تنهمر
وقائع الدهر و
تتراكم تحديات
الواقع مطالبة
بالتفسير و الفهم
و يقف القلم عاجزاً
عن الإشارة إلى
أولوية يستطيع
أن يحسم بأولويتها
، و يحتار العقل
فيما إذا كان عليه
أن يخضع للمنطق
الإسعافي الذي
تستغرقه أزمة اللحظة
أو أن يحكِم المنطق
الكـلي الذي يستلهم
الصيرورة التاريخية
المتجذرة في الماضي
و المتشوفة إلى
التأثير على حركة
المستقبل .
و
كم يتمنى المرء
لو أُتيحت له ساعة
من الصفاء و الهدوء
لعله يستجلي بعض
الحكمة و البصيرة عندما تمتزج
شفافية الروح مع
حدة الذهن ، ولكن
زوابع الحدثان
لم تترك لذي اللب
فرصة ليبصر أمور
يومه وساعته ناهيك
عن مستقبله . فلقد
كان التاريخ يأتي
بالأسئلة بالتدريج
فإذا به اليوم
يأتي بالتحديات
تترى فلا يكاد
المرء يبدأ بصياغة
إجابة لمشكلة ما
حتى يتلقاه سؤال
آخر يتحدى ما كان
يفكر فيه مما يظنه
العلاج و الخلاص
.
لقد
طرحت الأحداث الأخيرة
جملة من الأسئلة
على المسلمين ،
و كان من الطبيعي
أن تنطلق التساؤلات
من وحي المواجهة
و آلام المعاناة
و هول الصدمة ولكن
الملفت للنظر أن
المواجهة المفتوحة
بين المسلمين و
أمم الأرض طرحت
أموراً كان العقل
المسلم يتحاشاها
و يغض الطرف عن
إلحاحها و أهميتها
و كان يكتفي ببعض
الإعتذار أو بعض
التأويل و التخريج
فإذا به اليوم
يركن إلى الإنكار
الطفولي و إحالة
الأمور إلى منطق
المؤامرة و تعليق
المشكلات و الأزمات
على مشجب الأعداء
و المتربصين من
وراء الحدود و
غض الطرف عن كل
القصور و التخلف
و العجز و الوهن
الذي يضرب أطنابه
في بلاد المسلمين
من المحيط إلى
المحيط .
لقد بدا واضحاً
أن المسلمين في
هذا العصر لم يقدموا
الإسلام رسالة
عالميةً وخطاباً
إنسانياً و لكنهم
قدموه قضية وطنية
و أزمات محلية
و تصفية حسابات
إقليمية . و بدا
واضحاً أن مراجعةً
جادة لمفاهيم الدعوة و الجهاد
و المنعة و الولاء
السياسي و نصرة
المستضعـفين و
الحكم الإسلامي و المواطنة و العلاقات
الدولية و التسامح
الديني – و غيرها
كثير - لا بد أن تأخذ
طريقها إلى أولويات التأصيل
و الفهم الكـلي
ليخرج الإسلام
من الإرتهان لحركات
النـزق و الإنفعال
و العواطف أو الإرتهان
لمدارس
الفهم التاريخي و الفهم الحرفي
التي تحرم الرسالة
الخاتمة من دورها
الرائد في وضع
الهدي الإلهي في
المكان الصحيح
من حركة الإنسانية
في التطلع إلى
التزكية و العدل و الخلاص
من الفساد و المفسدين
.
و
يلف الكون حزن
عميق عندما يتأمل
حال المسلمين فيراهم
يدندنون حول الإهتمامات
الصغيرة و حاجات
الأمس الغابر في
سذاجة تذهب بنور
الحق الذي استودعوه
و نصاعة الرؤية
الإنسانية التي
اختصتهم بها الرسالة
الخاتمة . ولكن
الله سبحانه و
تعالى جعل الأيام
دولة بين الناس
و جعل التدافع
سنة ماضية حتى
لا يعم الفساد
، فلا يملك المرء إلا أن يضطلع
بمسؤوليته التاريخية
و يهيب بالأمة
لتخرج من قواقع
الفكر الذي أثبت
الواقع أنه يتعامل
مع الدنيا بمنطق
التجاهل و الإقصاء
ولتعود إلى القرآن
الكريم تستلهم
من كنوزه و تستجلي
آفاقه بعد أن ترى
نفسها جزءاً من
الخطة الكونية
الإلهية لمعالجة
أمراض الإستضعاف
و العلو في الأرض
و الوصول بأمة
الدعوة إلى استحقاق
التمكين .
و
لكن ما كانت كنوز
القرآن لتفتح قبل
أن تتحرر الإرادة
من التقليد ، التقليد
الداخلي الذي يجتر
التراث و ينكب
على النصوص و يحيلها
نتفاً منقطعة عن
السياق و التاريخ
و أحوال عصر التنـزيل
، و لا يجمعها نسق
المقاصد و توجه
إصلاح الحياة
. و في ظل التقليد
هذا يختزل الدين
إلى طقوس و تحكمات
و يبور دور التعقل
و التفكر الذي
هو مناط التكليف.
و يفصل الدين عملياً
عن الحياة فصل
محبة لا فصل بغض
– و من الحب ما قتل
. و لا تستطيع
الأمة كذلك أن
تنهض لصياغة الأجوبة
لما يتحداها قبل
أن تتحرر من التقليد
الخارجي الذي يحصر
الفكر في عقلية
المحاكاة و مناهج
المقاربات والمقارنات
، ويحصر الممارسة
الواقعية في عملية
استيراد الحلول
وإقحامها القسري. وليس البديل
عن التقليد إلا
الانفتاح المبصر
الذي يقرأ التجربة
البشرية ويكامل
أجزاء صوابها ضمن
الرؤية الحضارية
المسلمة .
إنه
لم يعد ممكناً
أن نتحاشا التساؤلات
التي تتحدى أرومتنا
الثقافية و إنه
لا بد أن نتقدم
بخطاب يعالج الأسئلة
الكبرى في الإئتلاف
البشري و التراحم
العالمي . و لابد
من أن نتقدم بخطاب
عالمي يتجنب الإستغراق
في خصوصية الثقافة
و أعباء المعاناة
و مشكلات الوهن
، و يتجنب كذلك نفعية الحداثة
و غرورها و يتبرأ
من عبثية ما بعد
الحداثة و حيرتها
، نتلمس كلمات
طيبة أصلها ثابت
و فرعها في السماء لتستظل أمم
الأرض برسالة الرحمة
و التعارف . و إنه
لا بد أن نعلم أن
هذا الموقف هو
قدر من يستلهم
الحكمة الكونية
لختم النبوة (( و
إن تتولوا يستبدل
قوماً غيركم ثم
لا يكونوا أمثالكم
)) .
لقد
اختارت الرشاد
لنفسها أن تتابع
مسيرتها الفكرية
و هي تشعر أكثر
من أي وقت مضى بأولوية
الأزمة الفكرية
و محوريتها محاولةً
تقديم خطاب رشيد
متوازن ينطلق من
الثوابت و الأساسيات
و ينأى عن التغني
بالأمجاد أو مداراة
الموروثات و يستشعر
المسؤولية لخصوصية
الموقع لمحاولة
تلمس رؤية حضارية
تستوعب كرامة الإنسان
كنوع قبل أي اعتبار
آخر .
لقد التزمت
الرشاد بمعالجة
القضايا الفكرية
بعيداً عن تشنجات
لحظة الأزمة و
سعار السياسة و
إنها لتشعر أن
غبش الرؤية يودي
بالأمة و يدخلها
في متاهات لا نهاية
لها ، و قد أضحى
جلياً أن القراءة
الإنتقائية المجتزأة
للنصوص و القراءة
اللاسننية و العبثية
للواقع لتنعكس
سلباً و تشككاً
على ذات الدين
و أرومته ، فلا
بد و الحالة هذه
من تأصيل خطاب
تجديدي يعيد النص
إلى موقعه من إصلاح
الحياة و يحرره
من أسر التجربة
التاريخية لمجتمعات
المسلمين و يحاول
فهم الواقع بكل
أبعاده و تداخلاته
و تعقيداته فلا
يختزله في عنصر
من عناصره أو جزئية
من جزئياته .
و
لما كان فضاء العالم
الفكري واسعاً
مترامياً فقد ارتأينا
أن موقعنا الجغرافي
يملي علينا أن
نعالج محوراً قلّ
أن يكتب فيه ، ذلك
المحور الذي يلقي
الضوء على الزوايا
الميتة في رؤية
المسلمين للآخر
و ذلك في لحظة تاريخية
دفعت بهذا المحور
إلى منصة الأولويات
التي نعتبر تأجيل
معالجتها تفريطاً
مذموماً . و إننا
على إدراك كامل
أنه لا يمكن معالجة
هذا الموضوع بكل
جوانبه في هذا
المنبر أو أي منبر
آخر . وإن
من الحكمة و العدل
أن نقول الحق على
أنفسنا أولاً ،
فإن الإسلام – كدين
إلهي – يتطلب دوماً
أن تكون وسائل
تحقيق مشاريعه
العملية طاهرة
شريفة طهر الغايات
و المقاصد، بل
إن هذا بالتحديد
هو ما يفرق الإسلام
عن المذاهب الوضعية
حيث يرفض إهدار
البعد الأخلاقي
أو اعتبار أن الغاية
تبرر الوسيلة
.
وسوف تتابع
الرشاد مسيرتها
في المساهمة في
صياغة رؤية إسلامية
عالمية مرتكزة
على الأوليات التالية:
- رفض
التفسير الحرفي
للنصوص الذي يسقط
التاريخ والسياق
والآفاق المقاصدية
و الرؤية الكلية.
- عدم
التردد في نقد
أو رفض ما قد يوجد
في التراث مما
يقصر عن استيعاب
البشرية جمعاء
بكرامة واحترام
، وإدراك أن منه
ما قد كان صالحاً
لزمانه ومفسداً
لزماننا.
- تفكيك
منطلقات الإيديلوجيات
الضيقة للحركات
الإسلامية والاختزال
السياسي للإسلام
،
و العنف
من باب أولى .
- نقد
منطق الثنائيات
والتقسيم العدائي
للتاريخ والجماعات
البشرية .
- التأكيد
على وحدة الوجود
البشري وترابطه
وتنوعه وإمكانية
التعايش وفق القيم
الانسانية الكبرى
.
- التأكيد
على البعد العقلي
و الإطار الكلّي
في إعادة صياغة
نموذج إسلامي للرؤية
والحياة .
* * *
و
قد ساهم في هذا
العدد من الرشاد
مجموعة طيبة من
الكتاب أدلوا بدلوهم
و طرحوا قضايا
متنوعة تتصل من
قريب أو بعيد بقضايا
السجال الدائر
في ساحة الفكر
و النظر. و عند التأمل
في التوجه الذي
يهيمن على مساهمات
الإخوة الكتَّاب
نجد خطاً ناظماً
يصلح لأن يتخذ
معلماً في تشكيل
الخطاب الإسلامي
المعاصر المطلوب
. و لا بد
من التأكيد أنه
ليس بالإمكان أن
يدعي أحد أنه يمتلك
القول الفصل في
قضية من القضايا
و لكن خطورة المرحلة
التي يمر بها المسلمون
تستدعي رحابة الصدر
و احتمال النقد
و الصبر على قول
الحق وخاصة عندما
نواجه أخطاءنا
و قصورنا و عجزنا
عن فهم مقتضيات
الهدي الإلهي في
التزكية للكون
و الرحمة للعالمين. و قد جاءت
المقالات – بحمد
الله – تغطي جوانب
النظر في التراث
و الواقع و النص
و التوجهات العملية
و التأملات العميقة
لتعطي في مجموعها
ما نحسب أنه مساهمة
جادة في تشكيل
الخطاب الإسلامي
المطلوب و الله
المستعان.