يصدر
هذا العدد من الرشاد
و المسلمون في
أرجاء الأرض
تلفهم أزمة
الإستضعاف
الطاحنة ، و
هم في هذه
الأزمة لا
يرون سبباً
لما يؤلمهم و
يؤرقهم إلا
قهراً
داخلياً كبّل
الامكانيات
المبدعة
وأضعف الهمم
واستكباراً
عالمياً عاد
إلى منطق
القهر و
الإحتلال.
و
في هذا الجو
الذي لا نسمع
فيه إلا صراخ
المشاعر من
غضب و خيبة
أمل و إحباط ، يحتاج
المرء إلى
الكثير من
الصبر و
الأناة و سعة
الصدر ، فكلمة
الحق عندما لا
تتسلح بهذه
الآليات تفقد
قدرتها على
التأثير و
تفقد مع ذلك
القدرة على
تأصيل نقد
ذاتي واعٍ
لمشكلات
الحاضر و للمهمة
الحضارية
التي تنتظر
المسلم و ما
يترتب عليها
من إعداد و
بصيرة و علم .
إن
من أصعب
الأشياء و
أشدها وقعاً
على النفس أن
يقع الناس في
تشبث مذعور
بالمألوف و
موروثات حالة
الضعف فلا
يفرقون فيه
بين الغث و
السمين
فيفسرون كل
دعوة لنقد
الذات و
المراجعة و التبصر
بأنها
تخاذلاً يدرج
تحت محاولات
طمس معالم الهوية
و تدمير
خصوصيات
الثقافة و
الإنتماء .
و
هناك في الطرف
الآخر من طيف
ردود الفعل
للإستضعاف من
وقع في شَـرَك
التعميم
الظالم الذي تروجه
مراكز
الاعلام،
فالمسلمون في
هذا النظر – و
بتأثير طبيعة
الإسلام كما
يزعمون – يألفون
الاستبداد و
لم يعرف
تاريخهم إلا
هذا اللون من
العلاقة
بالسلطة. و من هنا
يأخذ معنى نقد
الذات اجترار
ما يدمر الثقة
بالنفس و ترديد
لمقارنات لا
تأخذ بعين
الإعتبار إلا
اللحظة
الراهنة بين
متغلب متمكن
ومغلوب مستضعف
لا يملك من
أمر نفسه
شيئاً ، و
يغيب في هذه
الصورة
القاتمة
الشعور بأن
المسلم لا بد
أن يكون حامل
رسالة و صاحب
مهمة حضارية
خالدة.
و
في هذا الجو
الذي يدع
الحليم حيران
تظل الكلمة هي
بداية المخرج
الذي يعيد
الأمور إلى
نصابها
بعيداً عن
مبالغات
المشاعر و
ضغوط الواقع و
ضجيج الدعاية
.
لقد
أرشدنا
القرآن
الكريم إلى
منهج التعامل
مع حالات
الضعف والتي
مثلتها في
سيرة النبي
لحظة أُحُد.
ففي آيات سورة
آل عمران معين
لا ينضب من
الحكمة و
البصيرة لا بد
من الرجوع
إليه و تحريره
من خصوصيات
الزمان والمكان
لنكون قادرين
على استلهامه
و فهمه و التواصل
معه في كل حين .
تمضي
آيات سورة آل
عمران في جولة
من التوجيهات
تقرر بعدها
المنطلق
السليم للنظر
في كل أزمة و
ذلك في قوله تعالى
((قل هو من عند
أنفسكم)).
فالبداية بنقد
الذات و
التعرف على
عللها و معرفة
الثغرات التي
نفذ منها
الضعف يمثل
البداية
الصحيحة لكل
توجه للإصلاح
و التغيير. كما
تدعو الآيات
إلى التمحيص
في المستورد
الذي جاء به
الذين ((لا
يألونكم
خبالاً)) لا
يقصرون في
إشاعة ما يثير
الاضطراب و
الحيرة و
التخبط ، و
الذين ((ودّوا
ما
عنِـتُّـم))
دائبون على
دفع الأمة إلى
كل ما يوقع في
الضيق والعسر
والحرج
والعنت . فالوعي
بالمسؤولية
عن التغيير
ابتداءً بما
في النفس،
تبدأ رحلة
الوعي و
التغيير و
التمكين في
الأرض.
ولقد
تحدث
الكثيرون عن
تغيير ما
بالنفس كبداية
للإصلاح ، و
لكن هذا
الحديث
كثيراً ما
أصابه
التبسيط و
الإختزال
فكان مساهماً
في ترسيخ العطالة
و البعد عن
الفاعلية .
فعندما يصبح
تغيير ما
بالنفس تأكيداً
على ترديد طرح
نظري و صياغات
لفظية لقضايا اعتقادية
بصيغتها
التاريخية،
أو عندما يصبح
معنى التغيير
محصوراً في
أخلاقيات
السلوك و
التزكية
القلبية ،
تتأكد الحاجة
إلى رسم إطار
للتغيير شامل
و مستوعب لكل
نشاطات
الحياة.
و
عند الرجوع
إلى الآيات
التي نزلت في
معالجة
الواقع
المتردي بعد
حادثة أُحُـد
نجد أن أول ما
يذكرنا به
القرآن
الكريم في هذا
السياق هو
النظر إلى
الأحداث
بمنظار السنن
المستقرة الثابتة.
فليس
الإستضعاف
قدر مخصوص نزل
بدون مقدمات و
ليست حالة
الإستضعاف
ظاهرة متفردة لا
سابقة لها، و
إنما هي سنة
لها مقدمات و
شروط. و
التاريخ مليء
بأخبار
مجتمعات و حضارات
و أمم أصابها
الهبوط و
الضعف نتيجة
لا تتخلف جزاء
إهمال سنن
التمكين و
الغفلة عن عوامل
الإنهيار: ((قد
خلت من قبلكم
سنن فسيروا في
الأرض
فانظروا كيف
كان عاقبة
المكذبين)).
و
بعد النظر إلى
الواقع
بمنظار
السننية الصارمة
، لا بد عند
النظر إلى
النفس من
اعتبار مخزون القيم
و ما يحمله
الإيمان من
قدرة على
تزكية و ترقية
الكون لتنقذه
مما هو فيه من
الطغيان. و لا
بد عند ذلك من
فك الإرتباط
بين واقع
المؤمن
المبتلى
بالاستضعاف و
بين معرفته
بقيمته في نفسه
و قيمة ما
يحمله من
مبادئ و مثل
تُسعد الدنيا
و تُصلح الكون
، فلا تهتز
ثقته بنفسه و
مبادئه و قيمه
فهي الملجأ و
الملاذ من
الإستضعاف ،
فالوهن حالة
طارئة تعالج
بسنن التمكين
و الجدية في
اكتشافها و
التزام مقتضياتها
، أما
الهوان فإنه
يحرم من القدرة
على الفعل
الإيجابي.
و
بعد التأمل في
ما يحمله
الإيمان من
كمون انقاذ من
وهدة
الإستضعاف يرشدنا
القرآن
الكريم إلى
أنه لابد من
وضع الأمور في
سياقها
التاريخي و
الوعي لسنة
التداول . فلم
يكن
الإستضعاف
يوماً ضربة
لازب لمجتمع و
حضارة و أمة
عبر التاريخ و
إنما هو
التداول بين
الثقافات و
الأمم و
الحضارات ، و
يمكّن الله من
أخذ من فهم
سنن التداول و
التمكين بنصيب ((و
تـلـك
الأيـام
نـداولـها
بين الناس)).
و
بعد هذا النظر
السنني الذي
يفتح البصر
على حقيقة ما
يجري في عالم
الشهادة ،
ترشدنا آيات القرآن
الكريم إلى
ضرورة فتح
البصائر على
طرف من عالم
الغيب ليعلم
المؤمن كيف
ينأى بنفسه عن
موارد الهلاك
و الإستخذاء
عندما يشكل
الواقع
المادي سوراً
خانقاً يحصر
الحقيقة كلها
في لحظة القرح
و موقف
المعاناة .
فالدنيا
مجبولة على
الابتلاء
الذي يستفز
الطاقة و يثير
كوامن الصدق و
الثبات،
ويشهد لفاعلي
الخير عملهم
الذي يفضي بهم
إلى الكرامة و
ليكونوا من
المصطفين
المقربين. و
يظل الوعد
الإلهي بأن
((...الزبد يذهب
جفاء وما ينفع
الناس يمكث في
الأرض))
حافزاً للهمم
و ضابطاً
للمشاعر و مستنفراً
لطاقات الفكر
و النظر .
و
في هذا الإطار
يأخذ معنى
التغيير لما
بالنفس بعداً
معرفياً
واسعاً يبدأ بالتوجه
السنني لفهم
الماضي و
التخطيط
للمستقبل ،
فليس للصدفة
مجال في تفسير
الأحداث أو
الإستعداد
لمواجهتها ، و
ذلك في جميع
المجالات و
على صعيد
الفرد و المجتمع
و الأمة . إن
فهم سنة
الإبتلاء و
سنة التداول و
النظر إلى
عالم الغيب
بتوازن و انسجام
مع عالم
الشهادة ، و
استحضار
الواجب الذي
أنيط بالمسلم
للشهادة على
العالمين يمثل
أفقاً من
الفهم لطبيعة
التغيير
المنشود لا
ترقى إليه
محاولات
التبسيط و
الإختزال، و يضع
المسلم أمام
مهمات و
تحديات لا بد
من مواجهتها
بعزم و ثبات
على مستوى
البيان أولاً
ثم التنزيل و
التحقيق،
لتتم شروط
قيام الحياة
الطيبة التي
يأخذ فيها
المسلم دوره
في التزكية و نشر
الرحمة
للعالمين.
وفي
هذا العدد
تتابع الرشاد
رسالتها في
بيان شمول
التغيير
المطلوب وما يتطلبه
التغيير من
بدايات صحيحة
في الفكر ينبني
عليها توجهات
راشدة في
العمل ، هذه
البدايات
التي تبين
العلاقة مع
النص و الواقع
و التراث و
عطاء
الثقافات
الأخرى بما
يضمن الوسطية
في النظر و
السلوك ، و
العالمية في
التوجه و
الإهتمام ، و
المعقولية في
النظر إلى الوسائل.
و
نأمل أن تكون
مشاركة
الإخوة
الكتـّاب في
هذا العدد قد
غطت بعض
الجوانب من
الرؤية
السننية
الشاملة ما
يفتح من
امكانيات الحوار
و التوصل و
العطاء و
الفهم لتأصيل
تيار الوعي و
البدء برحلة
استحقاق
التمكين بإذن
الله. و الله
المستعان.