أ. رياض
أدهمي
وصلني مرةً
أحد كتب الإعلان
و كان هذه المرة
متميزاً بشكل يدعو
إلى التأمل و التفكير
العميق. كان الكتيب
إعلاناً عن مجموعة
من الكتب التي
تعرض أنظمة و قوانين
الجودة و حماية
الصحة و تأمين
السلامة لأكثر
من مائتي صناعة
و فرع من
فروع الخدمات ،
بالإضافة إلى سلسلة
من الكتب المتعلقة
بحماية البيئة
لكل ولاية أمريكية
بشكل مستقل حيث
تتناول هذه الكتب
خصوصيات البيئة
و التشريعات التي
أصدرتها كل ولاية
لتكون منسجمة مع
القوانين العامة
في البلاد. وطبيعي أن
هذا الحشد من الكتب
لا يتعرض للنواحي
الفنية في التصنيع
و تنظيم الأداء
و المهارات و التقنيات
المتبعة ، فلهذا
المجال كتب متخصصة
أخرى لأرباب الصناعات
و القائمين على
الخدمات.
فكرت في هذا
الحشد من كتب أنظمة
الجودة و البيئة
و الصحة و السلامة
فوجدتها تستوعب
نشاطات و فعاليات
ملايين من البشر
تعمل في كل قطاعات
المجتمع ، و لا
يكاد يتصور المرء
أن من يخرج من بيته
كل صباح ليؤدي
عمله أياً كان
نوعه و مجاله إلا
و يتصل بعلاقة
ما بهذه الأنظمة،
اقتراحاً و تعديلاً
في أعلى درجات
المسؤولية الإدارية
، أو تطبيقاً و
استلهاماً في الدرجات
الأدنى من السلَّم
الإداري أو المهني.
و من ناحية أخرى
فإن هذه الأنظمة
لها ارتباط بأخلاقيات
المهن و أصول و
مجالات التعامل.
و لهذه الأنظمة
في كل مهنة و خدمة
علاقة وثيقة بتصور
الحق و الخير و
النفع و الضرر
و المصلحة و مفهوم
المسؤولية و الإنتماء
إلى المجتمع و
بيئته المادية
ومؤسساته. فليس
هناك من إنسان
في أي عمل أو موقع
إلا و يضبط تصرفاته
تصور عن هذا كله
سواء كان ذلك التصور
واعياً واضحاً
أو خفياً يسري
في حنايا الثقافة
و مسارب المشاعر
و الإلتزام السياسي
أو الأخلاقي.
فالإنتماء
السياسي إلى حزب
من الأحزاب يحدد
بشكل كبير طبيعة
التوجه الذي يعطي
القدرة على تحليل
الأمور و تفسيرها
و اتخاذ موقف تجاهها
سواء في مسائل
الجودة و المسؤولية
القانونية و الإجتماعية
للشركات ، أو في
مسائل البيئة و
حماية الصحة و
تدابير السلامة
و مشاريع القوانين
المتعلقة بها،
سواء على مستوى
عضو الهيئات التشريعية
أو الناخب العادي
أو الموظف المسؤول
في أية إدارة أو
مؤسسة . ففي كل القضايا
التي تتعلق بالإنتاج
و توزيع الثروة
أو التوازنات بين
حماية البيئة و
المصالح الإقتصادية
و كذلك التوازنات
بين تدابير السلامة
و مصالح الشركات
. . . كل هذا يتعلق بالرؤية
الكلية التي يتصورها
الحزب للتقدم و
المصلحة الوطنية
و العدل و المساواة
و الحرية و غير
ذلك من القيم و
المبادئ – من الناحية
النظرية على الأقل
–
فكَّرت في
هذا كله و ما يعنيه
بالنسبة لاستقرار
الأمور و ازدياد
الفعالية و انضباط
العلاقات و حاولت
النظر إلى مسلم
اليوم و أبين موضعه
من هذا كله. يعيش المسلم
في هذا العصر و
هو يعلم علم اليقين
أن الإسلام هو
نظام حياة وأن
تعاليم الإسلام
شاملة تستوعب الحياة
بكل أحوالها و
فعالياتها و نشاطاتها
و تنظيماتها ،
حتى إذا حاول أن
يعيش هذا التصور
أصابه التمزق فليس
معه الدليل و المعيار
الذي يقيِّم به
أمور أعماله المهنية
التفصيلية من ضبط
للجودة أو حفظ
البيئة أو تدابير
الصحة و السلامة
، اللهم إلا بعض
التوجيهات الأخلاقية
العامة التي غالباً
ما تتراجع لتكون
في الظل عند غياب
الضوابط و لا يبقى
حقيقة سوى المصلحة
الفردية و روح
المنافسة و زيادة
الربح.
و انتقلت بي
الذاكرة إلى التاريخ
و ما عرفته الحضارة
الإسلامية من مؤسسة
الحسبة حيث كان
المحتسب يضبط أمور
الجودة و يفرض
تدابير منع الغش
و الإحتكار و الغرر
، وكذلك كان في
الأسواق رؤساء
و مشايخ للمهن
و الصناعات و الخدمات
يقومون بفرض نوع
من المعيارية يتحاكم
إليها الناس في
مداولاتهم و مبادلاتهم
. و كان هؤلاء هم
الذين يتولون منح
الترخيص للسماح
بمزاولة المهن
بعد التأكد من
معرفة طالبي الترخيص
بأصول مزاولة المهنة
و مقاييس العدل
و رفع الغش و الغرر
فيها . و تذكرت فصولاً
درستها في كتب
الفقه عن أمور
تتعلق بالمصالح
العامة من مثل
اخراج الميازيب
إلى الطرقات و
ما يعتبر عدواناً
على حقوق المارة
أو الجوار و أمور
أخرى تعكس بساطة
الحياة و عفوية
تمثل القيم و الضوابط
الأخلاقية . فالمسلم
الذي كان يعيش
في ظل الحضارة
الإسلامية كان
يتلقى الثقافة
و يمارس المهنة
و يعيش في مجتمع
كل ما فيه يحمله
على الإلتزام بروح
الدين و تحقيق
مثله في العدل
و إتقان العمل
و تحقيق الكفايات
و رفع الضرر و الظلم
و العدوان .
أما المسلم
الذي يعيش هذا
العصر فهو يعلم
أن الإسلام هو
نظام حياة و أن
تعاليمه شاملة
تستوعب الحياة
بكل أحوالها و
فعالياتها و نشاطاتها
و تنظيماتها و
تعقيداتها، حتى
إذا حاول أن يعيش
هذا التصور أصابه
التمزق فليس معه
الدليل و المعيار
الذي يقيِّم به
أخلاقية أمور عمله و
صوابها في تحقيق
المصلحة و رفع
الفساد سواء في
ضبط الجودة أو
حفظ البيئة أو
تدابير حفظ السلامة
و رعاية الصحة.
و عند غياب الضوابط
لا يبقى سوى المصلحة
الفردية الأنانية
و روح المنافسة
المادية و زيادة
الربح. فليس هناك
شيخ مهنة أو محتسب
و ليس هناك حد أدنى
من ضوابط شرعية
عملية ترقى في
ارتباطها بالواقع
لتكون قادرة على
مزاحمة برامج الأحزاب
و خبرتها في توجيه
إدارة المجتمع
و التأثير على
سياسة المؤسسات
فيه.
لقد تعقدت
أمور الحياة و
تشابكت المصالح
فلم يعد ممكناً
تحري العدل و المصلحة
العامة الراجحة
و رفع الضرر بعفوية
و بساطة. و أصبح
كل أمر يحتاج إلى
خبرة و ممارسة
و معرفة و حذق قبل
تشكيل رأى أو ترجيح
أمر من الأمور.
فمعرفة مقادير
النفايات التي
تضر بالبيئة و
لا تستطيع الدورة
الطبيعية أن تزيل
أثرها المتراكم،
و معرفة ما يضر
بالصحة و يسبب
العاهات من أساليب
العمل و الإنتاج.
و معرفة ما يمكن
اعتباره تفريطاً
و إهمالاً في ممارسة
المهنة عند وقوع
الحوادث التي ينتج
عنها أضرار في
الأرواح أو الأبدان
أو الممتلكات...
كل هذا أصبح ضرورياً
في ممارسة أية
مهنة بالإضافة
إلى معرفة ضوابطها
الأخلاقية التي
ترفع الإثم و الحرج
و الضوابط القانونية
التي تحفظ الحقوق
و ترفع الخلاف
و التناحر.
وسيكون من
التعسف و الظلم
أن نطالب علماء
الشريعة بإصدار
شيء موازٍ لأنظمة
الجودة و البيئة و الصحة
و السلامة لمئات
من المهن و الخدمات
و الحِرَف و الصناعات
حيث يجد المرء
أياً كانت مهنته
و مجال عمله الضوابط
الشرعية التي تحقق
الخير و العدل
و تمنع الفساد
و الظلم و تقيم
المصالح و تقيم
حركة المبادلات
و المعاملات باستقامة
واستقرار.
و في خِضمِّ
هذه الأزمة يلجأ
أكثر الناس إلى
حصر الدين بالشعائر
و الإحسان و الصدقات
و يُخرجون قضايا
العمل و لإنتاج
و الإدارة والبيئة
و السلامة من ساحة
التدين و يعطون
المقاليد فيها
للدولة و ما تسنه
من قوانين. و لو
شارك المتدينون
في تقنين و رسم
بعض السياسات لما
امتلكوا المعيار
و الميزان و لغالباً
ما ينتهي الأمر
بنقل و نسخ و استعارة
القوانين و التشريعات
التي تسري فيها
روح الثقافات الأخرى و تغيب إمكانية
تمثيل الشريعة
و إبراز قيمها
و أصولها في تزكية
الحياة و نشر العدل
و إقامة المصالح.
و في هذه الحال
يجد المسلم نفسه
على مفترق طريق
، فإما أن يتحاشى
مناقشة هذه القضية
أصلاً اعتماداً
على أن ما تقرره
القوانين و التشريعات
الرسمية فيه الكفاية
في تحقيق المصالح
و العدل ، و لا يخفى
ما يحمله هذا التوجه
من السلبية و اختزال
لمعنى الدين ،
و إما أن يفكر بطريقة
أخرى يكون فيها
قادراً على المساهمة
و المشاركة في
صياغة القوانين
و التشريعات عند
تمكنه من ذلك ،
و قادراً من جهة
أخرى على امتلاك
الحس الأخلاقي
الذي يحمي القوانين
من الحرفية و الشكلية
و يحقق دوام المصالح
و رفع الفساد و
تحقيق العدل قدر
المستطاع.
إن الطريقة
التي نأمل أن يكون
فيها المخرج من
هذه الأزمة ليعود
الإسلام إلى دوره
في تزكية الحياة
و نشر الرحمة تتمثل
في منهجية المقاصد
و التي تهتم بالكليات
و الأساسيات و
المفاهيم المرجعية
، و تفتح المجال
واسعاً للإجتهاد
و التجديد في تنزيل
هذه الكليات و
الأساسيات في واقع
كل مهنة و حرفة
و خدمة ، و ابتكار
الوسائل الفنية
و التنظيمية التي
تكفل تحقيق المصالح
و رعاية المقاصد
بانسجام مع الواقع
المادي و الإجتماعي
و الإقتصادي و
السياسي للبيئة
و الزمان و المكان.
إن كليات الدين
و أساسيات الشريعة
و المفاهيم المرجعية
و العقدية هي موضع
اتفاق بين المسلمين
على اختلاف مذاهبهم
و مشاربهم، و غالباً
ما يقع الخلاف
في وسائل تحقيق
و تنزيل القيم
و المفاهيم. و في
أكثر الأحيان يمكن إعادة
الخلاف إلى تباين
في فهم الواقع
و دراية حقيقة
ما يجري فيه. فإذا
بدأنا بتقرير الكليات
و الأساسيات و
شملت دعوة الإجتهاد
و التجديد كل مسلم
ليدلي بدلوه في
المساهمة في فهم
الواقع و حقيقة
ما يجري فيه فيما
يتعلق بمهنته و
عمله و الكفاية
التي يتولاها من
أمور الأمة فإننا
بهذا قد أعدنا
الدين و هدايته
إلى المكان الطبيعي
من حياة الفرد
و الأمة.
و عندما تبدأ
الأمة هذا التوجه
يتحرك كل مسلم
مهما كان نصيبه
من العلم و الثقافة
على محورين: الأول
منهما يتمثل في
محاولة فهم الكليات
و الأساسيات و
ذلك عبر تلقٍ و
حوار دائم مع علماء
الشريعة و مصادر
التشريع ، و يتمثل
الثاني منهما في
محاولة إتقان و
فهم واقع المهنة
و الحرفة و الكفاية
التي يقوم على
تأمينها في الأمة
. و من خلال هذين
المحورين يحاول
كل مسلم بالتشاور
مع زملاء مهنته
و شركاء خبرته
أن يبحث عن وسائل
تنزيل الكليات
و الأساسيات و
طرق تحقيق المصلحة
العامة و رفع الفساد
.
فإذا
علم المرء أن من
كليات الشريعة
رفع الغرر و الغشِّ
و الخداع مثلاً
، فليس هناك من
هو أقدر على معرفة
وسائل تحقيق هذه
الكلية الشرعية
في واقع أية مهنة
ممن يزاول هذه
المهنة و يتعاطى
مداخلها و مخارجها
كلَّ يوم ، ابتداءً
من البائع البسيط
و مروراً بالتاجر
و الصانع و الإداري
و العامل و العالم
إلى آخر هذا الطيف
الواسع من المهن
و الحرف و الخدمات
و الصناعات. و إذا
علم المرء أن من
المقاصد الشرعية
للعقود و المبادلات
الوضوح و الإبتعاد
عن كل جهالة تؤدي
إلى الخلاف ، تحرى
من وسائل الضبط
و التوثيق ما يتناسب
مع واقع مهنته
و ما يثق بفعاليته
في توضيح الأمور
و إزالة الإيهام
.
إن
هذا التوجه يعيد
الأمور إلى نصابها
في تصور الإسلام
رسالة خاتمة تقرر
المبادئ و القيم
و الكليات الأساسية
و تترك الباب مفتوحاً
لتجدد الوسائل
و تغير الأساليب
. و متى استقرت هذه
الحقيقة غدا تاريخ
المجتمعات المسلمة
منذ عصر الرسالة
إلى اليوم محاولات
نستلهمها و نضعها
في سياقها من الزمان
و المكان لنفهم
كيف حاول المسلمون
عبر العصور تمثل
قيم الدين و مبادئه
، فيغدو التاريخ
مثالاً و نموذجاً
تطبيقياً و ليس
بديلاً عن القيم
نحاول أن نعيده
و نعيشه مرة أخرى
كما هو بتفصيلاته
و وسائله بكل ما
تحمله هذه المحاولة
من عنت و تؤدي إليه
من إحباط.
إن هذا التوجه
يعيد الثقة إلى
المسلم بأنه المسؤول
عما استرعاه الله
من كفايات و مهارات
و خبرات و أنه المكلف
أصالة عن إقامة
و تمثيل القيم
في مجاله و ليس
هناك من ينوب عنه
في هذا كائناً
من كان.
إن
هذا التوجه ينقذنا
من منهجية الحفظ
للألفاظ و الترديد
للعبارات و يدفعنا
إلى الفهم و الإبداع
و الحركة و الإختبار
و الإختيار للطرق
و الوسائل و الأساليب.
فالإطمئنان إلى
أن واجبنا هو الحفظ
و الترديد يوجهنا
إلى الكسل و يزهدنا
في التفكير و الإبداع.
إن هذا التوجه
يرفع الحرج عن
علماء الشريعة
و يعفيهم من الظن
أن عليهم أن يقرروا
التفاصيل و يعالجوا
كل المسائل فيحملهم
ذلك على التكلف
و التنطع و القول
فيما لا يحسنون.
فالأمور قد أصبحت
على درجة من التوسع
و التعقيد لا يمكن
ممعه تناولها إلا
من أصحاب الخبرة
و الممارسة و الدراية.
أما المبادئ و
القيم و الكليات
و الأساسيات و
الضوابط فهي مجال
علماء الشريعة
يستلهمونها من
النصوص و التراث
و التجربة التاريخية
لمجتمعات المسلمين
. و تبقى قضية التنزيل
بكل ما تحتاج إليه
مجال سجال و حوار
و تشاور و تعاون
بين طبقات الأمة
و قادة الرأي و
الخبرة فيها في
كل مجالات النظر
و العمل و المهن
و الحرف و الخدمات
و جميع وجوه الإرتفاق
و المصالح .
إن هذا التوجه
في الإنطلاق من
المقاصد و الكليات
لتحديد الوسائل
و ترتيب الأولويات
يعطي أصحاب الفكر
و الناشطين من
أهل الحركة بصيرة
واضحة لمعرفة نقاط
الإتفاق و مجالات
الإفتراق و التمايز
بعيداً عن مجرد
الإعتراض لتأكيد
الحزبيات و العصبيات
التي تستهلك الطاقات
و تدفع بالأمة
إلى التشرذم و
التفرق.
و
عند ذلك تعود ثقة
الأمة بدينها و
يتمكن المسلم من
أداء دوره في تزكية
الحياة و ترقية
أحوال الأمة سواء
كان في أعلى درجات
المسؤولية الإجتماعية
و السياسية أو
في قضايا التنزيل
و التطبيق حيث
يكون قادراً على
استلهام روح القانون
و مقاصد التشريعات
و قادراً على التحاور
و إبداء الرأي
و النصح عندما
يلاحظ ما يند عن
تحقيق المصلحة
على الوجه المقبول.