رياض أدهمي*
من
الأمور التي تؤدي
إلى سوء الفهم
لدعوة التـجديد
و إلـقاء الشكوك
حولها ، ما يطرحه
بعض الكاتبين من
الربط بين الـدعوة
إلى التـجديد و
بين الفلسفة البراغماتية
. فـعند هذا
الربط و إقامة
الصلة المزعومة
بين الفلسفة البراغماتية
بأصولـها اللادينيـة
و التـجديد و اعتـبار
الحديث عنه أحد
تجليات الفـكر
البراغماتي و أحد
وسائل الغزو الـفكري
، يكون رد الفعل
خوفـاً و ذعراً
و دعوة إلى التمسك
بالخطاب الديني
التاريخي الذي
يدعون تمثيله لـلمبادئ
الشرعية المطلقة
في مواجهة تسيب
النسبية البراغماتية
.
و
البراغماتية في
جانبها الفلسفي
تمثل أحد الطروحات
الغربية التي لا
تنفك عن سمات سائر
المعالجات في الفكر
الغربي من البعد
عن القيم العليا
المطلقة و اعتبار
الواقع مقياساً
للحق و ما يتبع
ذلك من القول بنسبية
الأخلاق أو حتى
انتهازية و نفـعية
التوجـه . أما في
الجانب العملي
التـطبيقي فالبراغماتية
تؤكد على الإنجاز
و شـهـادة الواقع
و نجاح التـطبيق
كمـقياس لصدق الأفكار
و ملاءمة الوسائل
و المناهج . و هنا
لا بد من البيان
لإزالة الوهم ،
فالفرق كبير بين
اعتماد المنطلقات
و الغايات الفلسفية
و بين النظر إلى
الإجرائيات و الآليات
و الوسائل ، و الفرق
كبير كذلك بين
اعتماد الواقع
الراهن في عصر
من العصور مقياساً
للصواب و الحق
و مبرراً لتجاهل
و تجاوز القيم
و بين النظر إلى
الواقع لتحري وسائل
تنـزيل القيم فيه
و تزكيته و الإرتقاء
به إلى الحياة
الطيبة التي تعيش
و ترتبط بالقيم
.
إن
الطرح الديني التاريخي
الذي يرفض التـجديد
يستوي عنده التـعامل
مع الواقع باعتباره
مجالاً للتـغيير
و أرضية لتنـزيل
القيم – كما هو الحال
عند دعاة التجديد
– و التعامل مع الواقع
على الطريقة الغربية
باعتباره أعلى
قمة يصل إليها
في تطوره الصاعد
إلى الكمال بمعزل
عن معيار و مرجعية
محددة، فاليوم
أفضل من الأمس
و الغد أفضل من
اليوم . فالواقع
الغربي في هذا
الطرح هو النموذج
الذي لا بد أن تتوجه
إليه جميع الثقافات
طائعة مختارة و
إلا فلا حق لها
في الوجود و لا
نصيب لها من التقدم
والرقي . و نظراً
لهذا الخلط العجيب
لدى دعاة الطرح
التاريخي للإسلام
و الاتهام الظالم
الذي يوجه لمن
يتحدث عن التجديد
كان من المهم أن
نبين هذا الأمر
بشيء من التفصيل
.
تتميز
طريقة القرآن الكريم
في عرض الأحكام
العملية بواقعية
حازمة ، فليس في
القرآن الكريم
تشريع أو
تكليف مقطوع عن
الظروف و الملابسات
بل كان اعتبار
الواقع والظروف
هو الأمر الذي
لم تنفك عنه الأحكام
.فآيات الصيام
اتصلت بدون إمهال
لبيان الحكم عند
طروء السفر والمرض
((فمن
كان منكم مريضاً
أو على سفر فعدة
من أيام أُخر)) . و في آيات
الحج جاء بلا تراخ
حكم شعيرة الحلق
عند المرض ((و لا تحلقوا رؤوسكم
حتى يبلغ الهدي
محله فمن كان منكم
مريضاً أو به أذىً
من رأسه ففدية
من صيام أو صدقة
أو نسك )) . وجاءت الآية
التي تبـين وجوب
أداء الصلاة على
وقـتها في سياق
الإستـثناء الذي
تـمثله
آيـة صلاة الخوف
(( . . . فإذا
اطمأننتم فأقيموا
الصلاة ، إن الصلاة
كانت على المؤمنين
كتاباً موقوتاً)) . و بيان
المحرمات من الأطعمة
تبعـه مباشرة في
أكثر من موضع أمر باعتـبار
ظروف التـطبيـق
((حرمت عليكم الميتـة
و الدم و لحم الخنزير
و ما أهل لغير الله
به فمن اضطر في
مخمصة غير متجانف
لإثم فإن الله
غفور رحيم )) .
و
من الخصائص المهمة
للشريعة التدرج
في تطبيق الأحكام
، هذا التدرج الذي
توضحه الآيات التي
نتلوها و نحن نعلم
أنها لا تمثل الحكم
النهائي في موضوعها
مما يوضح صبغة
واقعية مهمة و
بياناً لأهمية
اعتبار حال الناس
و أوضاعهم عند
الأخذ بيدهم للوصول
إلى الحالة السوية
التي تبينها الأحكام
النهائية . و ما
أحكام الخمر و
الميسر و الميراث
و القصاص و الجهاد
إلا أمثلة واضحة
لطريقة القرآن
في التدرج و اعتبار
الواقع و عدم تجاهله
و إقصائه عند محاولة
تـنزيل القيم
.
أوضح
الإمام الشاطبي
في المقدمة الثالثة
عشرة من " الموافقات
" أن من أمارات
الحكم الشرعي المعتبر
أن يطابق الواقع
، و أن كل ما لم يجر
على استقامة و
اطراد مع الواقع
فلا يمكن اعتباره
أصلاً شرعياً،
و أن من لم يلاحظ
هذا التطابق لم
يأمن الغلط . و قد
جاء للدلالة على
هذه القاعدة بأمثلة
لطيفة تبين طريقة
فهم آيات القرآن
و تأويلها حتى
لا نقع في التناقض
بإثبات ما يتعارض
مع الواقع و حتى
يقع الإطراد في
معنى الآيات وما
يلزم منها . و من
ذلك قوله تعالى
" و لن
يجعل الله للكافرين
على المؤمنين سبيلاً
" فقال: إن
حمل معنى الآية
على أنه إخبار
لم يستمر مخبره
( أي لم يصح معناه
) لوقوع سبيل الكافر
على المؤمن كثيراً
بأسره و إذلاله
، فلا يمكن أن يكون
المعنى إلا على
ما يصدقه الواقع
و يطرد عليه و هو
تقرير الحكم الشرعي
فعليه يجب أن يحمل
.
و
ذكر الشاطبي مذاكرة
بينه و بين أحد
شيوخ عصره فقال
: كتب إلي بعض شيوخ
المغرب في فصل
يتضمن ما يجب على
طالب الآخرة النظر
فيه و الشغل به
، فقال فيه : و إذا
شغله شاغل عن لحظة
في صلاته فرَغ
سرَه منه بالخروج
عنه و لو كان خمسون
ألفاً كما فعله
المتقون . فاستشكلت
هذا الكلام و كتبت
إليه بأن قلت : أما
أنه مطالب بتفريغ
السر منه فصحيح
، أما أن تفريغ
السر بالخروج عنه
واجب فلا أدري
ما هذا الوجوب
. و لو كان واجباً
بإطلاق لوجب على
جميع الناس الخروج
عن ضياعهم و ديارهم
و قراهم و أزواجهم
و ذرياتهم و غير
ذلك مما يقع به
الشغل في الصلاة
. و إلى هذا فقد يكون
الخروج عن المال
سبباً للشغل في
الصلاة أكثر من
شغله بالمال. و
أيضاً فإذا كان
الفقر هو الشاغل
فماذا يفعل ؟ هذا ما لا
يفهم . و عقب الشيخ
الشاطبي على ذلك
بقوله : فلما وصل
إليه ذلك كتب إليَ
بما يقتضي التسليم
فيه و هو صحيح . لأن
القول بإطلاق الخروج
عن ذلك كله غير
جارٍ في الواقع
على استقامة لإختلاف
أحوال الناس فلا
يصح اعتماده أصلاً
فقهياً البتة
.
و
في موضع آخر من
" الموافقات " قرر
الإمام الشاطبي
في كتاب الإجتهاد
أن النظر في مآلات
الأفعال معتبر
مقصود شرعاً . فلا
يصح إطلاق القول
بمشروعية عمل إذا
أدى استجلاب المصلحة
فيه إلى مفسدة
تساوي المصلحة
أو تزيد عليها
. و كذلك لا يصح إطلاق
القول بعدم مشروعية
عمل إذا أدى دفع
المفسدة فيه إلى
مفسدة و ضرر يساوي
المفسدة أو يزيد
عليها . و قد ذكر
الشيخ العز بن
عبد السلام في
" قواعد الأحكام
" كلاماً نفيساً
عن اختلاط المصالح
و المفاسد و أحوال
اجتماعها و كيف
تتغير الأحكام
بغلبة المصلحة
أو المفسدة على
التصرفات حسب الأحوال
و القرائن . و كل
ذلك يتطلب معرفةً
و بصيرة بالواقع
و مآلات الأفعال
فيه . فالعلم بالواقع
و البصيرة فيه
و معرفة نتائج
و عواقب أي فعل
في البيئة و العرف
السائد أمر لازم
و لايجوز إهماله
حتى تحقق الأفعال
و التصرفات غاياتها
من المصالح أو درء المفاسد
.
ذكر
العلامة ابن خلدون
في مواضع كثيرة
من مقدمته أهمية
الرجوع إلى طبائع
العمران و الأشياء
للتحقق من صدق
الأخبار و الروايات
. و من ذلك قوله :
" فالقانون في تمييز
الحق من الباطل
في الأخبار بالإمكان
و الإستحالة أن
ننظر في الإجتماع
البشري الذي هو
العمران ، و نميـز
ما يلحقه من الأحوال
لذاته و بمقتـضى
طبـعه و ما يكون
عارضاً لا يعـتد
به و ما لا يمكن
أن يعرض له . و إذا
فعلنا ذلك كان
لنا ذلك قانوناً
في تمـييز الحـق
و الباطل في الأخبار
و الصدق من الكذب
بوجه برهاني لا
مدخل للشك فيه
" .و ذكر في سياق
آخر أن من الغلط
الخفي في التاريخ
الذهول عن تبدل
الأحوال في الأمم
و الأجيال بتـبدل
الأعصار و مرور
الأيام ، و هو داء
شديد الخفاء إذ
لا يقع إلا بعد
أحقاب متطاولة
فلا يكاد يتفطن
له إلا الآحاد
من الخليقة . و ذلك
أن أحوال العالم
و الأمم و عوائدهم
و نحلهم لا تدوم
على وتيرة واحدة
و منهاج مستقر
إنما هو الإختلاف
على الأيام و الأزمنة
و انتقال من حال
إلى حال . و كما يكون
ذلك في الأشخاص و الأوقات
و الأمصار فكذلك
يقع في الآفاق
و الأقطار و الأزمنة
و الدول ، سنة الله
التي قد خلت في
عباده .
و
الناظر في هذا
الكلام يدرك أن
المنهاج الذي أسس
عليه العلامة ابن
خلدون علم الإجتماع
أو علم العمران
يعتمد بشكل كبير
على المعرفة بالواقع
و البصيرة بتبدل
أحواله و الثابت
من طبائعه و ما
بث الله سبحانه
فيه من نواميس
و سنن و أسباب و
وسائل . و هذا منه
– رحمه الله – فهم لأهمية الإتصال
بالواقع عند محاولة
التأثير فيه ،
و في ذات الوقت
، رفض و رد للمنهج
التاريخي الحرفي
الذي لا يتصل بالواقع
عند محاولة الفهم
لدروس و عبر التاريخ
و قفز فوق خصوصيات
الزمان و المكان
. و من الواضح أنه
لا علاقة لهذا
التأصيل بالبراغماتية
أو القفز فوق ثبات
القيم و القول
بنسبية الأخلاق
، اللهم إلا عند
من يسمي البلادة
و العجز عن مكابدة
الواقع لفهمه و
رصد ما يجري فيه
دفاعاً عن الشريعة
و حماية للقيم
والأخلاق ! !
ذكر
الإمام الغزالي
أن الشيء في الوجود
له أربع مراتب
: حقيقته في نفسه
، و ثبوت مثال حقيقته
في الذهن ، و تأليف
صوت بحروف تدل
عليه و هو العبارة
الدالة على المثال
الذي في النفس
، و تأليف رقوم
تدرك بحاسة البصر
دالة على اللفظ
و هو الكتابة . و
قال : إعلم أن من
طلب المعاني من
الألفاظ ضاع و
هلك و كان كمن استدبر
الغرب و هو يطلبه
، و من قرر المعاني
أولاً في عقله
ثم اتبع المعاني
الألفاظ فقد اهتدى
. و قد علَق الأستاذ
جودت سعيد في كتابه
" إقرأ " على ذلك
بقوله : " هذا معنىً
شريف يحسن أن نبحثه
مرة أخرى بأسلوبنا
و حسب طاقتنا و
ذلك بأن نشرح المرتبة
الأولى من مراتب
الوجود الذي سماه
الغزالي حقيقته
في نفسه أو الوجود
الخارجي أو العيني
حسب تعبير ابن
تيمية . فالرعد
مثلاً له وجود
خارجي يظهر في
الجلجلة التي نسمعها
بعد وميض البرق
في السحاب ، فهذا
الوجود الخارجي
هو حقيقة الرعد
. أما ما يحصل عند
الناس من صور ذهنية
عن الرعد و البرق
أو الشمس و النبات
و الحيوان متفاوت
تفاوتاً كبيراً
عريضاً طويلاً
و عميقاً . فلهذا
نختار أن نقول
إن الوجود الخارجي
لكل من الفيزياء
و المجتمع له حقيقة
واقعة ، أما تصور
الناس لها فهو
الذي يتفاوت الناس
فيه فكل يرى حسب
خلفيته الفكرية
و هذا ما يميز الناس
عن آلة التصوير
و التسجيل و يجعلهم
يختلفون في فهم
الأمور على مر
العصور . هذه هي
العلاقة بين الوجود
الخارجي و الصور
الذهنية ، فالوجود
الخارجي هو الثابت
الذي كلما اختلفنا
في تفسيره رجعنا
إليه و دققنا النظر
و البحث و التعامل
معه لنصحح الصورة
الذهنية . و هذا
ما أردنا اثباته
هنا في حديثنا
عن كلام الإمام
الغزالي في هذا
الموضوع ".
و
عند التأمل في
هذا الكلام نجد
تطابقاً في النظرة
إلى الواقع كمعيار
لصدق و صحة فهمنا
للنصوص ، مع ما
قدمه الإمام الشاطبي
في هذا الموضوع
. فمن طلب المعاني
من الألفاظ ضاع
و هلك ، فلا يجوز
حمل معاني النصوص
على ما لا يصدقه
الواقع و لا يطَرد
و لا يستقيم فيه
. فلا بد من التوسط
و التكامل و لا
بد من فقه بالواقع
لتبدأ رحلة التزكية
من أساس متين . ذكر
الإمام ابن القيم
في " إعلام الموقعين
" تعليقاً على قول
سيدنا عمر ابن
الخطاب في رسالته
لأبي موسى الأشعري
في القضاء ( الفهم
الفهم فيما أدلي
إليك ) . قال ابن القيم
: و لا يتمكن المفتي
و لا الحاكم من
الفتوى و القضاء
إلا بنوعين من
الفهم ، أحدهما
فهم الواقع و الفقه
فيه و استنباط
علم حقيقة ما وقع
بالقرائن و الأمارات
و العلامات حتى
يحيط به علماً
، و النوع الثاني
هو فهم الواجب
في الواقع و هو
فهم حكم الله الذي
حكم به في كتابه
أو على لسان رسوله
في هذا الواقع
ثم يطبق أحدهما
على الآخر .
و
من مجمل هذا العرض
نخلص إلى حقيقة
التجديد الذي ندعو
إليه : إنه لابد
من تقرير القيم
و المبادئ الشرعية
الخالدة في القرآن
و السنة ، و لابد
من فهم التطبيقات
العملية لهذه القيم
و المبادئ في عهد
النبوة من خلال
الإلمام و اللإستيعاب
لظروف و أحوال
عصر النبوة ، و
لابد من استنباط
فقه التـنزيل الذي
أصَله النبي صلى
الله عليه و سلم
و صحابته و التابعون
من بعده و ذلك ببيان
المنهجية العملية
الواقعية المقاصدية
للربط بين القيم
و المبادئ و بين
واقع عصرهم و زمانهم
. و بعد التمكن من
هذه المنهجية المقاصدية
في فهم النصوص
و التعامل مع التراث
لا بد من فهم عميق
لواقع عصرنا و
أحواله و مداخله
لتتم عملية تـنزيل
القيم و تتم محاولة
تزكية هذا الواقع
من أرض البنية
الواقعية الإجتماعية
و الإقتصادية و
السياسية ، لا
من الخيال و الأوهام
. فالتجديد هو عقلية
واقعية مقاصدية
منضبطة في النظر
إلى النصوص و التراث
و الواقع ، و التجديد
كذلك هو الجهد
المبدع لإستنباط
الوسائل المؤثرة
المناسبة لتزكية
الواقع بمبادئ
الوحي الخالدة
. أما محاولة شد
ومد أقوال الأقدمين
للخروج بها من
نسبيتها و بشريتها
لتغطي –بزعمنا
– ما استجد من أحوال
و أوضاع و القفز
بذلك فوق حقائق
و معطيات واقع
الحياة فلن بأتي
إلا بالإحباط و
الخيبة .
و
حتى لا يكون الكلام
عن التجديد و الواقعية
متهماً – عند من
لا يكتفي بالإشارة
– بأنه طرح نظري
يسبح في الفراغ
، لا بد من ضرب بعض
الأمثلة . إن الواقع
المؤلم المشهود
من الفقر المنتشر
في أرجاء العالم
الإسلامي لا يحتاج
إلى مزيد تأكيد
. و رغم الصياح و
المحاضرات و الخطابات
و الكتب التي تبين
أن الإسلام عالج
مشكلة الفقر و
وضع أسس التعامل
معها ، فإذا رجعنا
إلى الفتاوى المقررة
في نصاب الزكاة
و على من تجب لرأينا
المضحكات المبكيات
، و كل ذلك كما يقرر
الدكتور القرضاوي
في " فقه الزكاة
" ناتج عن التمسك
بأقوال تغير كل
الواقع الإقتصادي
و الإجتماعي الذي
استندت إليه و
انطلقت منه . و تبقى
هذه الفريضة الغائبة
محرومة من تأصيل
يعود بها إلى الأصل
الذي قرره النبي
صلى الله عليه
و سلم بقوله – تؤخذ
من أغنيائهم و
ترد على فقرائهم
– فالغنى و الفقر
مسألة عرفية في
كل بيئة و أنه لا
علاقة لمعنى الفقر
و الغنى بنص يُفـهم
بشكل تعبدي دون
التفكير بما يدفع
الحاجة و يسد الرمق
و يحـقق المواساة
و التكافل . و إذا أردنا
مثالاً في مجال آخر مما تعج
به الحياة من قضايا
فلنستمع إلى الشيخ
محمد الغزالي رحمه
الله و هو يتحدث
عن المبالغة في
إيقاع الطلاق و
يحذر من تنصـير
قوانـين الأحوال
الشخصية ، و ذلك
أن كثيراً من الفتاوى
المقررة في كتب
الفقه لا تستصحب
مقاصد الشريعة
و أهدافها في هذا
الموضوع الخطير
.
و
الناظر إلى ما
تطرحه الحياة من
مشكلات و إلى محاولات
الخطاب الإسلامي
و الفكر الإسلامي
لمعالجة هذه المشكلات
يرى كثيراً من
العجلة و قليلاً
من الصبر على مكابدة
الواقع و فهمه
بأبعاده و أعماقه
و استناداً إلى
عمومات و شعارات
نزعم لها الإطلاق
و الشمول ، و من ثم تأتي
النتائج فجة لا
تساهم في صلاح
فكر و لا تزكية
واقع و لا تساهم
كذلك في صياغة
خطاب يضع الشريعة
الخاتمة في مكانها
للناس كافة و رحـمة
للـعالمين .