إلى أن نلتقي

ابن المقفع

ابتلي شاب بمجموعة من رفاق السوء فلازمهم فأغروه باللهو و اللعب و زينوا له شرب الخمر حتى عاقرها و بالغ في ذلك حتى وصل إلى درجة الإدمان .

ساءت صحة الشاب و أفسد عليه الشراب حياته فترك عمله و توترت علاقته بأهله و أصبح عالة على أسرته و كانت أمه المسكينة لا تألو جهداً بالنصح و الإرشاد و الرعاية و الإبتهال إلى الله تعالى أن يشفيه مما هو فيه و يتوب عليه و يصلح أحواله و يصرف عنه شرّ رفقة الجهل و بطانة السوء .

و طال الأمر و تمادى الشاب في جهله و غيه و ثقل الكرب على الأم المسكينة ففكرت أن تستعين برجل من الصالحين في القرية لعله يستطيع أن يقنع الشاب و يلتمس له طريقة تبعده عما هو فيه .

و بعد جهد جهيد أقنعت الأم ابنها أن يصحبها إلى الرجل الصالح فلعل الله أن يفتح على يديه سبيل التوبة و الهداية .

استمع الشيخ إلى قصة المرأة المسكينة مع ابنها المبتلى و أصغى إلى حرقتها و توسلها و لهفتها ثم التفت إلى ابنها الشاب و سأله : كم تشرب من الخمر في اليوم يا بني ؟

فأجاب الشاب على استحياء : كأس واحد يا سيدي .

فقال الشيخ : يا بني إجعل شرابك كل يوم كأسين  .

صعقت الأم المسكينة لما سمعت و صاحت بالشيخ : ويلك ! كيف تقول له هذا و قد جئت مستجيرة بك فما زدتني إلا بلاءً و ما زدت ابني إلا تعاسة و شقاءً !

أجاب الشيخ بثقة و اطمئنان : يا بنتي إنها كاسات معدودة فدعيه ينتهي منها.

*                      *                      *

كم يزداد بلاؤنا و تعسر حياتنا و كم تخرج أوضاعنا عن مقتضى العقل و المنطق عندما نختطف العبارات و نستعملها في غير موضعها و ننقلها من مجالها و سياقها التي قيلت فيه إلى سياق آخر و ظرف و مجال آخر .

فما أجمل أن يذكر الإنسان نفسه بما كتب الله له من رزق وكم  يمد له في العمر لا يتجاوزه لحظة . و يمضي البشر إلى لقاء ربهم في أجلهم الذي سبق في علم الله . و تتقطع الآمال و يقطع الموت ما امتدَ من الغفلة و الشرود عن الإستعداد للقاء الله .

يذكر المؤمنون أنفسهم بهذه المعاني المرققة للقلوب و يقولون عندما يسمعون  خبر انقضاء أجلِ من توفاه الله منهم  : " كاسات معدودة".

فإذا خرجت هذه العبارة من التعبير عن التسليم و الرضا بقضاء الله إلى معنى الجبر و الهروب من المسؤولية . و إذا انتقلت من معنى الخبر بما سبق في علم الله إلى معنى الأمر . . . . فما أشد ما نقع فيه من حرج و تخبط و ضلال .

إن الكثير من موارد الخلاف و الإختلاف في الرأي و التباين في الإسترشاد بالنصوص و الإستفادة من تراث العلماء الأقدمين يرجع إلى إهمال اعتبار السياق و طرح الواقع و الغفلة عن ظروف التنزيل و مواقع النصوص و دورها في تزكية الحياة ، و الغفلة عن الخلفيات التاريخية و الإجتماعية التي أحاطت بالعلماء فيما كتبوا و نقلوا و شرحوا عندما حاولوا تنزيل ما فهموه من النصوص على وقائعهم و حياتهم .

فإذا رأيت مترنحاً ما زاده علمه بالنصوص و التراث إلا عنتاً و حرجاً و عسراً و ضنك عيش ، فاعلم أنها كاساته المعدوده يتجرعها من الجهل بالواقع و القفز فوق معاني الخطاب في دلالتها و سياقاتها و ظروفها، و ادع الله له أن تنتهي كاساته قبل أن يكون فتنة للناس عن دين الله و شريعة الرحمة و العدل و الحكمة.