا المشروع من السيطرة عليهم لاحقاً .  فكيف يمكن إغفال دور الاستعمار المباشر ثم السياسات الدوليـة والتدخل في الشؤون الداخلية في مرحلة الحرب الباردة وصولاً إلى إملاءات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.  وبكلمة ، كيف يمكن إغفال دور النظام العالمي الجائر المتحكم بمصائر شعوب العالم الثالث ودوله ؟

ثانياً – إغفال خطورة التجزئة العربية وقيام دول قطرية متنافرة متصارعة تشلً بعضهـا بعضاً في إعاقة التعاون العربي وتشكيل السوق المشتركة والتكافل العـربي  الاقتصادي . هذا فضلاً عن تداعيات التجزئة ودولها القطرية مما جعل برامـج التنمية ذات طابع قطري بحثت. فكيف يمكن أن تحصر المعوقات الداخلية العربية بثلاثة معوقات : نقص الحرية ونقص المعرفة ونقص تمكين المرأة ، وعدم ملاحظة خطـورة  معوق التجزئة وما يتولد عنه من فرقة وتشتت ،  وتسهيـل للهيمنة الخارجية ، وذلك عند قراءة الواقع العربي .

ثالثاً – أخذت على التقرير سلسلة من المآخذ  المنهجية إلى حدٍّ يصلح أن يكون مثلاً يقدم لدارسي المنهج في الجامعات على الأخطاء في البحث والتحليل  والاستنساخ وإصدار الأحكام، فعلى سبيل المثال ، لم يترك التقرير فصلاً من فصولـه إلا واعترف فيه بنقص المعلومات وضعف البيانات وندرة الإحصاءات وعدم إمكان القيام بدراسات جادة أو إصدار أحكام نتيجة ذلك. لكنه في الآن نفسه وبعد بضعة أسطر من تلك الاستدراكات والاعتذارات ، تراه يخرج بأحكام قاطعـة مانعة مستندة إلى ما اعتبره معلومات وبيانات ناقصة وضعيفة وغير دقيقة ولا يركـن إليها.

*       *       *

حاول التقرير الثاني: " التنمية  الاقتصادية العربية لعام 2003: نحو إقامة مجتمع المعرفة" أن يتلافى نواقص التقرير الأول ، فأعطى في عدد من فقراته أهمية للتحديات الخارجية ولإشكالية الفرقة والشرذمـة العربيتين (التجزئة) وتشدّد فـي نقد الاحتلالين الأمريكي والإسرائيلي والعولمة وحقوق الملكية الفردية ، وذلك يتناقض مع التقرير الأول الذي أغفل العوامل الخارجية والتجزئة العربية كمعوقين رئيسيين للتنمية العربية، والذي كان  قد امتدح العولمة وحقوق الملكية الفكرية ، ولـم يتعرض لنقد النظام العالمي القائم الذي  وصفه بالجائر في التقرير الثاني واعتبره خدمة الأقوياء ضد الضعفاء.

لكنه مع كل ذلك حافظ على استمرارية وثيقة مع التقرير الأول ، معتبراً أن تدارك النواقص التي يعاني منها العرب ، أي النواقص الثلاثة المذكورة ، وبصورة حصرية ،  هي  الحل لكل مشاكلهم ، مما يجعل ما حاول تلافيه من نواقص في التقرير الأول مجرد حواشي لا تدخل في متن البحث لتعيد صوغ بنيته الأساسية. 

من هنا استحق التقريران أن يردّ عليهما بكتاب تفصيلي نسبياً ليناقشا من زاويتين:  الخلل في موضوعيتهما الأساسية في قراءة الواقع العربي والمعوقات التي تواجهه ؛ والخلل المنهجي الفاضح في تقديمه لموضوعاته إلى حد يسقط عنه العلمية والموضوعية ، كما سنرى مثلاً في مقارنته للناتج المحلي الإجمالي العربي بنظيره الإسباني. وهنا يمكن تقديم مثلين من كتاب " نقد تقريري التنمية الإنسانية العربية" (من تأليف الكاتب، وهو قيد الطباعة).

أولا:  بين الدول العربية وإسبانيا

الكل يتذكر تلك الأرقام أو المعلومات أو المقالات التي أطلقها تقرير "التنمية الإنسانية العربية لعام 2002  والتي تلقتها أجهزة الإعلام الغربية والعربية بكثير من الإبراز ،  وكذلك عدد من الساسة  وكبار القوم ، ومن بينهم الرئيس الأمريكي جورج  دبليو بوش  أثناء حملته على الوضع العربي ، كما استخدمها أسامة بن لادن نفسه ، وهو يدعو  للضرب في الداخل العربي. والمقصود بذلك تلك الأرقام المتعلقة بالناتج الإجمالي المحلي لبلد واحـد أوربي هـو إسبانيا ، باعتبار أنه يزيد  عن الناتج المحلي الإجمالي لمجموع دول الجامعة العربية.

لكن لو قبلنا ، جدلاً ، منهج هذه المقارنات ، ومدى تعبيره عـن الحقيقـة الواقعية ، وهو  الذي يحوم حوله كثير من النقد والطعن ، لوجدنا ما أجـراه التقرير من مقارنة ، وما  اعتمده من أرقام ، يبعدان عن الدقة قطعاً ،  أو على الأقل ،  لتهاوت الضجة التي افتعلها حول هذه المسألة، فتلقاها بشماتة كل المغرضين ، وبأسى كل المثقفين،  فغدت حجة في التشهير والتحريض، وقد استمرت هذه الضجة مع أنها لا تقوم على حقائق أو أرقام صحيحة، فضلا عن الخلل المنهجي في التعاطي مع الرقم المجرد ، وإصدار الحكم القاطع من خلاله، وبلا تحقيق وتأييد أو تشخصي وقراءة معمقة للحالتين الاسبانية والعربية . والدليل على ذلك تكذيب التقرير لنفسه وتناقضه في تناوله للأرقام والاستنتاج منها ، وتقديم أرقام مقابلة ، لها مرجعيتها.

والآن ، كيف طرح "تقرير 2002 " الموضوع وروّج له؟   جاء في صفحته رقم 81 مايلي : " بلغ الناتج المحلي الإجمالي لكل البلدان العربية عام 1999 ما مقداره 531.2 بليون دولار أمريكي، أي ما يشكل أقل من دخل دولة أوربية واحدة كإسبانيا  والمقدر ناتجها الإجمالي بحوالي 595.5 بليون دولار أمريكي " والكل يذكر الضجة التي صاحبت هذه الأرقام .  فقد استخدم الرئيس الأمريكي جورج بوش عبارات منقولة حرفياً تقريباً من التقرير ، من ذلك مثلا "الناتج المحلي الإجمالي لكل البلدان العربية مجتمعة ، أقل من ناتج  دولة أوربية واحـدة كإسبانيـا" ، وهذه الفقرة  منقولة أو مقتبسة من التقرير علـى يسار الصفحة رقم 81 وبالبنط الأزرق العريض .

أما التقرير الثاني نفسه ، ومن دون أي تطرف له عين ، فقدم لنا أرقاماً مغايرة للفترة نفسها ( أواخر القرن العشرين ) ، حيث جاء في صفحته رقم 125 : " فمجمل الناتج  الاقتصادي العربي في نهاية القرن العشرين 604 مليـار دولار يتعدي بالكاد دولة أوربية واحدة مثل إسبانيا 559 مليـار دولار ، ولا يصـل إلى ناتج أخرى  مثل إيطاليـا : 1074 مليـار دولار" ( الأمـم المتحدة بالإنجليزية ، 2002 ).  وقد وضع مرجعاً في هذه المرة ، واضطر إلى إدخال إيطاليـا كمـا يبدو .  وهذا يعني حسب التقرير الثاني زيادة 45 بليون دولار لمصلحة الناتج الإجمالي العربي .

على أنه لم يلحظ أنه قدم أرقاماً مغايرة واستخدم عبارة "يتعدى بالكاد " عندما كان الرقم العربي يزيد بـ 45 مليار عن الإسباني ، فيما كانت عبارته في التقرير الأول :" أقل "  وليس "يتعدى بالكاد "  عندما كان الرقم الإسباني زائداً عن الرقم العربي . ومع ذلك لم يشعر بحاجة إلى تفسير التناقض بين أرقامه وأحكامه ، وحاول أن يبقي الجوهر واحداً ، أو لعله لم يلحظ هذا الاختلاف بسبب "دقته المتناهية" ( انقلاب الشيء إلى ضده ) .

أما الدليل الآخر فيأتي من "التقرير الاقتصادي العربي الموحد"  وهـو يخطئ الرقمين  أيضا،  ويكشف أن الراعي الثاني للتقريرين وهو "الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي  والاجتماعي "  كان للأسف بلا دور ،  على الأقل فيما يتعلق بأرقام الناتج المحلي الإجمالي  العربي .  فقد جاء في التقرير آنف الذكر كمـا نشرته " الحياة " في 26/1/2003، أن إجمالي الناتج المحلي للدول العربية في عام 2001 (العام السابق لصدور التقرير الأول ، والسابق حوالي سنة ونصف قبل صدور التقرير الثاني) كان 702.2 مليار دولار أمريكي ،  وفي عام 2002 ، أصبح 716 مليار دولار أمريكي . فأين الرقم الإسباني الذي أعطـاه التقرير  الثاني : 559 بليون دولار أمريكي ، أو هل " بالكاد يتعداه " الرقم العربي الذي يزيد عليه ،  وهذا إذا حسبناه عام 2001 حوالي 157.7 بليـار دولار، واستخدمنا الرقم الإسباني الوارد  في التقرير الأول 595.5 مليار . أما إذا استخدمنا الرقم الإسباني 559 مليار دولار الوارد في التقرير الثاني فان الفارق يصبح مهولاً أكثر في مصلحة الناتج العربي . ومع ذلك  عندما وجد فارقـاً ملحوظاً ليس بسيطاً في مصلحة الناتج العربي في التقرير الثاني ،  وصفه "بالكاد يتعدى" علماً أن نمو الناتج العربي لعام 2001 كان سالباً بالنسبة إلى العام الذي سبقه .

ولكي نخفف عن أرقام التقرير قليلا ، وتوخياً للحقيقة ، فبناء على نشرة البنك الدولي عن الناتج الإجمالي الدولي  تموز/يوليو 2003 (بيانات مؤشرات التنمية في العالم) لعام 2002 ، بلغ الناتج الإسباني 649.792 بليون دولار أمريكي ، أي يبقى أقل من 662 بليون عن الناتج العربي ، وفقا لرقم "التقرير الاقتصادي العربي الموحد".

والأسوأ أن التقرير الثاني في مكان آخر ، قال: " حيث لا يتعدى مجمل الناتج العربي نظيره في دولة أوربية واحـدة متوسطـة الحجـم مثـل هولنـدا وأسبانيا ( ص 171)، ومرجعه هو شخصه ، إذ قال : "كما بين تقرير التنمية الإنسانية العربية الأول "  (يا لها من دقة زادت الطين بلة).  والأنكى أن مؤلفيه ومراجعيه لم يلحظوا تناقضاً مع صفحة 135  واستخدموا "لا يتعدى" بمعنيين على واقعة واحدة. ولم يعبئوا عندما حشروا هولنـدا  أيضاً حيث إن ناتجها الإجمالي كما جاء في تقرير البنك الدولي لعام 2002 هـو 413.741 بليون دولار أمريكي وما هذا الفارق القليل 302.259 بليون دولار أمريكي في مصلحة أولئك العرب الذين ليسوا بحاجة إلى أن يزيف بالأرقـام ضدهم ، إذ عندهم ما يكفيهم من الضربات على رؤوسهم ، ومن الحقائـق التي هـي في غير مصلحتهم .

والتقرير وكل مه معه من معجبين أو مستغلين لم يلحظوا أن إسبانيا ليست مجرد  بلد أوربي متوسط الحجم ، فهي رقم 9 بين دول العالم كافة في الناتج المحلي الإجمالي ( راجع تقرير البنك الدولي آنف الذكر، والذي لا يغطي كل الدول العربية ولا يعاملها كمجموعة) . وهذا الناتج الإسباني  يزيد فعلاً عن ناتج الهند 515.12 بليون ، وعن روسيا 246.52 بليون ، وعن البرازيل 410.59 بليون دولار ، فمن يجرؤ  أن يثير عليها  ضجة مماثلة لتلك التي أثيرت ظلماً على العرب . وبالمناسبة، فوفقاً للتقرير الاقتصادي العربـي  المـوحد ، يوزع الناتـج العربي (716.6 بليون) على 165.3 للصناعات الاستخراجية و 551.3 للقطاعات غير الاستخراجية ، ومع ذلك دوخنا بنظرية "الاقتصاد الريعي العربي".

وهذا من دون التطرق إلى الخلل في منهج قياس النتاج الإجمالي لبلدان العالـم  الثالث بالدولار ، والخلل الناجم في حالة المقارنات مـع دول أوربية .  ومـن دون أن نحلل تاريخ تراكم الثروة الإسباني من النهب الاستعماري إلى النفوذ السياسي  والاقتصادي المستمر في أمريكا اللاتينية ، أو وجودها في الاتحاد الأوربي  وما تلقته من مساعدات ودعم ولم تزل ، وفي المقابل تحليل ظروف الواقع العربي خلال التاريخ المعاصر ، وما  تعرض له من نهب ومن ضغوط خارجيـة وتهديـدات وحصار واحتلالات.

نقطة أخيرة لم ينتبه الذين أرادوا إثبات التخلف العربي بمقارنة مجمل الإنتاج المحلي العربي بنظيره الإسباني حيث يتبين أنه يفوق بفارق لا يمكن اعتباره ضئيلاً . وهذا يعني  أن مرتبة الإنتاج المحلي الإجمالي العربي ، ووفقا لقائمة" البنك الدولي " المشار إليها ، ومعه رقم الإنتاج المحلي الإجمالي العربي وفقا للتقرير الاقتصادي العربي الموحد ( قائمة البنك  الدولي ) لا تشمل كل الدول العربية . وهذا يؤدي إلى أن يصبح العرب رقم 8 في العالم دافعين كندا لتأخذ الرقم 9 بعدهم ، حيث ناتجها 715.792 بليون دولار . ولا يتفوق على العرب والحالة هذه غير إيطاليا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا واليابان والولايات المتحدة .  وبهذا كان بإمكانهم أن يكونوا ضمن "مجموعة الثمانية" لو أنهم موحَّدون . ومن هنا ، فهـذا الرقم العربي لا يعني شيئاً ماداموا متفرقين ، لكن اذا أردنا أن نتعامل مـع التقرير بمنطقـه سينطبق عليه المثل " حمل حجراً اثقل منه فوقع على قدميه فهشمها ".

علاقة التقرير ببياناته

ولنتأمل هذه المنهجية الفريدة " إن عدد البلدان العربية التي تتوافر عنهـا قياسات مقارنة لنوعية التحصيل التعليمي يقتصر على بلد واحد فـي  كل من الدراستين الدوليتين اللتين اعتمدنا عليهما ( بلد واحد في الحالتين ) . ونفترض هنـا أن متوسط الدرجة النسبية للبلدين ( لكل منهما طبعا ) في الدراستين ينطبق علـى جميع البلدان العربية في أواخر القرن العشرين ( ص 92). 

والتقرير يبني  هنا ، على افتراض ، أو فرضية ،  وهذا من حقه مبدئياً. لكن ليس من حقه أن يعتبر هذه الفرضية مسلمة دون العمل على إثباتها ، ويبني عليها ويستنتج ، ويستنتج بناء عليه ،  كما فعل .  ثم تراه يستدرك معتذرا " نؤكـد ، مرة أخرى ، أن المقارنة التي أجريناها والاستنتاج منها ضعيفة بسبب نـدرة البيانات عن مكوني المركـب  لكليهمـا ، خاصـة نوعيـة التحصيــل العلمي " ( ص 92-93) . هنا تأتي الفرادة المنهجية : المقارنـة ضعيفة ، والاستنتاج ضعيف ، ومع ذلك يصدر الحكم القاطع . وإذا ناقشت حيثياته ، استبقك بالقول : لاحاجة إلى إثبات ضعف القضية لأنني اعترفت بذلك.

أما في الشكل 4-7  الذي يتعلق بالمؤشر التركيبي لرأس المال المصرفي ،  فيدخل من زاوية أخرى : " غير أن النتيجة المتضمنة في الشكل تثير تساؤلات تشكك في المؤشرات المستعملة من ناحية ، وفي المؤشر التركيبي من ناحية أخـرى ، فمثلا الهند مثلا ولها قدرة نوويية وبرنامج فضاء وإمكانات تقانية مقدرة في أكثر من ناحية،  تحتل ذيل المؤشر التركيبي وتتقارب مع المؤشر ذاته بلدان عربية وبلدان مقارنة " ( ص94) . فيطالب  بإدخال مؤشرات أخرى اليه لتجنب " الفضيحة" بترول الهند إلى تلك المرتبة وارتفاع بعض الدول العربية عليها كالكويت مثلا . وهذه المؤشرات تحل المشكلة ، فماذا يقترح ؟ بضم مؤشر القدرة النوويـة ، وبرنامج فضاء ، وإمكانات تقانية  مقدرة ، فيعتدل الميزان فتبقى اسرائيل " طليعة " كما في الشكل المذكور ، وتهبط مكانة الدول العربية (  الممنوع عليها القدرة النووية وبرنامج فضاء وتقانات عالية ) وتعلو مكانة الهند والصين ، وقد تهبط كوريا الجنوبية من مرتبة طليعية حسب مؤشر الـذرة والفضاء ، وهو هنا فعـل ما فعله  مع مؤشرات التنمية لبشرية  التي كان البنك الدولي وهيئة الأمم تبنياها وخرج فيها الوضع العربي العام بموقع  متوسط ، فأضاف إليها ثلاثة مؤشرات جديدة : الحرية  والمعرفة وتمكين الامرأة،  واعتبرها مؤشرات التنمية الإنسانيـة لكي يهبط العرب إلى حضيض العالم .

ثم لديه معزوفة حول البيانات يكررها مرارا ، ولا يلحظ تناقضها مع استنتاجه وأحكامه . فمثلا ، في ص 54 ، في قياس نوعية التعليم العالي يشير إلى " الصعوبات الشديدة بسبب قلة البيانات " وفي صفحة 69 يتحدث عن صعوبة الحصول على معلومات " تكفي للتوصيف والتحليل الرصين " .  ومن يقرأ يجده فد اكتفى  ووصف وحلل برصانة وثقة عاليتين .  ولم يأخذ البيانات التي أمامه موقفا صارماً إلا  إذا كان الوضع العربي جيدا أو ليس بالسيئ.

هنا راح يناقش ويشتد قائلا: "ومن أسف أن قاعدة البيانات عن مـدى  أن قاعدة البيانات عن مدى تضاريس  الفقر وتوزيع الدخل والثروة بالغة الضعف فـي البلدان العربية ، وتكاد لا تتوافر بيانات جيدة عن توزيع الثروة على الإطلاق. وتتسم المعلومات عن توزيع الدخل ومدى الفقر وخصائصه بالضعف الشديد مما يقلل من وضوح صورة الفقر وتوزيع الدخل في  البلدان العربية " . ثم تراه يطعن بما "تشير إليه البيانات الدولية نتيجة لاعتبارات فنية . يضاف إلى ذلك قلة توافر  البيانات عن الفقر وتوزيع الدخل في البلدان العربية" . بل ويصـل إلى حد القول إن ما يتوافر من مسوح ميدانية يعاني " مـن عيوب تقلـل مـن مصداقيتها " ( ص 137) ، والسؤال هنا : لماذا لم يقل مثل هذا ، أو لم يصل إلى هذا الحد ، بالنسبة إلى البيانات الدولية التي اعتمدها ، ولم يعتمد أصلا علـى غيرها :  هذا استطلاع مهتز ولا يعتد به ، أجراه فريق التقرير ، ولنا معه وقفة .

على كل حال ، هذا يؤكد إشكالية مع البيانات والمعلومات التي استند إليها في تقريره بالرغم من اعترافه بضعفها وعدم دقتها ، وعدم إمكان الخروج بتحليل رصين بالاعتماد عليها ، وإذا ذهبنا إلى حد القول بأنها تعاني عيوبا " تقلل من مصداقيتها "  فان التقريرين يصبحان نموذجاً لدراسة الأخطاء المنهجية في أصول البحث والتحليل والاستنتاج وإصدار الأحكام. والأنكى أنه يستنتج منها بعـد ذلك كما لو كانت وافية  كافية ودقيقة . وفي ص 28 ، تجده بعد إقراره بنقص البيانات وتشوهها، يعتمد عليها بل  ويطرح أن بإمكانك الاعتماد على بيانات مغلوطة ومشوهة من أجل تحقيق  غرضك ( انظـر ص 28 ) . وفـي ص 51 يقول : " نشير بداية إلى مأزق قلة البيانات  الدقيقة التي تتيح  لنا الوصول إلى  نتائج محددة عن الوضع العربي " ومع ذلك فنتائجه جميعا جاءت محددة- بـل قاطعة مانعـة . وقد أبدى أحدهم ما اعتمد عليه من بيانات ومعلومات وصفها بالدقيقة ، من دون أن يلحظ اقتراحاته المتكررة بالمأزق الذي يعانيه بسبب قلة البيانات " الدقيقة ". 

هذا ، وفي تناوله لرأس المال المصرفي يقول أن المؤشرات المستخدمة في الدلالة عنه قاصرة" مفهوما وتعبيرا " إلى جانب " قلة البيانات " التي تفوق وتفاقم التصور المفهومي  للمؤشرات .. ( هكذا في ص: 93-95) .

ولولا الحرص على الاختصار لأمكن إيراد أمثلة أخرى كثيرة حول مستوى ما استخدم من بيانات ومعلومات بما لا يسمح باستخدامها إذا كان يريد أن يكون دقيقا من الناحية العلمية ، أو على الأقل أن يتحفظ في أحكامه  ويجعلها بمقـدار ما تتيحه المعلومات التي يمكن الاعتماد عليها ن وأن يتعامـل  معها بحـذر ، كمـا نبّه ، لكنه من دون أن يفعل .

ولإظهار فداحة هذه النقطة ،  تصور معي ماذا سيحدث لو ان شاهداً في المحكمة يعترف بأن الرؤية كانت ضعيفة جداً ، وأن الضباب كان يلف المشهد ، بما لايسمح الا برؤية أشباح ، ومع ذلك يشير إلى المتهم وثقول بثقة واطمئنان : هذا الذي رايته يخرج من البيت ( مكان الجريمة)  وبالطبع من دون أن يكلمه أو يقترب منه ، فماذا سيفعل به  القاضي .  هذه بالضبط قصة التقرير مع بياناته ومعلوماته .


تجربة تستحق التسجيل

 

في أعقاب الأحداث العالمية التي فرضت حضارة الإنسان الأوروبي و وجوده المادي و الثقافي على أصقاع العالم ، أدركت الأمة المسلمة الوهدة التي انحدرت إليها و أفاقت على الحقيقة المرة أنها لم تعد – كما أرادها القرآن – نموذجاً صالحاً للقدوة و الإشعاع لا في دنيا و لا في دين .

و كان الرد على التحدي متنوعاً متعدداً ساهم فيه رواد من المفكرين و العاملين ، و آتت جهودهم ثمارها صحوة تسري في جوانب العالم الإسلامي و تعيد إلى المسلمين ثقتهم بدينهم و حضارتهم و تدفع بهم إلى الموقع الذي يؤهلهم للعطاء و الريادة .

و إن من حق الوفاء و الإعتراف بالفضل لأهل الفضل أن نعتاد نشر الأخبار الطيبة لإنجازات التجارب الناجحة التي خاضها بعض الرواد في أطراف العالم الإسلامي و جوانبه ، و أن نبرز معالم تجاربهم و رؤيتها و انجازاتها ، علها تكون دليلاً و مرشداً و مشجعاً للثبات و الدأب في وقت أكثر ما نسمع فيه يدعو للملل و اليأس و التثبيط .

في طرف ناءٍ في أقصى شمال شبه القارة الهندية ، و في منطقة منعزلة بين بلاد البنغال و نيبال تسكن أكثرية مسلمة منقطعة عن العالم و ما يجري فيه ، و تعاني من أمراض الجهل و الأمية و ترزح تحت ضغوط أعراف و تقاليد تشد إلى الماضي و تؤكد العجز .

في هذا الجو نشأ الدكتور سيد حسن في الثلاثينات من القرن الماضي و صاغت حياته الأوضاع المأساوية التي يعاني منها قومه تحت وطأة الظلم و الإستعمار البريطاني ، و لكنه كان يرى ضوء الأمل من خلال جهود و أفكار و شخصيات الإصلاح التي كانت تترددفي أطراف البلاد ، و كانت هذه الجهود مصدر إلهام و خاصة عندما أتيح له في الجامعة متابعة المناقشات بين الماهاتما غاندي و جواهر لال نهرو و محمد علي جناح و غيرهم من قادة الفكر و العمل السياسي في الهند الذين كانوا يصوغون بمناقشاتهم مستقبل شبه القارة الهندية .

و قد كانت فترة الدراسة الجامعية فرصة لصقل مواهب و شخصية الفتى الطموح الذي يعيش أزمة بلاده ، و فرصة لإكتساب الخبرات و المهارات الإدارية و التنظيمية للعمل على مع شرائح مختلفة من الناس بيسر و سهولة . و قد أعطاه منصب رئيس الطلبة فرصة الإتصال الشخصي بماهاتما غاندي مرتين و مسؤولية الإشراف على إيواء مائتي ألف لاجئ من ضحايا الصراع الطائفي .

عايش سيد حسن حسن فترات الصراع الدموي و الثورات و تأثر بالآلام و الدمار الذي يلف العالم ، و كان دائماً يرى شعاع من أمل بإلهام من حركة الإستقلال السلمية و جهود بناء الشعب الهندي و مؤسساته و غير ذلك من الأفكار و التطلعات الإصلاحية التقدمية ، و أحس أن التعليم يشكّل مفتاح الحل لكثير من التحديات التي تواجهها الأمة و الإنسانية بشكل عام . و لم يكن غريباً أن يختار سيد حسن التعليم كاختصاص لتحقيق تطلعاته و أحلامه .

تخرج من الجامعة و عمل مدرساً فيها و ظهرت مواهبه و توجهاته في مساعدة الآخرين و رعاية إخوته و إعالة والديه . و كان ينظم أثناء العطل مناسبات و نشاطات  متنوعة منها حملة تنظيف شوارع و أزقة القرية حيث يشترك الفقراء و الأغنياء من الشبان في الحملة التي كانت تحدياً جريئاً للنظام الطبقي الذي يلف المجتمع الهندي . و نظم الكثير من الإستعراضات التي فتحها لكل الناس من جميع الطبقات و الخلفيات العرقية و الدينية .

و في عام 1955 قدم سيد حسن إلى الولايات المتحدة بمنحة من جامعة بنسلفانيا ثم انتقل منها إلى جامعة إيلينوي . و خلال عشر سنوات من الإقامة في الولايات المتحدة بقي في إطار التعليم كطالب و أستاذ ، و نال درجة الدكتوراة في التعليم . و ساعد الكثيرين على تحصيل درجات عليا من التحصيل . و كان دائم التفكير بالفروق الشاسعة بين قومه في الهند و المجتمع الأمريكي في مجالات التعليم و الإقتصاد و الأمور الإجتماعية . و عاش في أمريكا حياةً متواضعة بسيطة ، فلم يشتر سيارة أو بيتاً أو أي ثياب فاخرة .

لقد عملت سنوات إقامة الدكتور سيد حسن في أمريكا عل صقل تجربته و رسالته التعليمية . و كان شديد الإعجاب بالعناصر الأساسية للتعليم الناجح مثل التأكيد على الإبداع و الأصالة و التفكير النقدي و الأمانة العلمية و خاصة طبيعة العلاقة بين الطلاب و الهيئة التدريسية و الإدارية في الجامعة .

و قد حظي الدكتور سيد حسن على فرصة الإطلاع على تجربة توسيع و تطوير جامعة (USI) على يد نخبة من الأساتذة و العلماء .  و في عام 1962 أصبح الدكتور سيد حسن أستاذاً مساعداً لعلم النفس في جامعة (فورست بيرج) و حاز على جائزة أحسن مدرس لتميزه بطريقته الخاصة التي تعتمد على الإبداع و مشاركة التلاميذ و المرح و البساطة . و استفاد الدكتور سيد حسن من إقامته في أمريكا و ألهمت امكانياتها و أنظمتها خياله و حلمه لمساعدة الآخرين من خلال البنية الإجتماعية المدنية و إمكانياتها التنظيمية ، و تأثر بماكانت أمريكا تواجهه أيام كفاح الحقوق المدنية للمواطنين السود . و كانت الحركات الإصلاحية الآخذة في النمو تستأثر باهتمامه و تمد آفاق  الخبرات الإنسانية الغنية .

و في عام 1965 غادر الدكتور سيد حسن أمريكا عائداً إلى الهند و تالاكاً وراءه كل الفرص المتاحة في الولايات المتحدة . و قد استغرب مستقبلوه في الهند أنه لم يصطحب أجهزة راديو أو تلفزيون أو غيرها من المنتجات الأمريكية ، بل كان كل ما معه أربعة صناديق من الكتب .

تلقى الدكتور سيد كثيراً من العروض من الجامعات الهندية ، ولكنه بدأ العمل لبناء حلمه الذي راوده منذ وقت بعيد . و سارع لبناء مؤسسته التعليمية في أشد مناطق الهند فقراً و تخلفاً . و قَـبِـل التحدي للبدء برسالته و مهمته في منطقة ليس فيها أي أرضية أو خلفية تعليمية سابقة .

بدأ الدكتور حسن جولاته في القرى و المناطق النائية سيراً على الأقدام و بدأ حملة للتوعية و بيان أهمية التعليم في تحسين الأوضاع الإجتماعية.  و كثيراً ما كان يرسل زوجته مع زوجات أصدقائه لنشر الوعي بين النساء بأهمية التعليم . و كانت الحصيلة المبكرة لهذه الجهود المضنية بطيئة جداً ترافقها نظرات التشكيك و الإرتياب . استمر الدكتور سيد في العمل على نشر رؤيته و رسالته و ساعد الكثير من المدارس القائمة و الكليات المحلية و درَّس في بعض هذه المدارس . و كان الناس يعجبون بتواضعه عندما يرونه يتحدث للبسطاء من العمال و يساعدهم و يشجع طلابه على الوقوف معه لبناء مدرستهم بأيديهم.

كان الدكتور سيد حسن يتصور الحل لمشكلة الجمود الإقتصادي و الإجتماعي كامناً في الإلتزام طويل الأمد بالجهود التعليمية . و أنشأ لهذا الغرض مؤسسة " رسالة التعليم " و جعل هدفها تعليم الناس في أمور تدور حول تطوير حياتهم ، و تدريبهم على خبرات و مهارات  عملية لها صلة بالحياة  و ليس تخريج حملة شهادات . و آتت جهوده بعض ثمراتها في إنشاء " مدرسة الإنسان " و برنامج الإنسان لتعليم الكبار "  و قد تطور برنامج تعليم الكبار ليضم الئات من المراكز .

و كان حلم الدكتور سيد حسن هو إنشاء جامعة نموذجية يخدمها عدد من المراكز التابعة ، تعمل كوسيلة لتوصيل رسالته التعليمية إلى أرجاء الأرض . و قد أطلق على المؤسسة اسم " الإنسان " إيماناً بأن المؤسسات التعليمية يجب أن تخدم الإنسان و تعمل على تشكيل الأرضية المشتركة للنهوض بالبشر و إيجاد حلول عملية بنّاءة للتحديات الإجتماعية و الحاجات الحيوية و الأمراض ، و بناء التفاهم و التعايش السلمي بين البشر من كل مناحي الحياة حيث يصبح العالم أكثر أمناً و أكثر متعة للجميع .

و لم تقتصر رسالة التعليم على مؤسسة " الإنسان " بل امتدت إسهامات الدكتور سيد و مساعدته للعديد من القضايا التعليمية و الخدمات و مجالس التعليم و برامج تعليم الكبار و المعاهد الخاصة بتعليم لغة  الأوردو وذلك على المستوى المحلي و الوطني . و بذلك حصل الدكتور سيد حسن على جائزة نهرو للتعليم و ترشح للحصول على جائزة نوبل في التعليم .

و عبر سنين طويلة ألهمت مساهمات الدكتور سيد حياة العديد من الطلاب الذين علمهم و وجههم و دربهم في المعاهد و المدارس العامة ومدارس " الإنسان "  الخاصة . و نظراً لخبرته في في علم النفس فقد أضاف إلى مساهماته مساعدة العديد من المضطربين عقلياً للعودة بهم إلى الحياة الطبيعية .

امتلك الدكتور سيد حساً عميقاً من التعاطف مع الفقراء و المساكين ، فكان يمتنع من حضور الحفلات الباذخة للزواج و الميلاد و لكنه كان في الوقت نفسه حريصاً على حضور دعوات و حفلات الفقراء و يطلب منهم الدعاء . وكان يخدم المرضى و يتعهدهم و يرضى بالكفاف و لا يحتفظ لنفسه إلا بقدر الحاجة من اللباس و الطعام .

كان الدكتور سيد حسن قوي النفس متحملاً للمصاعب مثابراً على أداء رسالته رغم الصعاب . لقد أحرقت مباني المؤسسة التي بناها أربع مرات . و كان يقول في كل مرة لتلاميذه : سنستمر في الدراسة و التعليم  و لو فوق الأنقاض و الدمار .

كانت المؤسسة التي يرعاها الدكتور سيد حسن تشكل مناخ إصلاح اجتماعي حضاري يؤكد المعاني الإنسانية من المساواة و التعايش السلمي والإهتمام بالمرأة  و تعليمها و إعدادها للمشاركة في الحياة .

و بمثل هذه الروح و الرؤية و الثبات بنى الدكتور سيد تياراً ثقافياً و مؤسسة تعليمية آتت أكلها أجيالاً من المتعلمين يعدون بالآلاف الذين خرجوا إلى الحياة بروح عملية و مهارات استثمرت في النهوض بأحوال أسرهم و مجتمعهم و يشكلون مساهمة إنسانية و تجربة تصلح للنظر و العبرة و الإقتداء .

لقد امتدت آثار  جهود هذه المؤسسة التعليمية المباركة إلى مسافات و منطق بعيدة ، فعلى بعد مئات من الأميال من مركز المؤسسة فإنه من الصعب أن يمر المرء على أي قرية أو محلة في تلك المنطقة من العالم و لا يجد صاحب أي مهنة أو حرفة أو مسؤولية رسمية أو مشاركة فعالة في فعاليات المجتمع المدني لم يتأثر بالمؤسسة التعليمية للدكتور سيد حسن أو لم يكن يوماً من طلابها أو المشاركين في برامجها و نشاطاتها .

*** لمزيد من العلومات عن مؤسسة – الإنسان – التعليمية يمكن الإتصال على نسيج الشبكة العالمية: www.insanschool.org


إلى أن نـلــتـقي

 

تحلقت مجموعة من طلاب العلم في زاوية المسجد لقراءة كتاب في فقه المعاملات ، و وصل بهم الدرس إلى باب المواريث . و في هذا الباب تطرق البحث إلى الأسباب التي تمنع الإنسان من وراثة من مات من أقاربه .

و قرر الشيخ عبارة الكتاب و كان يشرح و يفصّل و يضرب الأمثلة و هو يقرر القاعدة القائلة بأن من موانع الإرث القتل و اختلاف الدين.  أجهد الشيخ نفسه و هو يشرح هذه القاعدة و يبين أن من سقط حقه في الإرث لمانع لا يؤثر وجوده على الأقارب الآخرين الذين لا يرثون لوجوده مع انتفاء المانع. فالابن القاتل مثلاً لا يمنع الميراث إخوة القتيل الذين لا يرثون أخاهم مع وجود الابن في الحالة العادية .

و بعد الشرح الطويل سأل الشيخ طلابه: هل فهمتم ؟ فأجابه أحد الحضور وكأنه يريد أن يتخلص مما شعر به من ملل بدعابة لطيفة قائلاً: نعم ياسيدي أنت تعني أن نحسب أن الكافر لم يخلقه الله .

 أن نحسب أن شخصاً لم يخلقه الله ، هي عبارة تستعمل للإهانة و التجاهل عند المواجهة بين الخصوم للتحدي و الإستفزاز . و هي عبارة تصلح للدعابة عند رواية أحوال المتخاصمين من العوام و الطغام و لكنها تعتبر مأساة حقيقية عندما تصور نموذجاً لتفكيرٍ سائد بين من ينتسبون للدعوة أو الفكر و التغيير .

فما أكثر من يخلطون بين التقييم الأخلاقي بمقياس الحق و الباطل أو الصواب و الخطأ ، و بين التقييم الواقعي للأمور كما هي عليه لا كما نتمنى لها أن تكون .

إن تجاهل و إسقاط من لا نتفق معه من كل حساب و موازنة عند التحرك لمحاولة التأثير و التغيير يدل على جهل بسنن التغيير ، و يصبح هذا الجهل قاتلاً عندما يبرر بدعوى الإخلاص و النقاء الإعتقادي الذي لا يقيم وزناً للمخالفين ، أو عندما تسمى الدعوة إلى فهم الواقع و فهم القوى التي تعمل فيه هزيمة روحية تتطلب التوبة و الإنابة أو ضعفاً إيمانياً لايليق بالمخلصين .

إن قوي الإيمان هو الذي لا يرى قيمة لموازين الباطل و قيمه ، و لا ترهبه زخرفة الباطل و ضجيج دعايته . أما الذي لا يرى الكافر شيئاً حتى في وجوده و قوته التي يمتلكها و نفوذه الذي يتمتع به و لا يحسب له حساباً ، فليس هذا من قوة الإيمان في شيء بل هو إلى الكبر و بطر الحق أقرب .

إن هذا الخلط في التقييم هو الذي ندفع ثمنه كل مرة لجهلنا بالسنن فشلاً و خيبةً  و نحن نظن أننا نواجه الإبتلاء الذي لا بد منه للتمحيص .

قد يسوغ افتراض الكافر و كأنه غير موجود و ذلك في قضية إجرائية تتعلق بالحقوق و الواجبات ، أما أن نحسب أن تعميم ذلك الإفتراض هو من كمال الإيمان و تمام الإلتزام ، فهو موقف إن صلح للدعابة في مواطن المزاح و الترويح ، فلا يصلح بالتأكيد في مواطن التغيير و التصحيح .