أجرى المقابلة مازن هاشم
الرشاد
: كان من أوائل
أعمالك
الأكاديمية
البحث في
تاريخ علاقات
الدول
المسلمة
بالدولة البيزنطية،
ويغلب على
عقلية
المسلمين فيما
بعد فترة
الاستعمار أن
العلاقة بين
ما يسمى الشرق
والغرب كانت
علاقة حربية
محضة، فهل لكم
أن توضحوا مدى
العمق المدني
في هذه العلاقات
من الناحية
التاريخية
البحتة؟
د.
فتحي عثمان :
أعتقد أن
العلاقات بين
المسلمين و
الدولة
البيزنطية
كانت عميقة
وكانت مستمرة
حتى في فترات
الحروب.
و إذا كان
هناك من فترة
لم يكن فيها
تبادل ثقافي
وتواصل فكري
فهي
فترة الحروب
الصليبية.
وخاصة أن الصليبيين
كانوا
يعيشون في
المعاقل والحصون
ولا يندمجون
في الحياة
العادية
لشعوب المنطقة،
ولكن في فترة
البيزنطيين
كانت الحروب
محصورة في
الحدود و
التخوم و هذا
لم يحل دون التواصل
حتى أن
المأمون عرض
هدنة عشر سنوات
في سبيل أن بيزنطة
ترسل أستاذ
رياضيات
ليدرس في
بغداد وهذا
يدل على أنه
عارف أولا أن
هناك أستاذ
رياضيات في الدولة
البيزنطية.
والغريب حسب
المصادر
البيزنطية
أنه لم يكن
لامعا من
ناحية الواقع
البيزنطي.
يقال أن
الإمبراطور
البيزنطي لم
يتعرف على اسمه
ولا على وضعه
إلا من رسالة
المأمون. إنما
على أقل
تقدير
انهم يعرفون
أنه إن لم يكن
لامعا سياسيا
أو لامعا
جماهيريا فهو
لامع
أكاديميا وأن
المأمون يريد
أن يستفيد في
بغداد من
تدريس شخص
سيأتي ويدرس
باللغة
اليونانية،
فمعنى هذا أن
هناك جمهورا
من الدارسين
مستعد ليدخل
في هذه
الصعوبة ويصل
إلى ما وصل
إليه هذا
الأستاذ
ويستفيد منه.
فالعلاقة أيام
البيزنطيين
كانت رائعة و
لعل الترجمة
وغيرها من
أشكال التواصل
مما يدل على
ذلك .
و
في وقت الحملة
الفرنسية على
مصر وبداية
الاستعمار
الأوروبي صدم
المسلمون في
مصر من الهزيمة
وبعد ذلك من
تصرفات
الفرنسيين
لأنهم لم يعيشوا
في معاقل
وحصون كما كان
الصليبيون
وطبعا وجد
المصريون
تصرفات تختلف
عن تصرفاتهم، ولكن
نجد مع هذا
نوعا من
الإيجابية في
الاستفادة،
كما نجد من
نقد شديد عند
الجبرتي لبعض
تصرفات
الفرنسيين،
نجد توقفاً
عند مسألة عمل
ديوان ليقدم
للمشورة
للحاكم
الفرنسي ووضع
فيه علماء
وغيرهم وكان
يسير بطريقة
المناقشة والمشاورة
فنجد أن هذا
الأمر
الإيجابي
الذي لم يعهده
المسلمون في
مصر أو
المصريون على
الأقل في هذه
الفترة
المتأخرة
للمماليك ومن
قبلهم
الأيوبيين
نجدهم توقفوا
عند هذا،
وجدوا هذا
شيئا إيجابيا
وأنه لابد أن
يشهدوا
بإيجابيته في
الوقت الذي
كانوا يكرهون
فيه
الاستعمار و المستعمرين،
وتأكد هذا
أكثر مع شئ من
الانبهار
اكثر بعد ذلك
لما جاء محمد
علي وأرسل
البعثات إلى
فرنسا. و قد
كتب رفاعة
الطهطاوي في
تخليص إبريز
في تلخيص
باريس أنه
أعجب بأشياء
كثيرة وبعد
ذلك نصل إلى
القمة التي
تمثلها كلمة
للشيخ محمد
عبده لما قال
أنا وجدت
أخلاقهم كديننا.
فالحملة
الفرنسية
مثلت الصدمة
الحضارية مع
الصدمة
العسكرية
الواقعية،
فالمسلمون لم
يهزمهم
الصليبيون
ولم يهزمهم
المغول أما في
هذه المواجهة
الجديدة فقد
جاءت الصدمة الواقعية مع
الصدمة
الحضارية مع
ضعف المسلمين
عسكريا و
اقتصاديا
وسياسيا مما
أصّل عقدة القهر.
ثم
جاء
الاستعمار
الأوروبي على
نطاق واسع بعد
الحملة
الفرنسية ثم
جاء
الاستعمار
البريطاني في
جهات أخرى و
تم اقتسام
العالم
الإسلامي.
وقامت حركات
وطنية وقامت
على أساس
الجهاد وعلى
أساس الرجوع
إلى الجذور
الإسلامية ولكن
مع هذا حدث ما
يشبه الأزمة
في جيل ما بعد
الاحتلال. فقد
جاء بعد
الإستقلال
جيل الزعماء القوميين
الذين قاموا
ضد الاحتلال
الأجنبي ولكن
الأزمة تتمثل
في أنهم في
الوقت الذي
يؤمنون
بالنضال
وبالاستقلال
وبالشخصية
الذاتية
لشعوبهم
وكانوا واعين
بنقاط الضعف
وحاولوا تعويض
نقاط الضعف
فنظروا إلى
الحضارة
الغربية على
أساس أنها
علاج لهذا
الضعف وعليهم
أن يستفيدوا
منها، وهذا
طبعا قد حدث
على النطاق
العسكري
والمادي في
الدولة
العثمانية
نفسها عند
السلطان
محمود مثل
المشروعات
المادية و السكة
الحديدية و
تسليح وتدريب
الجيش
والتخلص من الانكشارية.
فنجد أن زعماء
ما بعد
الاستقلال اقتنعوا
أنه لابد أن
نستفيد من
تجربة الحضارة
الغربية بصرف
النظر عن
الصراع
السياسي بما يوحي
أنهم وصلوا
إلى أن الحل
فعلا هو
العلمانية؟
و
أنا أعتقد أن
الدولة
القومية
العلمانية هي مفترق
الطريق وهي
التي خلقت
الصدام مع الحضارة
الأوروبية
وليس الصدام
العسكري
والسياسي
الذي مثله الاستعمار
نفسه،
فالاستعمار
ننظر إليه مثل
هجمات المغول
وهجمات
الصليبيين
التي انتهت و
استمر مد
الحياة
القديمة كما
كان من غير
تعديل أو
بتعديلات
بسيطة مع
استمرار شعور
التفوق. فالدولة
العلمانية
تمثل المشكلة
التي عقدت
الأمور و تركت
الأجيال
الجديدة من
المسلمين
تنظر إلى
الغرب نظرة
عدائية ليس على
أساس السياسة
و المواجهة
العسكرية لكن
على أساس
الفكر
والعقيدة،
وزاد من حدتها
جهود التبشير
في ظل
الاستعمار. وبدأنا
نستعيد
كلاماً أظن
أنه لم يقل
حتى في أيام
هجمة الصليبيين،
الكلام على
الصليبيين
الجدد
والصليبية
الجديدة
والصليبية
الاستعمارية.
بدأت
الصدمة أيام
الزعامات
القومية
الجديدة
وبناء
الاستقلال
والدولة المستقلة
على درجات .
كان الصوت
نغمة بسيطة تصدر
مثلا من الحزب
الوطني في مصر
باعتبار الولاء
للدولة
السابق
للدولة العثمانية.
وشيوخ الأزهر
لا يشعرون
بحدة التناقض
من الدعوة
القومية، فجمال
الدين
الأفغاني
أراح الناس
إلى حد ما من عقدة
التناقض ما
بين الحرية
والإسلام
كنظام.
وعقدة
التناقض هذه
مشكلة خطيرة
لأن المسلمين
ظلوا
يحكمون بغير
حرية وباسم
الإسلام
قرونا،
وراضين عن هذا
من أيام
الأمويين
والعباسيين
أو على الأقل
العثمانيين
والمماليك في
مصر. والأمور
سائرة ببساطة
و القضاة
يطبقون
الشريعة في ما
يُعرض عليهم
من أمور وليس
هناك قانون
آخر حتى بعد
ما جاء
نابليون مصر
لم يحاول أن
يُدخل قانونه
و لم يدخل
القانون
الغربي لمصر
إلا بعد
الاحتلال البريطاني.
و وقع
المسلمون في
أزمة بين
الإسلام
والديمقراطية.
هل
الديمقراطية
علمانية بغير
دين ؟ أو
الإسلام بغير
ديموقراطية ؟
ثنائية خطيرة
ظل المسلمون
فترة لا
يشعرون بالتناقض
حتى عندما
كانت تقوم
ثورات ضد المماليك
أو ضد محمد
علي أو لنصرة
السيد عمر
مكرم أو غيرها،
كلها جزئيات
لم تقم على أساس أن الحكم
غير شرعي أو
تقرير الحق في
اختيار
الحاكم، و هذا
الموضوع أثير
إلى حد ما في اختيار
محمد علي. لما اختاره
العلماء قال
الباب العالي
: لست أنا الذي
عينته وقالوا له
نحن أهل الحل
والعقد.
إن
أول مشكلة في
تاريخ
المسلمين أنهم
عاشوا فترة
طويلة جداً
تقبلوا حكما
يدعي الاستناد
الشريعة مع
تجاهل حقوق
الإنسان ، ثم أخذوا
يَعَون على أن
حقوق الإنسان
أو كرامة الإنسان
هي الأساس في
هذه
الشريعة، وأن
الله غني عن
العالمين. و
الكلام أن هذا
الدين نزل
لرعاية مصالح
الناس جاء بعد
وقت طويل عاش
الناس فيه هذه
الهدنة ما بين
حقوق الإنسان
الأساسية
والشريعة. و
يكفي أن
الشريعة تكون
في بعض
المظاهر و
المصالح
العامة
الأساسية. أما
موضوع
الحريات فقد
ظل معلقا إلى
أن انفجر
مؤخرا في
الدولة
القومية
العلمانية.
فالدولة القومية
العلمانية
جاءت تستبدل
المشروعية
القديمة
بالدستور
والحريات
والانتخاب.
فهل كان هذا
لتلهية الناس
عن الإسلام !
المهم أن
الناس بدأوا
يفكرون في
الديموقراطية
و موضع
الإسلام في
الديموقراطية
و حقوق نظام
الانتخاب
وغير ذلك. و
فهم أناس
آخرون
تعارضاً بين الإسلام
و
الديموقراطية،
ولم تحصل هنا
محاولة تزاوج
وتفاعل حقيقي
لسبر
الإيجابي في
الديموقراطية
العلمانية أو
القومية
العلمانية
حتى
يستثمر في
الإسلام كما
كان جمال الدين
الأفغاني
يحاول أن يكتل
الشعوب
الإسلامية كلها
تحت مظلة لواء
الحرية ضد
الاستعمار
ولا يأتي
بالإسلام إلا
لتأكيد
الصراع و عدم
التناقض بين
الإسلام وبين
الحرية، فمهد
هذا لأن يكون
بعض تلاميذه
خصوصا في مصر
علمانيين مثل
سعد زغلول
ومثل لطفي
السيد. و لعل
جمال الدين
الأفغاني هو
أول مفكر
إسلامي يكون
له تلاميذ
نصارى ويهود :
يعقوب صنوع و
فرح أنطوان و
أديب إسحاق
فقد كانت النغمة
السائدة في
كتابات جمال
الدين هي
الحرية، وأنا
أعتقد أن
اتجاهه صحيح،
فقد استطاع
تحويل قضية
الاستعمار
إلى تعبئة
وحماس لأجل
الحرية فدخل
التلاميذ
يعتقدون أن
الهدف الأول
أن يبنوا دولة
حرة قوية.
وبعد ذلك بدأ كذلك
العلمانيون و
جماعات
التبشير يتشجعون
أكثر
ويهاجمون
الإسلام
بطريقة مباشرة.
فإرسال
المبشرين
للعالم
الإسلامي نبه
الناس كلهم فعلا
أن شيئا دينيا
وراء الكلام
عن الحرية والديمقراطية
وإن وضع
الإسلام على
الرف مقصود لتنصير
الناس و ليس
صحيحاً أن
أوربا تخلت عن
الدين
ولكن لازالت
صليبية وإنما
تتقنع بدعوى
العلمانية و
الحرية.
فموضوع
المبشرين أظهر
التناقض بعد
هذا في ذهن
الناس، وأن
التوافق غير ممكن
إلا على مستوى
التكنولوجيا
و العلم لكن موضوع
التوافق
الأيديولوجي
أو أن نستفيد
منهم في
العلوم
الإنسانية أو
في الدساتير
والقوانين
والحريات
فليس هذا ممكناً.
وأعتقد
أن الذي بلور
هذا التناقض
بشكل واضح الإخوان
المسلمون فمع
كل كلام حسن
البنا عن أن
حسنات الحضارات
كلها موجودة
في الإسلام
ولسنا نحن
ضدها والإسلام
يشجع التعليم
ويشجع الحرية
ويشجع التعامل
مع غير
المسلمين
بالحسنى
وبالعدل مع كل
هذا بدأت
مشكلة
الثنائيات
يعني إما النسق
الغربي
كاملاً وإما
النسق
الإسلامي
التاريخي
كاملاً. فليست
القضية قضية
توفيقات
لفظية أن نقول
من جهتنا إن
كل ما عندكم
عندي ومن
جهتهم فيقولون
انتم الذين
تريدون
الإسلام من
اجل العدل
والحرية
والكرامة
فهذا عندنا.
تبلورت القضية
على أساس
الثنائيات
إما هذا و إما
هذا.
و تأكد
التناقض
الفكري الذي
حدث بعد الاستعمار
نتيجة
القومية
العلمانية
بطرح القومية
العربية وأنّ
على كل
التوجهات
الدينية أن تدخل
فيها، خصوصا
أنها اصطدمت
بالإخوان في مصر
وفي سوريا.
فالقومية
العربية كانت
مع علاقة
حميمة
بالإسلام أو
محاولة توثيق
العلاقة
بالإسلام حتى
عهد عبد
الناصر حين
تأكدت هذه
القطيعة.
أصبحت
القومية
العلمانية
ليس مجرد رأي
مطروح يناقش
على الناحية
السياسية، أو
عن طريق حزب
سياسي أو
انتخابات،
فقد قامت
ديكتاتوريات
ونظم عسكرية
أو غير عسكرية
قائمة على القهر.
و الإسلاميون
ليسوا قادرين
على السيطرة على
التركيبة
الاجتماعية
في الوقت الذي
ينظمون
مظاهرات في
الشوارع
بعشرات
الآلاف، لكن
تحريك الشارع
لا يكفي، وفي
النهاية لا
يقدرون على
الحصول على
أغلبية مؤثرة
في البلاد
التي كان فيها
انتخابات إما
للتزوير أو
غير ذلك. ولكن
حتى بصرف
النظر عن
التزوير،
الإسلاميون
في باكستان و
في مصر لم
يقدروا على
كسب أي انتخابات
فهذه نقطة، و
النقطة
الأخرى إلى
جانب هذا بدأ الكلام
عن الجهاد يضع
القوميين العلمانيين
في معسكر
الكفر،
وتتأكد
حكاية الكفر
والإيمان. إما
كفر وإما
إيمان، فهؤلاء
قبلوا
القانون
الأجنبي وهذا
واضح جداً في كل
كلام سيد قطب
أن الدنيا
معسكران : كفر
وإيمان، وأنه
لابد من
اصطدام، وأن
الحكم بغير ما
أنزل الله
كفر، والعالم
كله كافر.
وللأسف
لم نتنبه و
نحن نقول أن
هناك الإسلام
المعتدل
والمتطرف إلى
جذور التطرف.
و نتج من هذا
أن بدأ
التناقض
يزداد ومعسكر
الكفر يتبلور على
أن يدخل فيه
القوميون
العلمانيون و
من ناحية أخرى
شرع الإرهاب
يواصل خطته أو
خيوطه أو
جذوره مع الجهاد،
ويستفيد من
شيئ آخر مهم
جدا طُرح في
الساحة في وقت
من الأوقات هو
التصدي
للشيوعية و المد
الشيوعي.
فالإسلام و
الشيوعية
أصبحا هما اللذان
يتنافسان على
الشارع أو على
المثقفين
والعمال. و مع
التناقض
الفكري الكامل
بدأ تأثير
الحركات
الشيوعية و
أسلوبها
الثوري العنيف على
الناحية
العملية
للإسلاميين،
فاُضيف عامل
آخر في تشجيع
العنف أو في
تشجيع
اتجاه
استعمال
القوة و التي
تمثلت في بعض
المراحل
بالإنقلابات
العسكرية.
فبدأت
التركيبة
الإسلامية
الفكرية
والنضالية والحركية
تأخذ صورة
جديدة حتى
تأخذ جذور
الجهاد
وتحمله
بطريقة الصراع
الشيوعي
وتأخذ
القومية
العلمانية أو الزعامة
العسكرية
التي أتت بعد
ذلك ووضعتها في
خانة الكفار
الذين يريدون
أن يحكموا
بغير ما أنزل
الله. و يسند
كل هذا في
ظاهر الأمر
وفي حقيقته أن
هؤلاء كلهم
وليدو الغرب
فكريا ويشجعهم
الغرب سياسيا.
يشجعهم
سياسيا لأنه
مازال الغرب
إلى الآن يخاف
من المجهول
وهو الإسلام.
وأنا
أعتقد هذه
نقطة حقيقية
يعني يخاف من
الإسلام،
وخصوصا أن
الإسلام حمال
أوجه، يطلع منه
متطرفون
ويطلع منه
أناس
معقولون،
فترتب على هذا
أنهم يخافون
من الإسلام و
أقصر طريق
يقاوم هذا وهو
المقبول
عندهم و
الملائم مع
ثقافتهم هو
القومية
العلمانية.
فأصبحوا
يساعدون
القوميين
العلمانيين
سواء كانوا
ديموقراطيين
أو غير
ديموقراطيين
حتى عنصر
الديموقراطية
أزيل من
البحث،
فتبلور أيضا وتركز
التناقض
الإسلامي
والغرب،
وأخذت تتعمق
الهوة ما بين الالتزام
الإسلامي كما
يراه
الملتزمون
وما بين الفكر
الغربي
والقيم
الغربية فغاب
الأساس
الإنساني
للتواصل و
الذي يمثله
الإنسان "وجعلناكم
شعوبا وقبائل
لتتعارفوا"...
و حلّ التناقض
العقيدي الذي
بلورته عوامل
معينة في الطرفين
.
الرشاد
: متابعة على
السؤال الأول
يبدو أن الثقة
بالتفرد
الإسلامي
وبموافقة
الشروط
الموضوعية
لحفظ أصالته
وبنجاحه في
صياغة نمط
حضاري متميز
ومتمحور حول
الوحدانية في
كل أوجه
النشاط
الإنساني،
يبدو أن ذلك
يوهم أن الحضارة
الإسلامية لن
تتفاعل مع
الحضارات الأخرى
؛ فكيف نخرج
من تصوريين
خاطئين عن
هويتنا التاريخية
واحد يمسخ
الحضارة
الإسلامية على
أنها تجميع
لفتات
الحضارات
السابقة وآخر
يفترض
انعزالا
حضاريا تاما ؟
د. فتحي
عثمان : أنا
أعتقد أن
التواصل
الحضاري حصل
تماما في
أثناء ازدهار
الحضارة
الإسلامية
سواء في
المشرق
الإسلامي أو
في الأندلس، وانه
حدث بدون
مشاكل في ذلك
الوقت حتى لو
حدثت خلافات
بين الغزالي
وابن رشد، فهي
خلافات تنوع و
لم تصل إلى حد
التكفير. لاشك
أن الغزالي
هضم المنطق
اليوناني وهضم
كثيرا من
الفلسفة
اليونانية
ولذلك قال عنه
ابن تيمية أنه
دخل أمعاء
اليونان ولم
يعرف كيف
يخرج.
ولكنه لم
يقبل الاتجاه
الفلسفي
تماما كما فعل
ابن رشد ومن
ثم اختلف معه. و هذا لم
يؤثر على
الاتجاه
العام فكان مثلا
اتجاه
المرابطين
الاهتمام
بالفقه اكثر
ومعارضة
التصوف
وغيره، وكان
اتجاه الموحدين
الإهتمام
بتراث
الغزالي
والتصوف على
حساب الفقه.
كلها أشياء
ليس فيها
صدام، ليس
فيها ثنائيات حادة. و
مشكلتنا نحن
في إعادة
الحضارة الإسلامية
أو خلق حضارة
إسلامية
جديدة معاصرة
أن الحضارة
الغربية
قائمة و نحن
لا تعرف كيف
نفعل كما
فعلوا لأن
الطريق
الطبيعية أنك
تستوعب
الحضارة
القائمة
لتجدد فيها،
فالحضارة لا
تخلق في فراغ .
أما أن ينام
المسلمون ثم
يستيقظون
ويعملون
حضارة لهم
مختلفة عن
الحضارة
القائمة فهذا
طبعا لن
يتحقق. لا
يمكن أن يحدث
و لابد أن
تستوعب
الحضارة
القائمة. و
أظن أن
الإحساس بالتناقض
بدأ حين أصبح
يُنظر إلى
فترة التفاعل
الحضاري على
أنها انحراف .
الرشاد
: ماذا عن
الفترة
المبكرة إذا
تكلمنا عن
مجال تاريخي
أوسع،
الأمويين،
العباسيين
د.فتحي
عثمان : نعم
عرفت هذه
الفترة
انحرافاً في
فكر المذاهب
مع عزل الدين
عن الدولة
وإشعار الناس
بأن الدين
لازال سليما
والمدارس الفقهية
نتاقش وتجمع
في الاتباع. و
حدث كل هذا و ليس
هناك أحد يريد
أن ينبه الناس
إلى أن أصل الشيئ
منحرف وإن
الدولة غير
إسلامية،
فأبو حنيفة يرفض
القضاء كفرد
ورع، وليس على
أنه إدانة للدولة،
ومالك يُضرب
لأنه مصمم على
رأيه أو شيئ من
هذا القبيل و
ليس على أنه
يتحدى الدولة.
وإذا اعتبرنا
أنه يتحدى
الدولة أصبحت
كل الإنجازات
ساقطة في نظر
من يرى
أن الإسلام
السياسي هو كل
شيئ لأنها
دولة ظالمة.
وأنا أرى أن
كل هذه الأمور
كانت مصيبة،
لأنه مادام
الإسلام السياسي
هو كل شيئ
يبقى كل ما
تحقق
من حضارة
إسلامية لا
قيمة
له إطلاقا، و
لا ينكر أحد
أنه كان هناك
حكم مطلق،
وليس عندنا المرونة
التي كانت في
التاريخ
الأوروبي،
فالمسألة عندنا
مسألة عقيدية
بحتـة. المهم
سقطت هذه
الفترة من
التواصل
تماما من
الذهن وأصبحنا
نريد أن نعمل
حضارة لا
تتفاعل مع
الحضارات
الأخرى،
حضارة نتجت
وحدها.
وللأسف
نحن أدخلنا
حتى في أذهان
نعض الدارسين
من الغربيين
هذه القضية
بأننا نريد
شيئا ينمو في
داخل الفكر
الإسلامي
ذاته. وبذلك
كان محمد عبده
وغيره توفيقيون
أو تبريريون،
ودخلت كلمة
توفيقي أو
تبريري كذلك
عن طريق بعض
الأكاديميين
الغربيين الذين
يريدون أن
يوفقوا
أو يلفقوا ما
بين الحضارة
الغربية
والحضارة
الإسلامية ...
فقالوا نحن
نريد حضارة
تنمو من
الإسلام
وحدها ولا تجمع
فتات
الحضارات
السابقة. لكن
قديما، يعني أيام
العباسيين
وفي الأندلس،
لا أحد كان
يتصور أنه
يجمع الفتات،
كانوا
يتصورون
"الحكمة ضالة
المؤمن"،
الاتصال بين
الحكمة
والشريعة كانوا
يفهمونه على
أنه مجرى
إنساني لفكر
الإنسان نحو
الحق، أصابه
البعض من
أتباع الرسل وأصابه
البعض عن طريق
الفكر
والتفكير
المجرد، واخطأ
هؤلاء في
أشياء وأخطأ
هؤلاء في
أشياء.
هذه
المشكلة
أساسية وأدت
إلى فكرة
الانعزال الحضاري
حتى يتولد هذا
المولود في
رحم إسلامي
بحت وبعيد عن
أي مؤثر
أجنبي. وأصبحت
الحضارة أشبه
بالذي يريد أن
يتزوج امرأة
من نفس ثقافته
أو من نفس
دينه، ليطلع
الولد كذا أو
كذا، وعليه
ألا يتزوج
أجنبية
ويتعرض
لمشاكل
اختلاف الثقافات.
أصبح نفس لشيء
بالنسبة
للحضارة مع أن
الحضارة
بطبيعتها لا
يمكن أن تصنع
في الرحم كابن
آدم.
فكرة
الإسلاميين
عن الحضارة
الغربية
خاطئة مائة في
المائة و
يحكمها
تصور الثنائية
الحادة
المتقابلة،
لكن قبل كانت
الإنسانية
واحدة. حتى
دار الحرب
ودار الإسلام
لما تبحث عنها
في واقع الكتب
الإسلامية
تجدها محدودة
جدا وفي كتب
الفقه
المتأخرة حين
تنظر إلى أبي
يوسف وأبي
حنيفة تجد دار
الحرب عندهم هي
الموقع
الحربي
تقريبا
وبصورة أكثر
منطقة الحدود
الإسلامية
البيزنطية
وليس دار الحرب
كل أوروبا
والصين و آسيا
على أنهم غير
مسلمين! و قال
الماوردي
بدار العهد
التي هي بين
الاثنين وبعد
ذلك يمكن أن
ندخل عليها
العهد الضمني
أو غير
الرسمي.
التناقض واقع
الآن طبعا، و يجب
أن نرجع إلى
الأصل
الإنساني
((شعوبا وقبائل
لتعارفوا))،
((اختلاف
ألسنتكم
وألوانكم))،
و"الحكمة
ضالة
المؤمن".... وأن
كل إنسان يمكن
أن يكون عنده
شئ صحيح من
ساعة النفخة :
((وأشهدهم على
أنفسهم ألست
بربكم))،
((ونفخت فيه من
روحي)). كل واحد
عنده جذور
الإيمان أو
جذوره كامنة ،
وما دام ربنا
خلق العقل الإنساني
ومد العقل بكل
هذه القوة،
اختلافا عن كل
مخلوقاته
الأخرى، فلا
بد من الرجوع
إلى الأصل
الإنساني
الواحد، من
خلال المصادر
الدينية طبعا
لكن نصل إلى
هذه الفكرة
وتكون هي الركيزة
بحيث ننتقل من
الكلام عن
"المسلم" إلى
الكلام عن
"الإنسان".
الإنسان
المسلم في
نظرنا نحن هو
"سوبرمان"،
إنه هو أحسن
واحد ممكن.
لكن يبقى
"الإنسان"
بطبيعته
وخصائصه هو
الأصل، من
أجله خلقت
الأرض وأسجد
الله له
ملائكته. فلنرجع إلى
الإنسان أصلا
ونبتدأ نقرأ
القرآن
والسنة بهذه
الوجهة. نحن
عندنا ميزة "الوحي"
وهم عندهم
ميزة النهضة
الأوروبية والتنوير
وكل التطور
الأوروبي
الحديث.
أنا لا
أريد أن نكرر الصراع
الدائر في أمريكا
ما بين
العقلية
الثقافية
العامة الإنسانية
التي تريد أن
ترى التراث
الإفريقي والتراث
الصيني
والتراث
الأسيوي، ومن
جهة أخرى
العقلية التي
ترتكز على
المركزية
الأوروبية،
فيجب ان نخرج
من المركزية
الأوروبية
وغيرها ونرجع
للـ"إنسان" ، وسنجد
أشياء كثيرة
في الفكر
الغربي تؤيد
هذا الاتجاه ،
وفيه أشياء
كثيرة في
المصادر الدينية
من الكتاب
والسنة وفي
الفكر
الإسلامي
أيضا وفي
التجربة
الإسلامية
الحضارية ما
يؤيد هذا.
موضوع
الوحدانية في
كل أوجه
النشاط الإنساني،
أنا عندي
صعوبة في
فهمه. أنا
أعتبر أنه بالعكس
التنوع في كل
شيء هو الأصل....
أنا أعتقد أن
الوحدانية أو
التوحيد لله
يتفرد به
سبحانه ((ليس
كمثله شيء)) لا يوجد
واحد إلا
الله، وكل ما
عدا الله فهو
متعدد.
الإنسان
عنده أنشطة
متعددة،
البشر
مختلفون، مجالات
الحياة
متعددة .
أحيانا من اجل
التوحيد نقع
في إشكال
لفظي: توحيد
الأمة، توحيد
العالم،
الوحدة
السياسية،
الوحدة
الثقافية،
وهذا كله لن يحصل
((ولا يزالون
مختلفين إلا
من رحم ربك
ولذلك خلقهم))
. بمعنى
خلقهم للرحمة
وهي تتحقق
بالمنهج
الفكري
والخلقي الذي
يتعاملون معه
في ظل هذا
الاختلاف؛
هذه هي رحمة
الله للعالمين،
هي كيف نتعامل
في هذا
الاختلاف.
فالوحدانية
أن يكون لك
التزام و أن
تكون لك وجهة.
الوجهة الواحدة
نحو الله أو
أن يكون الله
هو القبلة و
هو المرجع في
التقييم وفي
المراقبة في
كل التصرفات،
هذا مُسلم به،
وكل الأمل أن
الناس لما
يكون عندهم
وجهة لشيء
واحد، طبعا المسلمون
أولا قبل
غيرهم ، سيضيق
الاختلاف أكثر
و سيقل لوجود
معيار
يتحاكمون
إليه. لكن
الاختلاف
نفسه لن يزول لأنه
سيستمر ما بين
المسلمين
وسيستمر بين
المسلمين
وغيرهم
وسيستمر بين
الإنسان
ونفسه كفرد أو
كرب أسرة أو
كعضو في
المجتمع أو مواطن في
دولة.
فالنشاط
الإنساني
سيظل متعددا
ولكن منظومة
القيم التي
توجهه تصدر من
الله . فهذه هي
صياغة النمط
الحضاري. ولو رجعنا
فيه إلى الإسلام
سوف يختلف
الناس طبعا
ولن يجتمع
المسلمون حتى
على ما هو
الإسلام:
الإسلام
الصوفي، السلفي،
الإسلام المذهبي،
الإسلام
الحركي...
و لن يتم
الإجتماع على
أي إسلام
معين، فإن
علينا أن نرجع
للإنسان على
الأقل هو
الشيء
المشترك. لماذا أنا
أريد
الإسلام؟
ولماذا نزل
الله سبحانه
وتعالى
الأديان؟
لصالح هذا
المخلوق، لا لأنه
سبحانه
سيستفيد
شيئا، لأن
مشكلتنا هنا هي
التفسير الحرفي
((وما خلقت
الجن والإنس
إلا ليعبدون)).
فالعبادة هي
الأصل وهي
الهدف، ولكن
هذه العبادة
هي لصالح
الإنسان، لأن
الله غني عن
العالمين: "لو
أن أولكم
وآخركم...
اجتمعوا على
قلب أتقى رجل
منكم ما زاد
ذلك في ملكي
شيئا".
فأنا
يبدو لي أننا
نحتاج إلى أن
يكون كل هذا
نصب أعيننا
وفي أعماق
نفوسنا
وعقولنا ليكون
القاسم
المشترك أو
الأرضية
المشتركة لنا
في حوارنا مع
الغير حتى في
حوارنا مع
أنفسنا هو
الإنسان. وكل
مفكر تجده
معقولا أو
مقبولا من الغير
حتى لو تكلم
عن الإسلام
بقدر ما يكون
قادراً على
مخاطبته
للغير. مر بنا
مثال جمال
الدين
الأفغاني، لو
ضربنا مثلا في
الحاضر بإقبال.
لماذا كان
إقبال مقبولا
اكثر من كثير
من
الإسلاميين ؟
لأنه يتكلم من
منطق فكري عام
والفكر العام
الإنساني هو
الذي يجمع
الناس كلهم.
والعناية
بالتاريخ
باعتباره
تاريخ البشر وتاريخ
الإنسانية
ليس تاريخ
المسلمين
وحدهم.
وأنا أعتقد
أن مالك بن
نبي يمثل إلى
حد ما إقبال
في نطاق
الثقافة
المكتوبة
بالفرنسية . و
من المشاكل
التي يتكلم
بها الغربيون
في نقد
المسلمين هي
أن القرآن طغى
على العقل الإسلامي.
فالاقتباسات
كثيرة جدا من
النصوص لدرجة
أن الذي يريد
أن يقرأ ولا
يعرف القرآن
ولا يعرف
الحديث يتعب
في الفهم.
فالمهم أنه لا
بد أن نرجع
إلى الإنسان
وإلى الفكر
الإنساني ونؤنس
الفكر لأن
نؤنسه من
العالمية ليس
من العلمانية.
وقد يكون
مما يوضح هذه
المشكلة أن
ترى واحداً من
الإسلاميين
من الذين
عاشوا في
الولايات المتحدة
ثلاثين سنة لا
يستطيع أن يخاطب
جمهورا
أمريكيا في
قضية
اختصاصية من
منظور مشترك
مع غير
المسلمين كمشكلة
في الطب أو
مشكلة في
التعليم أو
الاقتصاد،
وهذه حقيقة
بسيطة جدا تدل
على عزلتنا
الثقافية و حتى
المهنية. كم
معلم مسلم عضو
في نقابة
المعلمين
الأمريكية
يعرف شيئا عن
نقابة
المعلمين الأمريكية
ويقرأ جريدة
المعلمين
الأمريكية،
عارفا بالأحداث
الموجودة. كيف
يحصل التلاقح
مع الغير ؟
أنت لست
الغير، أنت
عزلت نفسك
تماما عن الغير
وعن مشاكل
الغير وعن
مصائب الغير.
حتى أحيانا
تشم رائحة
الشماتة من
وجود
"الإيدز" والانحرافات
والفساد وما
إلى ذلك.
ونحن لا نشعر
و لا تتقطع
قلوبنا أبدا
لأي مصاب يصيب
غير المسلم،
ونعتقد أن هذه
من لعنة الله
لهم أو من انحرافهم
عن قيم الدين
والأخلاق. و أرى
أننا ما زلنا
عاطفيين أو
سطحيين في
تأييد الديمقراطيين
أو تأييد
الجمهوريين و
ليس عندنا
رؤية لخطاب هذا
الجمهور غير
المسلم أو كيف
نختار له
الخير و ندفعه
باتجاه قيم
العدل.
ولذلك أنا
أعجب جدا بابن
بطوطة الذي
عرض عليه
القضاء في
رحلته إلى
مناطق غير
مسلمة تماما وعاش
قاضيا في
إفريقيا ما
بين غير
المسلمين ليحكم
بمبادئ العدل
العامة.
و الجويني قال
ماذا يحدث لو
أن الشريعة
الإسلامية
اندرست معالمها
في منطقة من
المناطق ؟
فقال يكفي أن
يعلم الناس أن الله
يأمر بالعدل
وأن يكون التعامل
عن تراض منكم،
وينهى عن أكل
أموال الناس
بالباطل، إذن
هذه ثلاثة
مبادئ يراها
كافية للتطبيق
بدون الشريعة
كلها لو لم
يوجد علماء شريعة.
و قد كان
ابن القيم
رائعا لما قال
إن الله لم
يرسل رسله وما
أنزل كتبه إلا
ليقوم الناس
بالقسط. رائع
هذا الكلام
لأن رسالة
الله هي القسط.
و الحالة التي
نحن فيها الآن
غريبة في مخالفة
هذا التفكير.
فلا بد أن
نرجع إلى أصل
هذا التفكير.
ونحن نجد
أن السلفيين
مثلاً ابتداء
من ابن تيمية
وابن القيم
ومرورا بمحمد
ابن عبد
الوهاب
وانتهاء
بأمثال ابن
باز ، أنهم في
العبادات
والأحكام
الشرعية
المتعلقة بها
ميسرون إلى
أبعد الحدود ،
وفي العقيدة وبعض
الأمور
الاجتماعية
مشددون .
فهناك مرونة
في الصلاة،
الصيام، في
الحج، لكن إذا
قيل أن المرأة
يمكن ألا
تتنقب أو يمكن
تقود السيارة،
تقوم الدنيا
وكأنها نهاية
الدين. فما هي
الأولويات ؟
وما هي الأسس
في هذا الدين
الذي من أجله
نجتمع مع
الناس ؟
فأنا أظن أن
هذا شيء أساسي
لكي نتحاور مع
الحضارات
الأخرى
و يزول منا ما
يعوقنا عن استقبال
الحضارات
والتعامل
معها. فأنا
ليس عندي مانع
لأرى أي فكرة
مهما بدت شاذة
من ناحية
قيمي.
فنقطة البدء
ليس كيف نطبق
الإسلام على
جمهور يخالفنا
في بعض القيم
؟ إنما نقطة
البدء كيف
يكون الخير،
كيف نحقق
الخير لهذا
الجمهور ؟
فهذا يحتاج
إلى ترتيب
أولويات و أن
تكون هناك
نقاط التقاء،
إذ من غير
الممكن أن
نرفض التعامل
مع الآخر لأجل
الخلاف في
القيم،
لأنه محكوم علينا
أننا نحن
البشر في قلب
قارب واحد...
فأنا أعود
إلى ما قلته
أولا الفكر هو
الأساس نحن
خلافنا مع
الغرب خلاف
ليس لمجرد الاستعمار
أو لخلاف
مصلحي، نحن
عندنا معه
خلاف فكري
يتبلور
ويتعمق، بحيث
أنه غطى على
المصالح
المشتركة بحيث
حتى الذي يرى
ضرورة
التعاون مع
الغرب يحاول
أن يخفف من
الخلاف
الفكري لكن لا
يلغيه ولا
ينكره، فإنه
ليست المصالح
هي التي
تتناقض على
أساس انهم
مستعمرون و
مستغلون بل
الأساس في
التناقض فكري
عقيدي يتعمق
لغاية ما أصبح
أنه يمثل
الكفر بعينه.
الرشاد
: بهذه المناسبة
تذكر اليوم
قضية
"الأكسدنتلزم" (Occidentalism)
و يقال
أن مشكلتنا هي
ظهور نزعة رفض
لقيم الغرب
الأصلية ورفض
لقيم الفرد
مقابل قيم الجماعة
وفيها نزعة
الديانات
الشرقية ، بما
فيها الصين
واليابان، . فإلى
أي حد جاء طرحنا
من باب العكس
و التمحور ؟
د.
فتحي عثمان :
الحقيقة إذا
رجعنا إلى
الإنسان
فسنجتمع على
أن الإنسان
جسد وروح و له
مطالب ما وراء
الجسد وهذه قد
يتفق عليها
الجميع سواء
دعاة القومية
أو الوطنية أو
الإله أو
الأخلاق أو "النرفانا"....
أيا كانت
المبادئ
فمعظمها يقول
إن هناك شيء
وراء الجسد. فلو
رجعنا للإنسان
كإنسان وقلنا
إن الإنسان هو
مقياس الأشياء
كلها ورجعنا
إلى ما يجمعه
الإسلام من
العناية
بالدنيا
والآخرة
وبالجسد
والروح لزال الإشكال
مع هؤلاء، و
لكن مشكلتنا
أننا وضعنا الآخرة
هي الأساس أما
القرآن فيقول
((من كان يريد
الحياة
الدنيا
وزينتها نوف
إليهم أعمالهم
فيها وهم فيها
لا يبخسون))
ويقول ((كلا
نُمد هؤلاء
وهؤلاء من
عطاء ربك وما
كان عطاء ربك
محظورا)).
موضوع عطاء
ربك، موضوع
الدنيا
ألغيناه بتاتا،
بحيث أننا
اعتبرنا أن
الإنسان الذي
يفكر في
الدنيا مشوه
العقل و
نعتبره ناقص
الإنسانية
وعلينا أن
نرشده
ليكمل...نحن
اعتبرنا كل
هؤلاء أعداء،
إنهم بشر
ممسوخون! النتيجة
أنه ليس هناك
علاقة
بهؤلاء.
"خطاب
الغير" قضية
أساسية، وأنا
يبدو لي أن كل الحركات
الإسلامية في
حاجة إلى
موضوع كامل اسمه
"خطاب الغير"
من الناحية
الفكرية، من
الناحية
النفسية ومن
الناحية
الاجتماعية. فالغير
في المنظور
الإسلامي و في
أيام الأمويين
والعباسيين
كان موجودا
وله وجود
حقيقي، كان المسلمون أقلية
قبل التعريب
وقبل انتشار
التعريب، كان
المسلمون
أقلية عرقيا
ودينيا.
لماذا إلى
الآن نحس أن
مسلمي الهند
غالبا واسعي
الأفق - إلى حد
ما- عن مسلمي
باكستان ؟ لأن
الهندي عليه
أن يعيش مع
الغير، هذا
محتوم عليه،و
تجد تفكيره
واتجاهه إلى
أن الغير لازم
و من طبيعة
الحياة و سوف
لا يفكر يوما
من الأيام أن
حياته كمسلم
لاتكمل حتى
يسلم
الثمانمائة
مليون أو
السبعمائة
مليون
الآخرين. إنما في
الباكستان
عنده أغلبية
مسلمة.
فنحن نشأنا
في العصور
الحديثة على
رفض الغير
وتجاهله. وعلى
واقع إننا
نعيش في بلاد
فيها أغلبية
مسلمة، نحن
نتكلم مع
بعضنا البعض
ولا نكلم
الغير. وليس
هناك حركة
إسلامية بدأت
تهتم بالغير
اهتماما حقيقيا
غير اهتمام
مجاملات. لكن
المهم أن نقول
للآخر ما
نصيبك أنت في
هذه الدولة
حين تكون الدولة
مسلمة: قضية
انتخابات،
قضية الترشيح،
قضية
التشريع...
فأول مشكلة
عندنا أنه
لابد من
الرجوع إلى
الإنسان
والرجوع إلى
الإسلام الذي
يجمع ما بين
الدنيا
والآخرة
والجسد والروح
ونخاطب الناس
على هذا
الأساس.
نحن
نعتبر
الحضارة
الغربية
حضارة كافرة
وأحسن من هذا
أن نعتبرها
حضارة قاصرة،
نرضى بكل
الكفايات المتوفرة
عندهم عقلية
ونفسية وعلوم
واجتماعية
وبحث وإحصاء
واختراعات
التي ترضي
جانباً معيناً
من الإنسان و
تهمل الجانب
الآخر، ولذلك
يطلع عندهم
اتجاه
"اليوغا"
واتجاه
التأمل (meditation)
ويحاولون
تعويض جانب
النقص الروحي
بأي طريقة. وعلينا
أن ندرك هذا
في خطابنا لهؤلاء،
لأن خطابنا ما
زال غير
إنساني.
الخطاب
الإسلامي
متجه إلى
المسلمين
معتبرا الآخرين
كلهم كفارا،
إن لم يكن
صراحة فضمناً في
أعماق النفس
ونتعامل معهم
على هذا
الأساس. فأنا
أعتقد لو
رجعنا إلى
الإنسان
برجوعنا إلى
شمولية الإسلام،
ولو رجعنا إلى
خطاب إسلامي
من نوع خطاب
جمال الدين و
إقبال الذي
يعرف كيف
يخاطب الإنسان
كإنسان حتى
حين يتكلم عن
الإسلام إذ يراعي
اختلاف
الظروف
الثقافية
الحضارية. يمكن أن
نجد حلا لهذه
الثنائية
الظالمة
المتمثلة في:
إما
الإستغراب
وإما الإستشراق. و لا بد
من أن نسلم
بأن الإتجاه
المعتدل شيئا
ما بدأ يتوفر
عند الغربيين
بصورة أكثر
بحكم الحرية
الفكرية
الفردية سواء
سياسية أو غير
سياسية و في
ظل الجو
السياسي الذي
يريد مصالحة
المسلمين أو
التمسك
بالموضوعية
أو
الأكاديمية وأخيرا
مراعاة
العولمة، ففي
ظل هذا الجو
تكلم بعضهم
كلاما لا بأس
به عن
الإسلام.
لا بد
أن نرجع إلى
الإنسان
وخطاب الغير
وإلى الإسلام
في شموليته
الجسد
والروح،
الدنيا والآخرة
فهذا هو
الأساس الذي
يجعلنا نرد
المستغربين
النافرين من
الدين عموما
أو من الإسلام
خصوصا بأن ما
قد يظنوننه
ليس هو
الإسلام. وليسترجع الإسلاميون
تاريخهم وكيف
أن الرسول
استقبل نصارى
نجران في
مسجده وأباح
لهم الصلاة
فيه. و ليس
هناك أحد عنده
استعداد لمثل
هذا الآن و لا
يمكن أن يأتي
عندنا شخص
ويقول كما قال
للرسول شخص:
أنا ليس لي
صبر على تأدية
خمس صلوات، هل
ممكن أن اصلي
صلاة واحدة ؟ أو ليس
لي صبر على
الجنس ؟ .... مثل
هذا غير وارد
إطلاقا عندنا،
فطبعا علينا
أن نُعَود
أنفسنا ونثقف
أنفسنا.
أعتقد
أن الرجوع إلى
شمولية
الإسلام و أنه
من اجل
الإنسان أرسل
الله الوحي
وأنزل الكتب و
ليس العكس هو
الذي سيحل
الأزمة.
فموضوع أن
العبادة
وسيلة لصنع
الإنسان
الفاضل الواسع
الأفق هذه
نقلة خطيرة
جدا في تصورنا
للعالم
وللآخرين.
فالخطاب
الإسلامي
ينبغي أن يبنى
بالنسبة
للمسلم و لغير
المسلم أنه
خطاب للإنسان
كإنسان وأن
الإنسان هو
الأساس .
الرشاد
: الدكتور
فتحي، هل
تعتقدون أن
الجمهور
المسلم
يمشي باتجاه
التمحور حول
المظالم الواقعة
به إلى درجة
تفقده شعور
الواجب
وتستغرق جهوده
في لعن
المصائب؟
د.
فتحي عثمان :
نعم إلى حد
كبير هذا صحيح
وربما وصل
الأمر إلى
أكثر من هذا،
إنه لا يلعن
المصائب ولكن
يساير الحياة
اليومية
بمظالمها وكأن
المظالم
أصبحت جزءا من
طبيعتها
كشروق الشمس
وغروبها،
فلعن المصائب
قد يفهم على
أنه كراهية
أوضاع وطلب
أوضاع!
بالنسبة
لكثير من
المسلمين
صارت هذه هي
الحياة
العادية
والحركات
الإسلامية في
نظري ربما
نجحت طبعا في
مواجهة
الواقع
المتعب الذي يكد
الناس، و لكن
هذه الحركات
كانت أول ما
ضُرب،
بالإضافة إلى
عدم وضوح
الرؤية مما
أدى إلى حصر
تأثير
فاعليتها
بملتزميها،
بحيث أصبح
هناك قلة على
وعي بالمظالم
و قلة أقل
تتطلع إلى
تغييرها أو
المشاركة في
تغييرها وقلة
من أقل القلة
تؤمن بالعنف
والتغيير
بالعنف، وأما
الكثرة فهي
تساير الحياة
اليومية وكأن
هذا جزء منها.
ويبدو أن
تتابع
الأحداث
وتتابع القهر
على البلاد
العربية سواء
من النظم الانقلابية
أو من الحكام
أو من
الملكيات أو
مختلف الظروف
السياسية
جعلت هذا أمرا
واقعا و أصبح
الإيمان
بالقدرة أو
الأمل في
القدرة على
التغيير
محدودا ،وكما
كنا من قبل
وفي خلال
التاريخ
الإسلامي من
عدم القدرة
على التغيير
صار التصوف هو
الملاذ
و أصبح
المسلم يواجه
المواقف
بسلبية.
أما
التفكير
الأوسع في أن
الأمر يحتاج
إلى تصحيح
فكري والى
تصحيح عقيدي
وإلى تغيير
حياتي والى
اجتماع على
هذا، لا أظن
أن أحدا يأخذ
الأمور بهده
الخطورة أو
بهده الجدية .
والذين
يكتبون فيما
يجب أن يكون
عليه فهم
الإسلام أوفي
الإسلام
عموما يؤكدون
الآن على
الحرية و حقوق
الإنسان .... هذا
لا أجد له صدىً
في الشخص
العادي
المسلم . و
أعتقد أن المشكلة في
الجمهور
المسلم هو أنه
قد كُبِت فيه
التوجه
للإسلام الذي
يخاطب الانسانية
كافة و التوجه
للعناية
بالمشاكل
العامة .أنا أظن
أن هذا ضرب في
الصميم وأصاب
السهم الهدف،
فقد كان كل
فرد عادي حتى
الأمي في فترة
من الفترات
مسيَس من أجل
القومية أو من
أجل الماركسية
أو من أجل
الإسلام أو من
أجل إصلاح
الحال. المهم
السياسة هي
الانشغال
بالشأن العام.
و جاءت النظم
الشمولية
القهرية
لتضرب التسيُس
في الصميم.
فأصبح نتيجة
هذا إما يأس
أو انشغال
بالشأن
الفردي، وفي
كل إنسان درجة
من الأنانية
يمكن أن
تستيقظ بمجرد
نوم الأمور
العامة
والشؤون
العامة.
النتيجة أننا
نعتقد أن الجمهور
المسلم
بالإضافة إلى
عدم وضوح
الرؤية و غياب
الوضوح
الفكري، ليس
هناك أحد ينير
للناس طريق
التخلص من هذا
و أن هناك
طريق غير طريق
العنف و خاصة
أن هناك كثيرا
من الحكومات
لا تسمح
بالتجمعات
السلمية و لا
الأحزاب أو
الجمعيات. و
كثرة الكلام
عن التطرف
تجعل الإنسان
المعتدل يخاف
وكما يقال:
"اضرب المربوط
يخاف السايب"
، فضرب
المتطرفين
جعل كل إنسان
يحاسب نفسه
على التفكير
في الأمور
العامة ويجد
انه إذا اهتم
بشؤونه
الخاصة و
أسرته و أولاده
أن هذا يكفي.
فأظن أن الشأن
العام ضُرب
أولا والشأن
الإسلامي ليس
فيه وضوح
رؤية، فنتج من
هذا بدلاً من
التمحور حول
المظالم الاستغراق
في الحياة
اليومية و
اعتياد
المظالم .