من الأرشيف

على هامش أحد المؤتمرات الإسلامية إلتقيت بأخ كريم قدّم نفسه كمؤسس لجمعية إصلاحية في بلده و قدم إلي نسخة من برنامج الإصلاح الذي تتبناه الجمعية.  رجاني أن أطلع و أعلق عليه و أبدي فيه الرأي و أقترح ما يدعو إليه واجب النصيحة، فكانت هذه الرسالة:

السلام عليكم و رحمة الله و بعد،
لقد كان من دواعي السرور مبادرتكم الطيبة بطلب إبداء الرأي و التعليق على برنامجكم – المنهج للحياة – فهذا يدل على توجه مبارك للإنفتاح و طلب النصيحة ، و يؤكد مصداقية ما تدعون إليه من الشورى في الأمر و الإبتعاد عن الفردية . و من ناحية أخرى فإن هذا الطلب يوحي بثقة نتشرف بها و نسأل الله تعالى أن يجعلنا أهلاً لها قياماً بواجب النصح و وفاءً لحقوق الأخوة في الله.

و إن المرء ليحس خلال الرحلة في صفحات – المنهج للحياة – روح التجديد و الشوق إلى الحياة في سعة الإسلام و الحنين إلى تنسم عبير الوحي و محاولة تجسيده في واقع يمسح عن الأمة شقاوة المناهج و المبادئ و عنت مواريث التخلف.  و أظن أن معظم ما جاء في المنهج هو مبادئ إسلامية عامة لا يتصور الخلاف على وجاهتها.  و قد يخالف المرء في تفصيلات الأنظمة المقترحة و كل ذلك أمور اجتهادية سيقضي على الخلاف فيها معطيات الواقع و قرائنه التي ترجح وجهاً دون وجه في إطار الشورى التي تقلب الآراء و تختار ما تراه مصلحة راجحة.  لذلك كله أرى أن من الخير أن نتجنب الخوض في التفاصيل و الجزئيات و الإقتصار في التعليق و الناصحة على العموميات و الكليات – و أهل مكة أدرى بشعابها – فالتفصيلات و جزئيات التطبيق لمقتضى الكليات و العموميات هو من شأن من يعيش الواقع بملابساته و قرائنه.

لقد كان واضحاً أن - المنهج للحياة – هو تصور و طرح فكري لنخبة مثقفة لها موقفها من الواقع بكل سلبياته.  و المنهج يرسم صورة مشرقة لما يجب أن تكون عليه الأمور ليعم الخير و العدل.  و أرى أن هذه النقطة تستحق الوقوف و النظر ، فالنخبة المثقفة من أبناء الأمة هم العدة للتغيير ، و لكن المشكلة أن حركات الإصلاح القائمة على عقلية النخبة تورطت في تجاهل الواقع و مؤسساته و حاولت أن تبدأ كل شيء من أسس جديدة و علاقات جديدة فكان ذلك مساعداً على سوء التفاهم الذي يستغله أصحاب الأغراض لعرقلة مسيرة الإصلاح . و قد كان مستغرباً أن أقرأ برنامجاً إصلاحياً ليس فيه إشارة إلى خصوصيات الواقع الذي يتعامل معه .

فأين هي المؤسسات التقليدية  في بلدكم الطيب؟  ما هو حجمها و تأثيرها و طبيعة القوى التي تمثلها ، و ما هو الامتداد الشعبي لهذه المؤسسات و كيف يمكن التعامل معها بحكمة تكثر الناصر و الصديق و تقلل المناهض المكاشح؟  ما هي كيفية التعامل مع الوجهاء والروابط التقليدية القائمة التي يعتمد عليها الناس في تسـيير معاشهم من جهة، ولكن التي غالباً ما تتمسك بالموروث البالي وتدعي لنفسها الإسلام من جهة أخرى؟  أين هي مؤسسة العلماء وكيف يمكن التعامل مع مستوياتهم المختلفة في تفهم الواقع المعاصر؟

وإني لأرى – و الله أعلم – أن طرح الحركات لبرنامجها من خلال عقلية النخبة التي تفترض الوصاية قد زرع إسفيناً ابتعد بالأمة عن قيادتها الفكرية فأسلمتها لعوّها بعد أن مسخت صورة الإصلاح إلى تنافس على السلطة و استبدال لواجهات الحكم و السيادة .

كان – المنهج للحياة – في إطاره العام خطاباً أو طرحاً يؤكد على الحقوق و المكاسب – على طريقة الحملات الإنتخابية – و أرى - و الله أعلم - أن هذا ينطوي على مخاطر و يشير إلى عقلية تمثل أحد أمراض الصحوة الإسلامية المباركة.  إن التأكيد على المكاسب و الحقوق أمر لا يستقيم مع الإعتبار الواقعي العملي لأولويات التربية و التكوين العقلي و النفسي لأمة البناء و جيل العطاء المؤهل للنصر و التمكين.  فالأخذ بالإسلام بجدية كمنهج حياة يفرض من الضغوط و التضحيات ما لا يفرضه أي خيار آخر ، و دعوة الأمة لتكون على بينة من هذا تحقيقاً للكرامة في الدنيا و النجاة من الخزي في الآخرة أولى من دغدغة مشاعر الإطمئنان لوفرة لا نملك أسبابها و الوعد بضمانات لا تستطيعها أقوى الدول اقتصاداً و إنتاجاً و تمكناً .  إنه من المطلوب خطاب الأمة بلغة الواجبات و إنذارها بما يقع على عاتفها من مسؤولية تحقيق الكفاية ، و تحديد هذه الكفاية بما ينسجم مع هوية الأمة و عقيدتها و ثقافتها و حضارتها حتى لا تقع فريسة النموذج الإستهلاكي ... كل هذا يمثل التحدي الحقيقي لمصداقية أي برنامج للإصلاح و جديته في فهم الواقع و الأخذ بيده على طريق الكفاية .

كنت أتمنى أن أعثر على إشارة إلى وصف علمي لكبرى المشاكل والعقبات التي تواجه برنامج الإصلاح ووضع نوع من الأولوية في المعالجة.   كنت أتمنى أن أعثر على إشارة إلى نسبة الأمية في بلدكم الطيب – وأنا أعلم أنها مرتفعة – و كيف تجند الأمة لمحاربة هذا الواقع المؤلم بالإمكانيات المتوفرة عملياً.  كنت أتمنى أن أعثر على إشارات لإحصاءات و مقارنات تبين ماذا يستورد هذا البلد و أين يقع ما يستورده من كفايته في الأساسيات و الضروريات.

إن وضع برنامج للإصلاح و اقتراح عشرات المؤسسات و الوعد بالوفرة و الخير و العدل دون الإشارة إلى قصور الواقع و تخلفه عن تحقيق أوليات الإنطلاق للكفاية، و التركيز على أن أسباب التخلف تكمن حصراً في سلبيات الواقع الأخلاقي و أمانة القائمين على أجهزة الإدارة الحكومية. . . كل هذا يشير إلى فكرة غريبة انتشرت بين صفوف أبناء الصحوة في أنحاء العالم الإسلامي و مفادها أن الرجوع إلى الإسلام و رفع شعاره و تبنيه كهوية و منهج يحل المشكلات تلقائياً و يعفينا من الجهد اللازم للبناء و الصبر والمصابرة. . . . هيهات فلن تتبدل سنة الله بالأماني.   ولا يخفى وجوب الاطلاع على تجارب الشعوب التي حاولت النهوض و كيف واجهت المشكلات المترتبة على قلة الإمكانيات الإدارية و العلمية و انخفاض الأداء و الإنجاز و التي تقف عقبة في وجه أي برنامج طموح و تطلع مخلص.