ابن
المقفع
ابتلي
شاب بمجموعة من
رفاق السوء فلازمهم
فأغروه باللهو
و اللعب و زينوا
له شرب الخمر حتى
عاقرها و بالغ
في ذلك حتى وصل
إلى درجة الإدمان
.
ساءت
صحة الشاب و أفسد
عليه الشراب حياته
فترك عمله و توترت
علاقته بأهله و
أصبح عالة على
أسرته و كانت أمه
المسكينة لا تألو
جهداً بالنصح و
الإرشاد و الرعاية
و الإبتهال إلى
الله تعالى أن
يشفيه مما هو فيه
و يتوب عليه و يصلح
أحواله و يصرف
عنه شرّ رفقة الجهل
و بطانة السوء
.
و
طال الأمر و تمادى
الشاب في جهله
و غيه و ثقل الكرب
على الأم المسكينة
ففكرت أن تستعين
برجل من الصالحين
في القرية لعله
يستطيع أن يقنع
الشاب و يلتمس
له طريقة تبعده
عما هو فيه .
و
بعد جهد جهيد أقنعت
الأم ابنها أن
يصحبها إلى الرجل
الصالح فلعل الله
أن يفتح على يديه
سبيل التوبة و
الهداية .
استمع
الشيخ إلى قصة
المرأة المسكينة
مع ابنها المبتلى
و أصغى إلى حرقتها
و توسلها و لهفتها
ثم التفت إلى ابنها
الشاب و سأله : كم
تشرب من الخمر
في اليوم يا بني
؟
فأجاب
الشاب على استحياء
: كأس واحد يا سيدي
.
فقال
الشيخ : يا بني إجعل
شرابك كل يوم كأسين .
صعقت
الأم المسكينة
لما سمعت و صاحت
بالشيخ : ويلك ! كيف
تقول له هذا و قد
جئت مستجيرة بك
فما زدتني إلا
بلاءً و ما زدت
ابني إلا تعاسة
و شقاءً !
أجاب
الشيخ بثقة و اطمئنان
: يا بنتي إنها كاسات
معدودة فدعيه ينتهي
منها.
* * *
كم يزداد
بلاؤنا و تعسر
حياتنا و كم تخرج
أوضاعنا عن مقتضى
العقل و المنطق
عندما نختطف العبارات
و نستعملها في
غير موضعها و ننقلها
من مجالها و سياقها
التي قيلت فيه
إلى سياق آخر و
ظرف و مجال آخر
.
فما أجمل
أن يذكر الإنسان
نفسه بما كتب الله
له من رزق وكم يمد له في
العمر لا يتجاوزه
لحظة . و يمضي البشر
إلى لقاء ربهم
في أجلهم الذي
سبق في علم الله
. و تتقطع الآمال
و يقطع الموت ما
امتدَ من الغفلة
و الشرود عن الإستعداد
للقاء الله .
يذكر
المؤمنون أنفسهم
بهذه المعاني المرققة
للقلوب و يقولون
عندما يسمعون خبر انقضاء
أجلِ من توفاه
الله منهم : " كاسات
معدودة".
فإذا
خرجت هذه العبارة
من التعبير عن
التسليم و الرضا
بقضاء الله إلى
معنى الجبر و الهروب
من المسؤولية
. و إذا انتقلت من
معنى الخبر بما
سبق في علم الله
إلى معنى الأمر
. . . . فما أشد ما نقع
فيه من حرج و تخبط
و ضلال .
إن الكثير
من موارد الخلاف
و الإختلاف في
الرأي و التباين
في الإسترشاد بالنصوص
و الإستفادة من
تراث العلماء الأقدمين
يرجع إلى إهمال
اعتبار السياق
و طرح الواقع و
الغفلة عن ظروف
التنزيل و مواقع
النصوص و دورها
في تزكية الحياة
، و الغفلة عن الخلفيات
التاريخية و الإجتماعية
التي أحاطت بالعلماء
فيما كتبوا و نقلوا
و شرحوا عندما
حاولوا تنزيل ما
فهموه من النصوص
على وقائعهم و
حياتهم .
فإذا
رأيت مترنحاً ما
زاده علمه بالنصوص
و التراث إلا عنتاً
و حرجاً و عسراً
و ضنك عيش ، فاعلم
أنها كاساته المعدوده
يتجرعها من الجهل
بالواقع و القفز
فوق معاني الخطاب
في دلالتها و سياقاتها
و ظروفها، و ادع
الله له أن تنتهي
كاساته قبل أن
يكون فتنة للناس
عن دين الله و شريعة
الرحمة و العدل
و الحكمة.