بريد القـرَّاء

تعقيبات على مفهوم التسامح

تعليقاً على مقال الدكتور خالد أبو الفضل (التسامح في الإسلام) و الذي نُشر في العدد الثالث عشر من الرشاد، وصلنا من الأخوة القراء عدد من التعليقات و التعقيبات يضيق المجال نشرها و عرضها كما وردت . و قد كان من دواعي سرورنا أن يشارك الأخوة القراء و أن يبادروا للتعقيب و التوضيح . لأن صياغة خطاب إسلامي متوازن معاصر ، مرهون بجهد جماعي و مواجهة جادة و تحقيق رصين للقضايا ، بعيداً عن القفز إلى الحكم على النيات و الدوافع أو الإستهجان لمجرد الخروج عن المألوف.  و قد دارت أكثر التعليقات حول الخوف من أن يتعارض التأكيد على معاني وآفاق التسامح مع إيماننا أن الإسلام هو الرسالة الخاتمة و أنه الدين المقبول عند الله .

و قد بدا من خلال التعليقات أن الخطاب الإسلامي في قضية التعامل مع الآخرين ما زال بحاجة إلى تحرير و ترتيب و تحديد . و إذا كان من أمانة العلم أن لا يدعي أحد القدرة على إنهاء الخلاف في هذه القضية – أو غيرها - ، فإننا نرى أن المساهمة في تشكيل الخطاب الإسلامي المتوازن تكمن في إثارة الأسئلة و متابعة الحوار بين أهل الرأي و العلم و محاولة التذكير بما يجب استدراكه أو ما يجب التأكيد عليه عند التعامل مع الواقع أو النظر إلى التاريخ أو الفهم عن النصوص.  و إذا كان صعباً أن يتحرر المرء من ضغط الواقع و ملابساته، فإن من عدم الإنصاف أن تفسر محاولات الفهم و الإستدراك لفجوات الفكر و الممارسة بالإنهزامية أو اليأس أو التحريف!  بل إن التوجه المتزن نحو استيعاب الآخر يشير إلى النضوج والثقة بالنفس.

إن مما يجب التنبيه عليه عند مناقشة قضية النجاة في الآخرة ، أنها قضية تتعلق بما يحكم به الله سبحانه و تعالى على آحاد الخلق بما يعلمه من عنادهم و جحودهم أو بما يعذرهم به من غموض الحجة و عدم قيام البلاغ المبين في حقهم.  و نرى أن من مهمة العلماء و المفكرين أن يتوجهوا لصياغة الخطاب الإسلامي بشكل متوازن تقرر فيه الحقيقة الدينية و ما يجب الإيمان به ، و تقرر إلى جانب ذلك مسؤولية البلاغ المبين و مسؤولية إنهاء الفتنة و ما يتعلق بذلك من استحقاق العقوبة في الدنيا و الآخرة أو وجود العذر و استحقاق الوعد: )وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً( .

وهل يمكن اعتبار مفهوم "عقدة التفوق" -كما طرحه أبو الفضل- هو الطرح الذي يؤكد على الحقيقة الإيمانية و يتغافل عن الحقيقة الواقعية و غياب مسؤولية البلاغ المبين و مسؤولية إخراج الأمة النموذج لتقوم الحجة على الناس من معادلة الخطاب ؟  و إلى أي حد يمكن اعتبار مفهوم التسامح هو الفهم الذي يؤكد على مسؤولية الدعوة و البلاغ المبين الذي يظهر الحجة و يزيل الشبهة و يُحسن الظن بفطرة الإنسان إلى أبعد الحدود و لا يمل من تنويع الخطاب و مداخله ليستوعب عناصر النفس البشرية ؟

و إذا كان التاريخ الإسلامي قد عرف ظاهرة الخوارج في فترة مبكرة فهل يمكن اعتبارها تعبيراً عن طغيان توجه الحكم على الناس و ادعاء سلطان إنزال ما يرونه من أحكام عليهم مع ضمور توجه الدعوة و البيان و الضيق بما يتطلبه من صبر و أناة و بعد عن استعجال النتائج ؟  و إلى أي حد يمكن اعتبار غياب  توجه تزكية الواقع من برامج الدعوة و الإصلاح ظاهرة تعبير عن فهم شكلي للدين يرتبط بعقدة التفوق – النظري – و يرتبط بالعنف و الإستعجال الذي ميز حركة الخوارج ؟

وهل لنا أن نفتح آفاقاً جديدة للفهم تستحضر الأبعاد السيكولوجية التي تدرك الصيرورة الذهنية و النفسية للالتزام بمعتقد والاهتداء لديانة؟  وهل لنا أن نستحضر آفاقاً سوسيولوجية تدرك الصيرورة الاجتماعية للتدين الذي يتنفس من خلال تجربة معاشية وتأقلم جماعي؟  هل لنا أن نستحضر مثل هذه الآفاق لكي لا نقع في الشوفونية والتمحور حول الذات؟

وهل يصح فهم التوجيهات القرآنية مفصلة على مداخل موضوعية لا تنحصر في المجال العقدي ولا تختزل في المجال الفقهي، وذلك ضمن إطار مشروع سلام عالمي يسع الإنسانية على تنوعها؟

إننا نرى أن التفكير في مثل هذه القضايا و محاولة الإجابة عن مثل تلك الأسئلة حريٌّ أن يعيد التوازن إلى الفكر و الواقع و أن يساهم في صياغة خطاب إسلامي ينأى عن مبالغات ردود الفعل و تشنجات إسقاط الكمال الإلهي على الذات و ادعاء تمثيله و تجسيده و امتلاك سلطانه على الفكر و الروح و حياة الخلق .