قيم المجتمع الأمريكي: نحو فهم الآخر

مازن هاشم*

 

أثار طرح صموئيل هنتنغتون " تصادم الحضارات " جدلاً عريضاً على الصعيدين السياسي و الأكاديمي ، و أصبح كتابه اليوم شائع التداول لأنه اعتبر مفسراً للأحداث العالمية. و قد رد عليه الكثير من الكتاب و أثارت الردود جولة أخرى من الردود ، وليس من غرضي أن أستعرض هذا السجال العلمي بل غرضي أن أسجل نقطة منهجية أجعلها مدخلاً لما أريد أن أطرحه في هذا المقال.

إن مشكلة رئيسية في طرح هنتنغتون تكمن في الخلط بين مستويات التحليل . وذلك لأن فكرة وجود أنماط حضارية متمايزة ليست فكرة جديدة ، و النموذج الحضاري يوجه الفعل الحضاري باتجاهٍ ما و يعطيه طابعه و صبغته فيتجلى ذلك في الأدب و الفن و المعمار و غيرها . فالنموذج الإغريقي مثلاً يفترق بشكل واضح في فنونه و آداب أهله عن فنون و آداب الحضارة الصينية أو الحضارة الإسلامية وأهلها. وإنه أذا كان هذا واضحاً ومفهوماً فإنه يجب الإنتباه إلى أن مفهوم النموذج الحضاري مجرد واسع الإستيعاب و لا يمكن تصويره كمعمل للتعليب الثقافي . فالنموذج الحضاري الواحد ينتج تجليات متعددة ، فالصوفية و الفقهية القانونية مثلاً نشأتا ضمن مناخ حضاري واحد و كذلك الرواقية و النفعية كذلك نشأتا في مناخ حضاري مختلف آخر .  أي أن القول بتميز النموذج الحضاري لا يمنع  من وجود التنوع (المتباعد في ما بين أشكاله أحياناً) ، وإن كان هذا التنوع ذاته ينصبغ أيضاً بصباغ مستمد من خصوصية حضارية .

و انطلاقاً من هذه الملاحظة فإني أشير إلى ثلاثة إشكالات منهجية في طرح مفهوم تصادم الحضارات: الأولى هي الإغفال الكامل للتنوع الداخلي ضمن كل حضارة ، و الثانية تكمن في رحابة مفهوم الحضارة و شموله بحيث لا يصح معه الاهمال التام للتلاقح بين الحضارات، و الثالثة  - وهو ما يهمني في هذا المقال - استخدام هذا المفهوم التحليلي لتفسير ظاهرة على مستوىً آخر . و هنا لا بد من بعض التفصيل .

إن لكل مفهوم تحليلي دائرة أو مجال يصح استخدامه فيها، و لا يصح تعميم النتائج المتعلقة بمجال ما لتشمل أموراً متعلقة بظاهرة أخرى في مجال آخر . فلو طورنا مفهوماً حول كيفية انتشار الجراثيم و تكاثرها في الدم فإنه لا يصح على الإطلاق أن أستخدم هذا المفهوم لتفسير انتشار الجراثيم في بيت المريض . و لو طورت مفهوماً لتفسير الصراعات الإثنية فلا يصح استخدامه لتفسير الخلافات الأسرية ، و لو و قعنا على بعض التشابه بين هذين المسألتين فإنه يعتبر تشابهاً عابراً لا يستقيم به التفسير العلمي وإن كان يمكن إيراد ذكر التشابه على سبيل المجاز و تقريب الفهم . و على هذا فإنه يصح أن يطرح مفهوم التباين الحضاري كتفسير للتوجهات الثقافية أو النمط السياسي والاقتصادي العام  ، و لكن لا يصلح أن يستخدم في تفسير الفعاليات والوقائع العملية السياسية والاقتصادية الخ.   ولكن يمكن تعقب أوجه التباين بين نموذجين حضاريين في أمر ما لدراسة الأبعاد التي يدخلها في حسابه كل منهما وشدة التركيز على هذا الأبعاد .  وحين يلتقي نموذجان حضاريان في مسرح تاريخي واحد فالذي يحدث عملياً ليس التنافر المطلق بل التلاقح و التأثير البطيء المتبادل علاوة على التنافر .

والخلاصة أن الذي لا يصح منهجياً هو استخدام مفهوم الحضارة لتفسير صراعات سياسية أو تنافس اقتصادي (محلي أو إقليمي) مع تجاوز تحليل أفعال و تصرفات المؤسسات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية* و أثر ذلك على إدارة الصراع ، ولا سيما إذا وصف بالحتمية . والتخالف الحضاري قد يشير إلى شهوة الصراع واستساغته أكثر من الأسباب الداعية له والموصلة إليه.  و لا يخفى أن نغمة صراع الحضارات تُعجب السياسي أحياناً لأنها تعطي المبرر الأخلاقي لأفعاله الناشزة ، كما تجدر الإشارة الى أن معظم أدبيات الحركة الإسلامية تقع في هذا الفخ المنهجي فيطرحون التاريخ طرحاً مؤدلجاً مثل ما يفعل غيرهم .

*        *        *

و أحب في هذا المقال أن أعالج مسألة سوء التفاهم الثقافي بين الثقافة الغربية و الثقافة الإسلامية ،  مع الإدراك الكامل للتنوع الشديد في كليهما . و سأتعرض بالخصوص للثقافة الأمريكية محاولاً تشخيص قيمها كما تراها هي نفسها، و هذا ليس من باب الدعاية لمن لا يلزمه مزيد دعاية بل من مدخل منهجي يحاول أن ينظر إلى الثقافة من داخلها و يفهم أفراد القيم ضمن منظومتها من غير إقحام مسبق لمعيارية من الخارج . و لذا فإني سوف أعمد هنا لشرح القيم الاجتماعية الأمريكية للمساعدة على فهم المنظومة الثقافية من غير محاولة التقييم أو التفنيد .  و إذا كان المسلم يشعر أن الغرب يسيء فهمه و فهم قيمه فإن ذلك مبني جزئياً على فهم الغرب لنفسه و خياله عن ذاته ، أي أن فهم التركيبة القيمية الأمريكية وكيف تنقدح في ذهن ونفس أهلها تساعد في فهم عجزهم عن فهم شعوب العالم الاخرى .

و سوف أعتمد هنا تصنيفاً للقيم الأمريكية كان قد اقترحها ويلسون عام 1970  و الذي مازال يستخدم كمادة تدريسية ، مؤكداً رغبتي في التجرد وإثبات رأي الآخر .  وأنبه ابتداء أن مدخل القيم لا يمكنه تفسير كل شيئ في حياة المجتمعات ، بل لا يمكنه تفسير أي ظاهرة بتمامها ، وجلّ ما يقدمه هو وصف التوجه العام (مثله مثل مفهوم الحضارة) وكيف يصبغ الأمور ويؤقلمها ، وبالتالي فإنه قد لا ينطبق على كل أفراد المجتمع. كما أنبه أنه كثيراً ما يكون هناك تناقضاً بين القيم التي يدعيها مجتمع ما، وتتجلى الخصوصية الثقافية في كيفية التعامل مع هذا التناقض .

الفردية و الحرية

تشتهر هذه الخصلة بأنها تميز الأمريكي و تعد صبغة أساسية في كيانه الإجتماعي  و تطبعه بنفور من أي ضابط أو قيد ، و كأن صورة القارة الكبيرة التي تفسح المجال لكل فرد أن يفعل ما يشاء دون اكتراث بالآخر قد تجسدت في قيمة عليا  لما يجب أن تكون عليه الأمور في أي مجال و على أي صعيد .  و يحسن تتبع انعكاسات هذه القيمة المجردة في مجالين أولهما مجال عام يتعلق بالنظر نحو دور الحكومة في الحياة العامة و الآخر مجال خاص يتعلق بالعادات الأسرية .

و معروف أن الأمريكي يراوده الكثير من الشك في الحكومة و الحاجة إليها ، و يميل إلى ضبط الأمور من غير تدخل كبير من (العم سام) . و يشهد لذلك الميل الكبير إلى تأليف الجمعيات اللاربحية حيث يصعب أن يتخيل المرء نشاطاً أو هوايةً أو اهتماماً ليس له جمعية تضم مجموعة من المهتمين . و لا يقتصر ذلك على الهوايات الشخصية و الإهتمامات الإجتماعية  بل يتعداه إلى قضايا كبرى سياسية أو اقتصادية أو علمية حيث ترى هذه الجمعيات نفسها رديفاً ضرورياً للحد من سلطة الدولة و تدخلها في شؤون المواطنين . أما السلطة فإنها بطبيعة الحال تحاول مدَّ نفوذها و إطلاق صلاحياتها ، و لكنها تجد نفسها بحاجة إلى تلك الجمعيات اللاربحية.  والذي جرى أن تركيز هذه الجمعيات على اهتمامات خاصة أورثها خبرة عالية و معرفة تقنية متقدمة لا تستطيع الحكومة الاستغناء عنها . و انقسمت الجمعيات في علاقاتها المتبادلة مع السلطة إلى قسمين : القسم الأول يتعلق بالهوايات و الخدمات الإجتماعية والتي تحددت علاقتها مع الحكومة بأن تعفى من الضرائب مقابل ما تقوم به من خدمات ترفع بعض العبء عن كاهل الحكومة أو تبرر عدم اكتراث الدولة بالنهوض بهذه الخدمات . وقد ساهمت هذه الجمعيات في استيعاب المشاعر الإنسانية – دينية أو علمانية – فتأسست منظمات خيرية لمساعدة الفقراء والمنكوبين في فترة الوهدة الاقتصادية الكبرى مثل منظمة (جيش الخلاص Salvation Army) ، أو مؤسسات ترفيهية رياضية مثل المؤسسة الشهيرة (YMCA) بقصد تخفيف وحشة المدينة على المهاجرين من القرى و من خارج أمريكا.  ويمكن أن ننظر إلى هذه الجهود على أنها نوع من المأسـسة للأبعاد الخلقية بحيث يتوقع من الحكومة أن تتحرك وفق الأبعاد المصلحية البحتة مقابل تخصص الجمعيات بتقديم "خدمات" أخلاقية .و قد تطالب هذه الجمعيات الحكومة ببعض الاصلاحات بين الحين والآخر، ولكن معظمها لا يشكل تحدياً خطيراً على الحكومة باستثناء التي تتبنى فلسفات اجتماعية مغايرة.  ويذكر هنا أنه ساهم وجود هذه الجمعيات في ترسيخ الفئوية الأخلاقية في أمريكا ، فلم يعد هناك مصدرا واحدا يمثل الضمير الجماعي .

و أما القسم الآخر من الجمعيات اللاربحية هو المؤسسات المهنية التي تهتم بالمسائل الفنية والتي شكلت علاقة مختلفة مع الحكومة.  وذلك أنها لم تحظ بالإعفاء الضريبي فقط بل أصبحت تمول بالمنح و الأعطيات من الدولة للقيام بالبحوث و الدراسات . و يدخل تحت هذا القسم عدد كبير من الجمعيات العلمية في الطب و الهندسة و البيئة و الفيزياء و كثير من جمعيات الدراسات السياسية و الإقتصادية و التي أصبحت تعدّ خزانات فكرية (think tank) .

والخلاصة أنه قد تطورت العلاقة بين هذه الجمعيات و بين السلطة إلى علاقة تناغم و دعم متبادل انعكست على المستوى الفردي في تأكيد شعور الفرد و ممارسته لحرية الحركة في جو يتيح له أن يتبنى الفكرة التي تحلو له و أن يدافع عنها و أن يفسح لها مجال للوجود و التعبير على المستوى العام مهما كانت خصوصيتها .  وعلى المستوى المجتمعي فإنه أصبحت الحكومة ذاتها تعتمد على هذه الجمعيات لتطوير حلول لمشاكل تواجهها ، ويعدّ هذا الأمر من أهم مصادر المعقولية في تنظيم الحياة الأمريكية والذي أعطى تصريف مجرى الحياة مرونة غريبة .  وأضرب مثالاً أن المنظمة اللاربحية نادي السيارات الأمريكي المشهور بالـAAA ( ومهمته الرئيسية تقديم خدمات معلوماتية وعملية للمسافرين ، والتي تضمنت فيما بعد توفير تأمين ضد الحوادث) له صلاحية تجديد لوحات السيارات والتي تتولاها أصلاً مؤسسة حكومية.  و مثل هذا التماهي بين القطاع المدني والحكومي غريب من نوعه في الدولة الحديثة ، و ربما تتفرد فيه أمريكا .

هذا فيما يتعلق بالحياة العامة ، فإذا انتقلنا إلى الحياة الخاصة فنرى أنه تتجلى قيمة الحرية و الفردية بشكل مركزي في الأسرة و في طرق التربية . فتتوجه جهود الأسرة إلى تنمية ذاتية الفرد أكثر من تشكيله وصهره في بوتقة جماعية ، حيث تدعو أساليب التربية الأمريكية إلى إعطاء الطفل رسالة " أنا " عند التوجيه نحو تصرف مرغوب فيه بدل تقرير رسالة " قيمة " . فمثلاً على حسب المذهب الأمريكي في التربية إذا أراد الأبوان الاعتراض على ضوضاء الأولاد يجب أن يقولوا للولد " أنا يؤلمني رأسي من الضوضاء " بدل قول " الضوضاء أمر غير مرغوب فيه"، و وأن يقولوا لتصرف نشاز من الأولاد في البيت " أنا لا أقبل هذا في بيتي" لا أن  يقولوا " هذا عيب " أو " هذا أمر غير لائق اجتماعياً " .

وضمن محاولة تنمية شخصية الأولاد يرى المذهب الأمريكي وجوب التأكيد على التفوق الفردي.  فيشعر الأهلون أن عليهم مديح الطفل و إبداء الإعجاب بمهاراته باستمرار ، و يعتبر الذهاب لمشاهدة لعبة رياضية للابن أو البنت نزهة عائلية يأخذوا فيها معهم فطائر الأكل والشراب، بل و يعتبر الأهل الذين لا يذهبون لمشاهدة حفلة يشارك فيها أبناؤهم في المدرسة سيئون و لا يقومون بحق أولادهم . و لعل من أبرز تجليات قيمة الفردية هو الإحتفال بأعياد الميلاد و توقع الفرد أن يحتفل الجميع بهذا الحدث العظيم ! و بالطبع لا يقتصر ذلك على الصغار بل يتعداهم ليشمل الكبار و الشيوخ .

و لا بد من التنبيه إلى أن قيمة الحرية و الفردية لا تعني الفردانية ، بل إن مما يميز الأمريكي أنه ( لاعب فريق ) كما يقولون ، أي أنه على استعداد كبير للتأقلم مع المجموعة و اللعب حسب شروطها . و يقال على سبيل النكتة أنه لو رميَ ثلاثة أمريكيين من السماء لألفوا جمعية لتقرر سبيل نجاتهم جميعاً .

المساواة

ليس من المبالغة القول أن الأمريكي مهووس بالتساوي . و قيمة المساواة الأمريكية ليست مساواة في النتائج أو تقريباً من الفروق بقدر ما هي مساواة في الفرصة المتاحة لتحقيق المراد . و على سبيل المثال فقد اعتبر مجرد السماح لدخول السود في مؤسسات المجتمع تحقيقاً للعدالة من غير نظر إلى تعويض ما فات أو إعادة توزيع الثروات . فقيمة المساواة تتمثل في إعطاء الفرد الفرصة في النجاح استناداً إلى الجهد الشخصي . و بالتالي فإن التفاوت الإجتماعي في المال أو الجاه يُعزى إلى مواهب الشخص و دأبه في عمله ، وتقع مسؤولية الفشل على الفرد لعجزه و كسله لا إلى ظلم المجتمع له، و إلى التقصير الشخصي لا إلى الحواجز البنيوية و الثقافية في وجه المقصرّين . ولم تتحدى هذه المسلمات الاجتماعية إلا التيارات اليسارية وحركات حقوق الإنسان المتبنية لفلسفات مخالفة . و بهذا تأسس التساوي الاجتماعي في أمريكا على مفهوم التساوي الفرصيّ ، و أُعطي مشروعية و قبولاً نفسياً.  و اقتضى هذا النوع من المساواة أيضاً إزاحة المعايير القيمية بناءً على أنها ستكون متحيزة إلى جماعة معينة . فمثلا تعد موسيقى الصخب و الصراخ و الضوضاء تعبيراً صادقاً عن ذوق شرائح المجتمع الدنيا وأن الإعلاء من قيمة الموسيقى الكلاسيكية هو تحيز لصالح ما يسمى بالطبقات الراقية، وأن المسلسلات التي تحتفل بالسيوبة الأخلاقية هي وصف صادق لبعض شرائح المجتمع ، فمثلاً مسلسل الرسوم المتحركة "Simpson" ذو المستوى التعاملي الدنيء  ينظر إليه أنه يصف حقيقة حال العائلة الأمريكية التي لا تمثل أكثر من أفراد اضطروا للعيش تحت سقف واحد بعيداً عن مثاليات الأفلام الأسرية القديمة التي كانت تعكس قيماً أخلاقية تعرف باسم الـ"قيم العائلية" (ولكن هذا لا يعني أنه لا يوجد من ينـزعج من هذه الأفلام).

و نظراً لأن المساواة التي يجلّونها هي مساواة تطابقية ( غير تكاملية) فقد أصبح النظر إلى الفروق بين الرجل و المرأة رجعية رغم عمق هذه الفروق . و أصبح الحس الأمريكي يرى أن مجرد ذكر الفروق يعد ذريعة لتهميش المرأة . و لذلك فإنه لا يستغرب أن الثقافة الأمريكية و تطبيقاتها تتوجه نحو تمكين الجنسين من تحقيق أهداف و نهايات متماثلة متطابقة ، و ليس ذلك على مستوى العلم و المعرفة فحسب بل على مستوى المهنة و الحركة اليومية كذلك.  و تتفاعل خصلة التساوي التطابقي مع قيم الإنجاز و الثراء المادي و غيرها من القيم لتشكل نموذجاً حياة يرى ضرورة فتح كل مجالات الحياة ليتنافس فيها الناس رجالاً ونساء بلا أي إشارة إلى خصوصيات كل جنس منهما (رغم أن هذا يتناقض جزئياً مع قيمة الفردية)؛  فيعتبر مثلاً تخفيف الشروط البدنية على عاملات الإطفاء مسألة مرحلية ، و أن عدم السماح للجنديات بالمشاركة القتالية تفريقاً مجحفاً discrimination).  والطبع فإن التزاحم بين الجنسين غالباً ما يكون مدفوعاً بضرورة معاشية لا تستطيع معظم النساء التخلي عنه بسهولة، بغض النظر عن الوصف الحالم له.  و إذا كان على المرأة أن تفجر طاقاتها إلى أقصاها فإنه يصبح مقبولاً أن تستثمر النساء خصوصياتهن الأنثوية في سبيل النجاح المهني سواء كان ذلك في السلوك الشخصي أو في رهن الحياة لمهنة مرتكزة على خصال أنثوية بحتة، كل ذلك مع الاقصاء التدريجي والساخر للبعد الأخلاقي المرتبط به.  و يكتسب هذا التصرف قبولاً اجتماعياً و مشروعية قانونية ، بل و يصبح انتقاده اعتداءً على حقوق الإنسان (وأنبه هنا إلى أن معالجة موضوع المرأة و إعطاءه حقه من التحليل لا يتسع له هذا المقام و لكن كان لا بد من التنويه إليه لصلته الأكيدة ، وأُتبعه باحتراز مهم في أن تصور كل امرأة أمريكية عاهرة غاوية هو أمر في غاية السخف، وذلك بغض النظر عن الموقف من هذا النمط من المساواة التطابقية في السلوك الاجتماعي).

و لعل نظرة سريعة إلى نظام التعليم في أمريكا تساعد في فهم تجليات قيمة التساوي في الواقع . وذلك أن الحصول على الشهادة العلمية أصبح يعتبر حقاً للجميع حيث تمثل الشهادة العلمية جواز المرور للحياة المريحة . و في أمريكا لم يأت هذا التوجه انطلاقاً من حاجات المجتمع بل اعتبر من جملة حقوق الإنسان التي ناضلت الحركات الإثنية من أجله . و في عام 1972 سنّ التعديل الدستوري الذي يفرض نسب قبول متساوية للذكور و الإناث في المؤسسات التعليمية ، و ذلك من جملة المنطق العام الذي صاغ التعامل مع قضايا السود . 

و قد طبع مفهوم التساوي طرق التعليم و مناخ التدريس ، فترى المعلمة أن واجبها الأول هو الإستجابة لكل لفتة يبديها الطالب و تشجيعه عليها بدرجة أكبر من التركيز على البعد المعلوماتي في التدريس . و قد أجريت دراسة علمية جادة لمقارنة معلمي مدينة شيكاغو الأمريكية و مدينة بيجين العاصمة الصينية فوجدت أنه اعتبر 50% من المعلمين الصينيين أن " الوضوح " يمثل أهم صفات المعلم بينما اعتبر هذا 8% فقط من الأمريكيين . و تنعكس النسبة تماماً عند السؤال عن ضرورة " الحساسية أو الإرهاف " عند المعلم حيث اعتبرها 43% من الأمريكيين أساسية مقابل 9 %  من الصينيين .  كما أنه سرت في المدارس الأمريكية لسنوات عديدة فكرة ما يسمى بــ"الترفيع الاجتماعي"،  أي ترفيع الطالب بغض النظر عن كفاءته العلمية وذلك من باب المساواة وفتح الباب للجميع، ومتأثرة بمناخ الستينات المعروف (و بالطبع فإني لا أرسم هنا علاقة سببية مباشرة بين القيم الإجتماعية و النظام التدريسي ، فلذلك علاقة بالفلسفات التربوية الشائعة آنذاك و لكني أريد مجرد الإشارة إلى أن هذه التطبيقات لم تحدث في فراغ  ثقافي و أن تطبيقات القيم تحظى بتأقلمات اجتماعية ).

و من تجليات مفهوم المساواة خصلة الرأفة بالمتعلم حتى في مرحلة ما بعد الدراسة الثانوية سواء في العلاقة غير الرسمية بين المدرس و الطلاب أو في التوقعات الاجتماعية.  فمثلاً تقتضي أعراف التدريس قبول أعذار الطالب الجامعي لتخلفه عن أداء مهمة ما بسبب انشغال شخصي أو عائلي ، أو على شكل ضمِّ مواد اختيارية للمنهاج الدراسي (بعضها هامشي جداً) و إعطائها نفس الدرجة من الإعتبار رغم تباين جدّيتها تبايناً شاسعاً . و غني عن البيان أنه ليس في هذا أي دلالة على تفوق النظام التدريسي الأمريكي مطلقاً ، بل إنه يستبعد صلاحيته في سياق ثقافي آخر.  و كل ما أحاول الإشارة إليه هنا هو اتساق هذا النشاط الإجتماعي المهم مع طبيعة القيم السائدة .

الإنجاز  و المنافسة

تمثل هذه القيمة ثالث أهم قيم المجتمع الأمريكي و أظن أن من الصعوبة إيراد مرادف عربي دقيق لهذه القيمة ولهذا أجدني مضطراً للاتكاء على المصطلح باللغة الإنكليزية achievement and competition. إن تلك القيمة تعبر عن الشعور الكامن و الذي يدفع الفرد للإنجاز و تسجيل علامة ما ، إنه منطق تحطيم الأرقام القياسية و منطق التنافس . و بالطبع فإن الرياضة هي خير معبِرٍ عن هذه القيمة و عن الحيز الذي تأخذه من مخيلة و حياة الفرد الأمريكي . وقد سبقت الإشارة إلى أن تشجيع الوالدين لأولادهم في مسائل الرياضة مهم إلى حد كبير لأنهم يرون أن الحياة حلبة رياضة كبيرة و أن هناك تشابه بين أنواع العمل و أنواع الرياضات فهناك الرياضة الخفيفة و هناك تلك التي تهشم الدماغ ، ولكنها جميعاً تشترك في خصلة التنافس . 

و لعل من الطريف ملاحظة تقاطع قيمة التنافس مع النظام التعليمي. فالنظام التعليمي في أمريكا متمحور إلى حد كبير حول التنافس و تحصيل العلامات، رغم إجماع الباحثين في التدريس و أصوله أن العلامات ليست مقياساً جيداً لإمكانيات الطالب.  و تنفع الإشارة أيضاً إلى تضارب القيم و تناقضها أو كيف يعكس الواقع تقاطعاً لعدد من القيم في آن واحد.  فمن جهة يميل نظام التعليم إلى تدليل الطالب و تحمُله و اعتباره ولداً صغيراً يحتاج إلى الرعاية و العطف و لو كان في المرحلة الثانوية، و من ناحية أخرى يقبل المنافسة الفردية و لا يعتبرها ضارّة بالصحة النفسية للمتعلم.  و يصل الأمر إلى أن قبول الطلاب في الجامعات يتعلق جزئياً بتحصيل الفرد بشكل متميز في ناحية ليس لها علاقة بالعلم بل تتعلق بالهوايات والرياضات، و كأن سبرطا اليونان ما زالت تعيش في مكونات العقلية الأمريكية.  و قد قرع باب منـزلي مرة شاب يافع في المرحلة الثانوية يطلب التبرع لبرنامج رياضي في مدرسته ليتمكن هو من السفر إلى ولاية أخرى و التنافس مع فريقها!  و الطريف في الأمر أنهم لا يعتبرون ذلك تسولاً بل يعتبرون أن التبرع لمثل هذا الطالب عمل خير.  و أخيراً فإنه لا يخفى أن علاقات الرجل بالمرأة موسومة بهذه القيمة الإجتماعية ليس على مستوى فرص العمل فقط، بل وعلى مستوى العلاقة الزوجية في كثير من سلوكيات الشح الفردي ، بل حتى ينعكس نمط الإنجاز في العلاقات الجنسية والتعامل مع الغريزة البشرية والتي تتباعد عن التعاطف رغم كل القشرة الرومانسية التي يُتغنى بها.

وتنعكس قيمة الإنجاز في صياغة نمط العنف الأمريكي أيضاً.  وأسهل مجال لملاحظته هو الرياضات التي تهش للعنف ... ولكن يمكن ملاحظته أيضاً في نمط الترفيه.  فمثلاً يندر أن تجد شاباً أمريكياً عنده القدرة النفسية للذهاب لشاطئ البحر للتأمل، بل يذهب للعراك مع أمواجه فوق خشبة التزلج أو لركوب الدراجة المائية النارية، وبطريقه يلوث البحر والبحيرة بالضوضاء وعادم الغاز ويسمم الأعشاب والأسماك.  ويمكن ملاحظة نزعة الانجاز العنفي حتى في التقليعات الرائجة مثل انتشار السيارات التي تسمى سيارات رياضة وخدمة (SUV) وإعطائها السائق شعور السيطرة على الطريق وعدم التأثر بالصدمات قياساً بالسيارات الأخرى الصغيرة. والغريب أن يرقى شأن هذه السيارات ذات الهدف التجاري/الصناعي أصلاً لتصبح موضة نسائية، وكأن هذا النوع من السيارات أتاح للنساء وسيلة يُدثـّرن بها نعومة غير مرغوبة فيها ثقافياً في حلبة الإنجاز التنافسي ، ولتمتلئ شوارع الصباح بسيارات تزن كل منها طنّين لتوصل 50 كيلوغراماً إلى المدرسة.

وبالطبع –وكما هو معروف- فلقد انعكس العنف الإنجازي تاريخياً في مسألة استجلاب الرقيق من أجل التسريع في المشاريع التنموية ، ولا يخفى أنها أورثت مشكلة اجتماعية هائلة أصبحت عقدة المجتمع الأمريكي ما زال عاجزاً عن حلها لعجزه عن التعامل مع جذورها القيمية .

*   *   *

و بعد الفراغ من التعليق على أهم ثلاث قيم تصوغ الفعل الاجتماعي الأمريكي، سأعمد إلى ذكر ثلاثة قيم أخرى - باختصار- لها دورها و مساهمتها أيضاً :

الـعـمـلـيــة

تعرف الثقافة الأمريكية بولعها بالأمور العملية سهلة التنفيذ وتركيزها على اليسر و السهولة و تمرير الأمور ، و كأن الحياة الأمريكية تستبطن خوفاً من الرسميات و الشكليات الإنكليزية فتحاول باستمرار الابتعاد عنها . و قد برزت هذه النـزعة قديماً في تاريخ أمريكا في المعاملات الإقتصادية و في الإختراعات العملية الصغيرة ، و ما زالت أمريكا تقود الركب في تصميم و إنتاج المريحات الصغيرة و كأنها تعكس تقاطع قيمتي الفردية و العملية ، فلا تتحمل أعصاب الأمريكي التعامل مع شيء مركب معقد إذا كان بالإمكان تسهيله و تبسيطه.  و الأمثلة على هذا لا تنتهي من مواصفات الأبنية و آلات بيع المرطبات و آلات سحب النقود و فكرة الحاويات التي تنقل البضائع بالشاحنات و فوق البواخر . و لا تقتصر العقلية العملية على المنتجات و أدوات الاستعمال، بل يمكن تعقبها في طرق التعليم . فمثلاً تتسم طرق تدريس الحساب و الرياضيات في أمريكا بالتدريب على سلسلة خطوات تحتاج إلى حد أدنى من التفكير المجرد و تتكئ أساساً على إجراءات ميكانيكية للوصول إلى الجواب (ومثل ذلك تعليمات إجراء حسابات قسيمة ضريبة الدخل السنوية). و أخيراً فإنه لا بد من الإشارة إلى أن قصر النظر الذي يعرف به الأمريكيون ليس منفصلاً بالكلية عن خصلة التوجه العملي وتضخمها.

الـتـقـنـيـة و الــتـقـدم

تشك الثقافة الأمريكية بكل قديم و تهش لكل جديد ضمن إيمانها بإديولوجية التقدم المستمر و الصاعد دوماً ، فلا تدع هذه الثقافة شيئاً إلا قلبته  و حركته من مكانه  دون التفكير في مدى الحاجة إلى ذلك أصلاً . و كثيراً ما يأتي التغيير من جراء فسح الفرصة لأي لاعب في حلبة المجتمع أن يرمي قدحه و يجرب حظه ، ويقترن هذا بحد أدنى من التخطيط العام و بعيد المدى . و يغلب على التخطيط الأمريكي أن يتمثل بخطة تنفيذية و ليس بخطة استراتيجية تحسب المستتبعات البعيدة إلا ما كان من مؤسسات تهتم بالآثار البعيدة لناحية ما – مثل البيئة – و تضغط لتحريك المصالح نحو ذلك . و بالطبع فإن الإفتتان بالجديد ويعشق التكنولوجيا و تطبيقاتها الفارهة يدفع الناس إلى أن لا تفكر ملياً فيما إذا كانت كلفة هذه التقنية مجدية إقتصادياً على مستوى المجتمع .  و اللطيف ملاحظة كيف تتعارض هذه القيمة أحياناً مع قيمة العملية التي تحدثنا عنها ، لأن بعض الحلول التقليدية القديمة فعالة لحدّ بعيد و لا تحتاج إلا إلى تعديل طفيف أو ملاءمة الوضع الجديد . و قد تتعقد الأمور أحياناً من المبالغة في الإعتماد على التقنية و لكن الثقافة تعتقد بأن المنتج يتحسن مع الزمن و يصبح معقولاً و لا ترى أن الإرتهان لهذه المنتجات يأخذ من حرية الإنسان و وجوده .  و نظراً لوجود إمكانية مادية عالية تأخذ هذه المنتجات أولوية إجتماعية ، و لا يفكرون عادة بأن إدخال تقنية جديدة دون تهييء اجتماعي قد ينتج عنه بطالة و نكسات عائلية... رغم تأكيد البحوث الاجتماعية على هذا. و قريب من هذا إعتقاد هذه الثقافة بأن تكنولوجيا الحرب يمكن أن تحل المعضلات العالمية مع قدر ضئيل نسبياً من الجهد السياسي.

النجاح المادي و الإستهلاكية التجارية

يقاس النجاح في هذه الثقافة بالنجاح المادي إلى حد كبير ، فإذا انفردت كلمة success فإنها تعني النجاح المادي فقط . و لكن لا يأخذ النجاح المادي صورة الكنـز و تكديس الأموال و النفيس من المتاع بل يميل إلى التوظيف في الفعاليات الإقتصادية و إلى الإستمتاع الآني و الذي يأخذ شكلين مختلفين حسب الشريحة الاجتماعية والمستوى الثقافي . فالشريحة العليا تميل إلى استثمار أموالها في فعاليات إقتصادية و التمتع من خلال مواردها أو التسهيلات الترفيهية التي تقدمها الشركات التي يرتبطون بها أو يساهمون في سن قوانينها و أعطياتها . أما الشرائح الدنيا التي غسل دماغها بالدعايات المتواترة والتي آمنت بأن الفقر هو قدرها اللازب فلم يبق لها حظاً من أمل إلا في ورقة يانصيب أو في اقتناء قطعة استهلاكية ترفع بها عثرتها وتستنقذ عزها المسحوق .

و من اللطيف ملاحظة الرواج الشعبي للدين الدعائي الذي يغمر شاشات التلفزيون و تنجذب إليه جموع البسطاء ، ورغم ارتباط هذه الظاهرة بالتطور الفكري للبروستانتية و  لكنه يرتبط من وجه آخر بقيمة النجاح المادي و إعلاء قيمة التكنولوجيا . فالطريقة التي تتم بها دعوة الناس لا تختلف كثيراً عن أية دعاية تجارية أخرى والتي تعتمد على إقناع المشاهد بأن حل مشكلاته الشخصية يكمن في اقتناء هذا المنتج أو ذاك . و كأن الذين يشاركون في مهرجانات الدين الدعائي يرون غناهم في غنى الواعظ الثري . و العجيب كيف تتأقلم خصلة المادية و النجاح مع خلق التبرع لهذه الاستثمارات العاطفية الدينية و كيف يسمون النشاطات العبادية  " خدمة " .  و تقدر بعض الإحصاءات أن الفرد الأمريكي يتبرع بمقدار 2.5 % من دخله لمنظمات لاربحية علمية أو دينية أو خدمات إنسانية ،  و إن كانت بعض هذه التبرعات تذهب إلى منظمات يستفيد منها المتبرع بشكل أو بآخر لخفض ضريبته .  فمثلاً ممكن أن يتبرع جدٌّ متمكن مالياً لنادي الموسيقى التي تذهب إليه حفيدته مقابل أنه يقتطع قيمة ما تبرعه من دخله الخاضع للضريبة .  وتمثل هذه الطريقة الأمريكية لفعل الخير نمطاً يشعر فيه الفرد أنه قام بخدمة إنسانية وحصل بنفس الوقت فائدة جانبية ما.

*        *       *

وبعد ، فقد أردت من هذا المقال التعريف بأمريكا كمجتمع لا كدولة ولا ككيان سياسي .  وتكلمت بالخصوص عن أهم قيم هذا المجتمع وخياله حول نفسه محاولاً رصد النمط الثقافي ومستعيناً بأمثلة واقعية ، وإن لم يكن المقصود الوصف التفصيلي أو الإحاطة بالواقع .  وأحسب أن هذا المدخل يساعد على التفاهم الثقافي ويصب في خانة الحوار الحضاري بعيداً عن التمركز حول النفس والرؤية العدوانية للآخر.

 



* باحث مهتم بدراسة سنن الاجتماع

* ولو استعملنا مفهوم الحضارة لتفسير الخلاف الذي حصل حول فائزي التزلق في الألومبياد الشتوي الأخير في ولاية يوتا لكان خطأً منهجياً رغم أن الأمر يتعلق بذوق ثقافي، ولو أصررنا على استعملناه لوجدناه يعطينا قراءة خاطئة لما حصل في الواقع