د.
أبو زيد
المقرئ
الإدريسي
هناك
سؤال يتبادر
إلى الأذهان
عن علاقة العلم
الإلهي
المطلق
باللغة
البشرية
النسبية . فإذا
كانت اللغة هي
حصيلة تجارب
بشرية فكيف نفسر
القرآن
كلام الله
"المطلق"
باللغة
البشرية المحدودة
النسبية
القاصرة
؟
و
للإجابة عن
هذا السؤال
نقرر أولاً
أنه لا
يخفى أن
للتواصل
أنظمة وأنساق
وقواعد تحكم هذه الأنساق
.
مثل نظام
الكمبيوتر أو
نظام علم
المنطق أو نظام علم
الرياضيات،
حتى في اللعب
والمباريات .
فإذا اختار
المرء أن
يتواصل مع لاعب آخر
على رقعة
الشطرنج فقد
اختار أن يخضع
لمنظومة و قوانين
الشطرنج ، وليس
هناك أي معنى للقوانين
الضابطة خارج
منظومتها و نسقها .
و ينبغي
أن تكون قواعد
هذه المنظومات
محدودة
وقادرة على أن
تضبط أشكالاً غير
محددة من
النتائج
والمعاني
والتراكيب، ولكن
يكون
النسق محدود
ومتعارف عليه .
ولا ينشأ علم
بقواعد غير محدودة
اذ لا يمكن
بقواعد
لامحدودة أن نحصر
المعرفة ونناقشها
ونطورها
ونخضعها
للنقد
و التمحيص .
ولهذا فاللغة
رغم أنها
حصيلة تجارب بشرية
وأنها ظاهرة
اجتماعية
وطبيعية ولها
بعد طبيعي في
الأصوات و
مخارجها ولها
بعد فيزيائي
ولها الجانب
المعرفي
والجانب
الإبداعي،
لكن القواعد
التي تتحكم
بها ثابتة محدودة .
فعلم النحو هو الذي
يمثّل نظام و
نسق الإتصال
بين المتخاطبين
عبر الألفاظ و
قواعد
تركيبها
للوصول إلى
المعاني.
ومنطق
التفاضل بين
نظريات
النحو
هو منطق التفاضل
في تحقيق
الشروط
المعرفية لهذا
العلم وهي شرط
الاختـزال
وشرط الأناقة وشرط
الانسجام
وشرط التماسك
. فالنحو الذي
يصف لنا لغة
معينة بألف
قاعدة ليس
جيداً ، والنحو
الذي يصف نفس
الظواهر
المعقدة
بمائتي
قاعدة أجود .
وكذلك النحو
الذي تألف من
مائة قاعدة
ولكن
العلاقات فيه تحكمية أقل
جودة من نحو
له مائة قاعدة
أكثر إحكاما .
وقد
اختار الله عز
وجل أن يتصل
بنا نحن البشر عن
طريق اللغة ، فأخضع
هذا الاختيار لقواعد و
أنساق اللغة
التي
تتعامل مع قدرة
البشر على
الاستيعاب و الفهم .
والإنسان
عنده قدرة
استيعابية
محدودة . والكون
لامتناهي من
الجزئيات
والأفراد والأجناس
. و لا
يستطيع الإنسان
استيعاب هذا و حصره و
إحصاءه .
ولهذا المعنى يشير
الله عز وجل
في الآية
الكريمة ﴿وما
تسقط من ورقة
إلا يعلمها﴾ و ﴿وإن
من شيء
في السماوات
والأرض...﴾. وعندما
يتحدث الله
تعالى عن
الجزئيات
اللامتناهية
وعن علمه
المتسع
لها يتحدى البشر
أنهم لا
يملكون هذه
الآلية
لاستيعاب الجزئيات
. ولكن هناك
آلية أخرى تمثلها
اللغة هي
آلية التجريد
والتعميم
والصورنة
والتقعيد و عبر هذه
الآلية يتمكن
الإنسان من
الفهم و الإتصال . فعندما أقـول
مثلا (
الإنسان )
اختصر على
الأقل ستة مليارات
من الأحياء
وأضعافهم من
الأموات
والقادمين
الذي لهم قواسم
مشتركة رغم أن
لهم ملامح
نفسية وجسمية
وجمالية
مختلفة . و عندما
أقول (
الحيوان )
اختصر عوالم كاملة من
أصناف و فصائل
و أنواع
.
فعجيب هذا
المخلوق الذي
استطاع أن يجمع
العالم
بين شفتيه . و لنتصور
أن الإنسان من
قبل كان يذهب
إلى شجرة
ويمسك بها
ويشير اليها
ويهمهم لصاحب
هذه الشجرة حتى يفهم
عنه ما يريد ، ولكن
كلمة شجرة
تعبر عن
ملايين
وملايين من الأجناس
والأنواع
والأفراد من
الشجر التي
تحمل شيئا
مشتركا وهو
أنها
نبات طويل له
ساق صلبة
وجذور وأوراق
وثمرة ، و ينتفع
بها للإظلال
وانتاج الخشب
والثمار
وامساك
التـربة من
الانجراف . . . هذه
الأشياء
مشتركة
ولكنها تعبر
عن الملايين
من الأجناس .
و
يكتسب
الإنسان
العلم عبر هذه
القوالب اللغوية المجمعة
بما
عندها من سعة
واستيعاب و
شمول . و هذا هو
الفرق بين
الإنسان و
الملائكة، فالملائكة
المكلّفون
بإحصاء
أعمالنا
وتدبير أمور
العالم في جزئياته
قد أعطوا
القدرة على
استيعاب
الجزئيات، أما
نحن
فلم نعط هذه
القدرة .
والله عز وجل الذي
أحاط بكل شيئ
ويجمع
القدرتين
معاً يحكي لنا
عنهما ويعبر
عنهما بالعلم
والحكمة
والحق
والصواب .
ولهذا عجز
الملائكة حيث
نجح آدم ﴿وعلم
آدم السماء
كلها﴾ لأن
الأسماء في
اللسانيات
لها مقابل في
المنطق، وهي
القدرة على
التجميع. فكل
اسم هو اسم
جنسي جامع
لأفراد
وملايين من الأفراد
من الحيوان
والنمل
والشجر
والآلات والصناعات؛
ونحن نجمع
صعوداً
أشكالاً
وأجناساً لا
تنحصر.
أما الملائكة
فهم عاجزون عن
التجميع ،
ولقد سئلوا عن
الاسم الجامع
فعجزوا رغم
أنهم مكلفون
بمتابعة
الكون وتدبيره
وتسجيل
الحسنات
والسيئات
ومباشرة
التواصل مع
الكون ، ومع
ذلك فهم لا
يستطيعون
التجميع ولكن
يعرفون كل
حاجة بعينها
وكل شخص بعينه .
ومن الملائكة
-ملك الموت- قادر
على استيعاب
كل الأحياء
وهو يتابعهم
ويقبض أرواح
من سقطت ورقته
من شجرة
الوجود،
ولكنه عاجز عن
أن يجمع كل
هذا.
فالتحدي كان
بالأسماء، ولذلك
أمر الله
الملائكة أن
يسجدوا لآدم بعد
أن ناقشوا أصل
وجوده وهو أمر
لا يعنيهم، و صاروا
قادرين على
السجود وهو
أمر يعنيهم فقد
تعلق بذاتهم
وكيانهم
وكرامتهم
فسجدوا حين
جاء الأمر
بالسجود
بعد التحدي
بالأسماء. لقد
نوقشوا في
الخلق ثم
اقتنعوا به: ﴿فلما
أنبأهم
بأسمائهم قال
ألم أقل لكم
أني أعلم غيب
السماوات
والأرض وأعلم
ما تبدون وما
كنتم تكتمون﴾
؛ ﴿وإذ قلنا
للملائكة
اسجدوا لآدم
فسجدوا﴾. ويشار
هنا أن الفاء
للترتيب
والفجأة ، فقد
صاروا في حالة
الاقتناع
فقبلوا فيما
يعنيهم من
السجود بينما ناقشوا من
قبل ما
لايعنيهم قبل
أن يتبينوا
قدرة آدم على
التجميع عبر الأسماء .
ويستطيع
الإنسان
التجميع و
التجريد حتى
غير الذوات،
من الأفكار
المجردة مثل
الحب و الخوف و
الإيمان و
التوحيد و
الفضيلة و
الأخلاق و
الفهم و
التحليل و
الفلسفة و
عالم الذرات
المادية
وعالم الذرات
المعنوية
المجردة
المعقدة. فيمكن
لكل الظواهر
الطبوغرافية مثلاً أن
تجمعها في
كتاب وتعطيها
عناوين و تعاريف
مجردة . فكل
كلمة في اللغة
سواء
كانت اسماً
أو فعلاً هي
تجميع
يعكس طبيعة
العقل في
استيعاب
العالم . إن
أجزاء العالم
لامتناهية
ولكن الإنسان
يستوعبها على
قوالب
محدودة، ولو لم
يكن للعلم
قواعد محدودة
لما أمكن
استيعابها.
واللغة
كذلك
هي حصيلة
تجارب بشرية
جمعت في قوالب
عامة وقواعد
كلية استوعبها
الإنسان من خلال
قدرته على
التجريد و
التجميع. والقرآن
الكريم ( كنص لغوي )
خاضع لقواعد
اللغة ،
ليس لأن كلام
الله تعالى
يخضع للعلم
البشري ، بل
لأن الله
تعالى اختار
أن يتواصل
معنا ضمن هذه
القواعد وإلا
لا يقوم علم . وفي
تفسير القرآن
الكريم كانت
المعركة و التحدي
الخطير بين الذين
يريدون إثبات
المعنى وضبطه
دون قتله أو
حصره وبين
الذين يريدون
تمـيـيع
المعنى
، كما انتهي
الأمر مع غلاة
الصوفية من
السنّة وغلاة
الشيعة
والباطنية ؛
فهؤلاء كانوا
خارج اللغة . أما
المنهج
القويم فقد
استمسك
بقواعد
التفسير
بالمأثور و هي
تفسير القرآن
بالقرآن ثم تفسير
القرآن بالسنة
ثم التفسير
باللغة و
قواعدها . ورغم
أن تفسير
القرآن
باللغة ياتي
في الترتيب
الثالث
على مستوى
الكيف ، لكن
على مستوى
الكم يمكن أن
نقول أن 99
بالمائة من
التفسير هو
تفسير باللغة. فكتاب
التفسير في
صحيح البخاري
لا يتجاوز سبعين
آية
، والقرآن
المفَسَر
بالقرآن أقل
من ذلك. والقرآن
الكريم حوالي
سبعة آلاف
آية، وكل ما فُسّر
بعد السبعين
آية التي
فسرتها
الأحاديث
فُسرت باللغة
. فاللغة رغم
أنها في
الترتيب هي
الأخيرة لكنها هي
التي
تستوعب المعاني
و تدل عليها .
و
مثلها في ذلك مثل
دور التجربة
البشرية في التشريع
،
فعندما نأتي لأصول
التشريع نجد
القرآن ،
فالسنة ،
فالإجماع ،
فالقياس ثم مذهب
الصحابة
و شرع
من قبلنا ثم
العرف .
فالعرف في
الترتيب هو العاشر
والأخير ولكن
العرف عمليا
هو 99
بالمائة لأنه
يجمع التجربة
البشرية التي
هي أوسع من كل
القواعد الشاملة
والجزئية
والقليلة
جداً.
ولهذا ينبغي
ألا يخدعنا
الترتيب عن
الاستيعاب
الكمي لحقيقة الدور الرائد
للتجربة
الإنسانية في
التشريع ولو
أن مدخله هو
قاعدة
أصولية
متأخرة لأن
القرآن الكريم
هو الأول ولكن
تشريعات
القرآن
محدودة ، والسنة
محدودة
والاجتهاد
العقلي
والفعلي للسلف
الصالح محدود
في هذه
القواعد،
وهنا يأتي
الدور البشري
المتجدد
اللامتناهي .
أي
أننا نجد في
مسألة فهم
القرآن أن
مدخل اللغة
أوسع رغم أنه
متأخر، فما
فُسِّر من
القرآن بالقرآن
محدود وما
فُسِّر من
القرآن
بالسنة محدود،
وما بقي يفسّر
باللغة؛ ورغم
أن هذا هو حصيلة
التجربة
البشرية لكن
مع ذلك لا
غنـى لنا عنه .
وهناك
تجربة حية في
المناظرة
الرائعة بين
ابن عباس في
مناظرته
للخوارج ، وهو
أول من فسّر
وأول لغوي.
فالخوارج جاؤوا
يناظرون عبد
الله بن عباس .
فقال مجدل بن
عويمر لنافع بن
الأزرق قم بنا
إلى هذا
القاعد في صحن
بيت الله
الحرام يدعي
أنه يفسر كلام
الله بكلام
الصعاليك . فقضية
اللغة بالنسبة إلى
الخوارج إرث
جاهلي ينبغي
تجاوزه . فقام
إليه
فكانت
المناظرة
الرائعة التي
حفظها المسلمون
وأفردها
الإمام
السيوطي في " الإتقان " في باب
خاص ولها
ملاحق خاصة . وكانا
يسألانه عن
الغريب من القرآن
الكريم
فيشرحها لهما
بالبيت
والبيتين
والمثل
والمثلين حتى
أشبع الرجلان
وعجزا . وقيل
في الرواية
أنها كانت
مائتي مسألة.
و لم
يكن ذلك صدفة
أن يكون أول
مفسّر هو أول
لغوي. وكتب
تاريخ النحو
العربي قليلة
، أحسنها موسوعة
الدكتور محمد
خير
الحلواني -رحمه الله
تعالى.
ويغطي
المجلد الأول
تاريخ النحو
العربي في
فترة ما قبل
سيبويه -والناس
لا يعرفون هذه
المرحلة إذ
يظنون أن
النحو بدأ
بسيبويه-
والفصل الأول من
الموسوعة
يذكر مدرسة
ابن عباس
وتلامذته . ولم
يكن عند
المسلمين
مستعصم ضد
التفسير الباطني
إلا التفسير
اللغوي ، لأن
التفسير
اللغوي
يحتكم إلى
قواعد مشتركة
بين
المتخاطبين و إلا
يصير الأمر لا ضابط له و
لا معنى .
فالمسلمون
احتكموا إلى
القواعد اللغوية والباطنيون
حاولوا
مصادرة
القرآن و نسفه
من الداخل .
فمثلاً قال
بعض الصوفيون
الذين تبنوا
المدخل
الباطني
للتفسير في قوله
تعالى ﴿إخلع
نعليك إنك
بالواد
المقدس طوى﴾ بأن
النعلين هما
السنة
والكتاب،
فلا سبيل إلى
الوصول إلى
الحكمة التي
هي الوادي
المقدس إلا
بخلع الكتاب
والسنة لأنهما
يحجبان عن
الحقيقة
العميقة
والتي تختلف
عن الحقيقة
السطحية ،
حقيقة
الفقهاء. وهناك
من الجهلة من
قال في قوله
تعالى
﴿إن
الله يأمركم
أن تذبحوا
بقرة﴾ أن البقرة
هي عائشة.
فهناك تصفية
حساب وعملية
شخصية ساقطة لحسابات
لاعلاقة لها
بالنص ولا
سياقات النص . فكانوا
هم أنفسهم
ونحن معهم
ضحايا لهذا
التخريج
الباطني الذي
يلغي النص
وينسفه من
الداخل
باستبعاد
اللغة.
ومن ذلك ما
قاله
محمد حسن
الصباح زعيم
الباطنية الغلاة
سفّاكي
الدماء الذين
خرجوا على
إجماع
المسلمين
وحاربوا
الدولة بحق
وباطل -وكانت
الدولة مخطئة
ولكن خرجوا
عليها بباطل
أكبر -
فكان يقول
لهم: لعبد
مؤمن ( أنا ) خير
من مشرك (
الخليفة
العباسي ) ؛
وعلى هذه الطريقة
يصبح القرآن
الكريم
ألفاظاً ليس
لها معنى ولا
أنساق ، و لا
قواعد ، بل
يصبح خانات
فارغة يملؤها
كل واحد بأمراضه
وعقده
وحساباته
السياسية
الضيقة التي
تموت بموته . ولكن
المسلمين لم
يعالجو هذا
الموقف
بالشتم
والسبّ والخصام
والقتال بل
حسموه بالعلم
واللغة . فقوله
تعالى ﴿إن
الله يأمركم أن
تذبحوا بقرة﴾ تفسره
اللغة ومصدر
اللغة المعجم
، والبقرة
حيوان معروف
له صفات كذا
وكذا ... والنعلين
هما الحذاء
الذي عرفته
الحضارة
البشرية من
قرون قبل موسى
عليه السلام،
فخلع النعلين
هو بُعد
اجتماعي
أخلاقي
المتعلق
بتقديس بقعة . وما
زال الناس يخلعون
نعالهم في
الأماكن التي
يحترمونها في
كثير من
الثقافات
والحضارات .
والقاعدة
العامة أنه ما
لم يصبح النص
غير مُتحمّل
على ظاهره،
فلا يجوز
الانحراف إلى
التأويل
. أي عندما
نصطدم مع
المعنى
الحرفي ويصبح
مستحيلا في
قوانين العقل
والواقع أن
يقبل فعندئذ
نؤول.
ولهذا
أُوِّل
الحديث أن
المسجد
لينخنس من المخاطة
كما ينخنس أحدكم
من الوباء "،
فقيل إن
الانخناس هو
معنى مجازي
فلم يُر قط
مسجداً تنكمش
أضلاعه بل
جدرانه واقفة
ثابتة حسب
قوانين
الفيزياء . فما
دام عندنا
مندوحة عن
الخروج إلى
التأويل لا نؤول
ولا نخرج إلى
المجاز بل
نأخذ بالمعنى
الحقيقي الذي
تثبته اللغة . ولهذا
رفض أهل السنة
أن يؤولوا
الآيات
المتعلقة
بالصفات لأنه
ليس هناك مرجعية
تصدّق أو
تكذب،
فأثبتوا
الصفة لله كما
أراد دون كيف،
وهو منهج
التفويض
والذي أنكره
بعض متشددة
السلفية . و منهج
التفويض هو
نتيجة طبيعية
لمنهج إثبات
الصفة على
الوجه الذي
يرضي الله
تعالى، فالاستواء
معلوم والكيف
مجهول -والكيف
هو المرجعية
المفقودة في
قضايا الغيب فليس
هناك مشكلة
اصطدام مع
الواقع _
فنثبت الصفة ولا نتوقف
عند الكيف ،
لكن المعاني
المجردة تبقى
كمعاني. وفي
غير ذلك يُضيع
المسلم طاقته
العقلية خارج
المجال
الطبيعي
يناقش قضايا
خاوية لا ينبني
عليها عمل و
لا تساهم في
تزكية النفس .
إن
الاحتكام إلى
اللغة
البشرية ضمن
القوانين
المتعارف
عليها بإرادة
الله عز وجل
هو حماية للنص
من التأويل
الناسف
لمعناه ولوظيفته
وهي رسالة
الابلاغ
والبيان
، فالقضية
مركَّبة
وهي متعلقة
بقرار الله عز
وجل
وليس
لاختيار أحد غيره
، ولو اختار
الله عز وجل
أن يتواصل
معنا بنسق آخر
لكنا
مطالَبين أن
نحتكم إلى
قوانين ذلك
النسق.
ومن
طبيعة اللغة
الغموض و
الرمزية والاستعارية
و
القصور الذي
يعود إلى
محدودية
العقل البشري
أساساً و خاصة
عند الحديث عن
أمور الغيب
التي لا يملك
البشر إمكانية
الإحاطة
بصورها و
معانيها
النهائية . والقرآن
الكريم يشير
إلى هذه
الطبيعة في
اللغة
البشرية
عندما تحدث عن
الآيات
المتشابهات . أما
حين تحدّث عن
الأحكام
العملية الصريحة
المتعلقة
بالفعل
البشري
اليومي القائم
عليه مناط
التكليف فهذه
أمور واضحة
ومحسومة
مرجعها ثوابت
العقيدة
العامة
والاعتقاد
النظري
وثوابت
الأخلاق في
المعاملات
العامة
وثوابت
العبادات،
وكلها مأتاها
من النص المتفق
عليه. إن مجال
العقل
المسلم للإبداع
في
هذه القضايا هو
التأمل عن
حكمة الصلاة
وأبعادها
التربوية والإيمانية
و
التفكر في
مجالات
التزكية و أثر
الأحكام في جعل
الحياة طيبة و
رفع الفساد و
تحقيق المصالح
و أمثال ذلك ، و لكن
مناط التكليف
واحد و هذا هو مجال
الإحكام في
البيان . أما مجال
الإلتباس و
التشابه فهو
مجال
الابتلاء،
فالله عز وجل
عندما اختار
آن يتواصل معنا باللغة
، واللغة ذات
طبيعة ملتبسة
غامضة وذات
طبيعة رمزية استعارية
في معظمها .
فكثير من
الجُمَـل
نجدها
استعارية و لا يمكن
فهمها بطريقة حرفية.
فمثلاً في
قولنا بنى
الملكُ المسجدَ
الفلاني
إسناد مجازي،
أي أمر
البنائين أن
يبنوه ؛ أو
ترقّى فلان في
وظيفته ، فهو
لم ينتقل من
الطابق
الرابع إلى
العاشر بل هي
حركة معنوية ؛
أو قولنا فلان
قريب مني ،
فالقرب
المعنوي يعني
قريب من قلبي
رغم أنه يسكن
على بعد ألف
ميل
فالعلاقة
العاطفية
تعكس علاقة
فضائية .
ولا
نستطيع
أن نفك
الارتباط بين
اللغة
والمجاز،
فاللغة ذات
طبيعة استعارية
مجازية .
ولكــن العقائد
و التشريع لهـمـا
أساس صلب في (
المحكمات :
هنّ أم الكتاب
) . و وراء ذلك مجالات
للتأويل و
محاولات
للفهم وهنا
يدخل
الابتلاء
وهنا يواجه
القلب والعقل
المنـزلق ﴿فأما
الذين في
قلوبهم زيـغ
فيتبعون ما
تشابه منه
ابتغاء
الفتنة
وابتغاء تأويله﴾
فاتباع ما
تشابه ليس
أمراً
مرفوضاً ولكن
ينبغي أن تنضبط
نتائج النظر و
التأويل و
التفسير بما عليه
العمل من محكمات
الكتاب .
و
الإبتلاء
بالمتشابه
يقع في أمور
الغيب التي لا
بد للإنسان من
الإعتراف
بقصوره عن
إدراك
معانيها
النهائية في
هذه الحياة
الدنيا . فأمور
الغيب من
ملائكة و
أهوال
القيامة و
نعيم الجنة و
عذاب جهنم و
غير ذلك من
الصفات
الإلهية لا
يمكن الإحاطة
بها من إنسان
أسير نسق
الزمان و
المكان . و مع
ذلك فالله
سبحانه و
تعالى و صف لنا
من أمور الغيب
أشياء كثيرة
بلغة نفهمها و
تتجاوب مع
خبرات و تجارب
حسية نألفها
لاستنفار
الخيال و كل
مكونات النفس
للتفاعل مع
موضوعات
الإيمان و
الانضباط
بمقتضيات الإيمان
إلى أقصى حدود
الإمكان مع
التنبيه إلى
أن هذا الوصف
هو رمز
للتقريب. و
هذه الرمزية و
الإستعارية
في اللغة
المستعملة
لبيان قضايا
من الغيب هي
التي تقع
الإشارة
إليها في مثل قوله
تعالى ﴿فلا
تعلم نفس ما
أخفي لهم من
قرة أعين
جزاءً بما
كانوا يعملون﴾
أو قول النبي
الكريم صلى
الله عليه و
سلم عن الجنة:
"فيها ما لا
عين رأت ، و لا أذن سمعت
، و لا خطر على
قلب بشر".
فإذا
تأمل الإنسان
في القرآن فإن
شرط ذلك أن لا
يؤثر على
الأحكام العملية
المعروفة . فآيات
الأحكام في
القرآن
الكريم هي
مائتي آية تقريباً
وهي بالتوسع أقل من
خمسة بالمائة
وهي مناط
التكليف وهي
مدار الاعتقاد
والأخلاق
والعبادة
والمعاملة
وهي مجال
النجاح و الفلاح
وعلى أساسها
يكون الحساب
والميـزان
والجنـة
والنار . فتعميق النظر بالبحث
عن حكمة التكليف
وسننه و
مساقاته
ومناطاته
جائز. أما
الأصل في
الفعل المادي
و الواجبات العملية
التي تقوم بها
الحضارات
فهذا لا يتغير
وهو ثابت
ومقرر.