د. خالد أبو الفضل*
في أعقاب الهجمات
على مدينة نيويورك
ووزارة الدفاع
تركز الاهتمام
على وضع عقيدة
المسلمين. وكان مما
صدم الناس في أمريكا
التفاوت البالغ
في النظر إلى قيمة
الحياة والعداوة
الواضحة للولايات
المتحدة والتي
أظهرها
بعض المسلمين. ورأى البعض
الآخر في الأحداث
ما يؤكد اعتقاده
بأننا نواجه صداماً
كبيراً بين الحضارات، وقالوا إن
القيم الإسلامية
تفارق تماماً القيم
التحررية الغربية،
وأن الهجمات الإرهابية
تمثل عرضاً من
أعراض الصدام بين
الحضارة النصرانية-اليهودية
بقيمها في الحرية
والتعددية والعلمانية
وبين ما يسمى الإسلام
الأصولي اللا أخلاقي
المعادي للغرب. وبالفعل
ترتبط الحضارة
الإسلامية في أذهان
الناس بالحقوق
الجماعية والواجبات
الفردية والشكلية
القانونية والحكم
الاستبدادي المطلق
وعدم التسامح وكل
ما اعتدنا أن نربطه
بعدونا السابق
– الكتلة السوفيتية
– و كأننا نلصق بالآخر
كل ما نحب أو نفكر
أننا برءاء منه.
وإن من السهولة
بمكان أن يسقط
المرء في مثل هذا
الفخ الفكري وخاصة
عندما يتعامل مع
أفكار ابن لادن
أو طالبان أو أصناف
من الحرفيين أو
حركات الجهاد. ويبدو أن
مواقف هذه الجماعات
وطريقة تفكيرها
المتزمتة لا تتناقض
مع طريقة الحياة
الغربية فحسب بل
تتعارض مع فكرة
المجتمع الدولي
أو فكرة القيم
الإنسانية العالمية. فقد أبدت
هذه الجماعات بعداً
عن التسامح والشعور
بالعداء والتفوق
على الآخرين على
نحو لم تسبق إليه. فالإسلام
– حسب رأيهم- هو المنهج
الوحيد للحياة
ويجب أن يُتبع
بغض النظر عن أي
اعتبار لحقوق الآخرين
ومصالحهم. والصراط
المستقيم هو الطريق
المحدد بقوانين
الشريعة والتي
تتفوق على أي اعتبار
للقيم الأخلاقية
التي لم تدرج بوضوح
في الشريعة. والله يتجلى
عبر مجموعة من
الأوامر المحددة
والتي تشرح التصرف
الصحيح الذي يجب
تطبيقه في كل الأحوال. وهدف حياة
الإنسان على الأرض
هو إدراك التجلي
الإلهي الذي يتحدد
حصراً بالتطبيق
الطائع للقانون
الإلهي، أما الأخلاقية
فتبدأ وتنتهي بالشكليات
والتشقيقات الفنية
في الفقه الإسلامي.
كما أنهم يصرّون
أيضاً على أن الحياة
الملتـزمة بالقانون
الإلهي هي حياة
متفوقة بشكل تلقائي
على جميع أشكال
الحياة الأخرى،
وأتباع كل طريقة
أخرى في الحياة
هم كافرون أو فاسقون
أو منافقون. ونظراً لهذا
الإرتباط بالقانون
الإلهي بما يعطيه
من ثقة وشعور بالأمان
فإن التفريق بين
المهتدين والضالين
يصير سهلاً، فالمهتدون
هم الذين يتبعون
القانون وينصاعون
له والضالون هم
الذين ينكرون أو
يتحللون أو يناقشون
القانون ويعترضون
عليه. ومن
الطبيعي أن يكون
المهتدون هم المتفوقون
لأن الله في جانبهم. ويرى هؤلاء
المتزمتون أن الكمال
الإلهي المطلق
يمكن أن يتحقق
على الأرض بشكله
الكامل، وكأن الكمال
الإلهي استودع
في القانون وأنه
بالإمكان أن ينشأ
نظام اجتماعي يعكس
الحقيقة الإلهية
عبر هذا القانون.
فما أسهل ادعاء
هؤلاء المتزمتين
الكمال والتقوى
عندما يربطون أنفسهم
بالإله العظيم
وينـزلقون في دعوى
التفوق.
تتصف جميع
العقائِد – وخاصة
المؤسسة على الاتباع
الديني- بعقدة
التفوق فمن المعروف
أن المؤمنين لهم
فضيلة خاصة تميزهم
عن أتباع العقائد
الأخرى. ولكن عقيدة
التفوق عند المتزمتين
ذات خطورة متميزة،
إذ يحمل التفوق
عندهم عنصراً وطنياً
قوياً يتوجه نحو
السيطرة الثقافية
والسياسية. فلا تكتفي
هذه المجموعات
بأن تتمكن من العيش
كما يعتقد أفرادها
بل إنهم يتعضون
وينكرون جميع صور
الحياة الأخرى. وهم لا يبحثون
عن تقوية أنفسهم
وتطويرها، بل تجدهم
يبحثون بشكل فعال
عن سبل إضعاف الآخرين
والسيطرة عليهم
أو تدميرهم. و تتجلى قمة
هذا التفكير في
اعتبار كل أشكال
الحياة التي تجري
بعيدةعن الشريعة
أو خارجها عدواناً
وجرأة على الله
يجب أن تقاوم أو
تقمع بقوة.
وليس بمستغرب
وجود الملتزمين
المسلمين فأغلب
الأديان تعرضت
في فترة من الفترات
لمثل هذا التوجه
المتطرف المطلق
ولا يمثل الإسلام
استثناءً لهذه
الظاهرة. ففي القرن الهجري
الأول بعد ظهور
الإسلام عُرفت
مجموعات المتطرفين
بالخوارج الذين
قتلوا الكثير من
المسلمين وغير
المسلمين وقتلوا
صاحب رسول الله
وابن عمه الخليفة
علي بن أبي طالب. ويوجد أحفاد
هؤلاء الخوارج
اليوم في عُمان
والجزائر، وقد
تحول هؤلاء بعد
قرون من حمامات
الدم إلى معتدلين
أو سلبيين. وكذا الأمر
بالنسبة للقرامطة
والحشاشين الذين
كان الإرهاب ديدنهم
والذين اكتسبوا
صيتاً ذائعاً في
كتابات المسلمين
المؤرخين والفقهاء،
انقلبوا أخيراً
إلى معتدلين، ويعيشون
الآن في شمال أفريقيا
والعراق. وإن التاريخ
الإسلامي يوضح
درساً بالغ الأهمية
هو: أن المجموعات
المتطرفة ينبذها
التيار الإسلامي
العام ويهمشها،
وقد جرى التعامل
معها دائماً على
أنها صور من الزندقة
والخروج عن الإسلام.
ولكن المسلمون
يعيشون اليوم فترة
تغيير جوهري لم
يعهدها أحد من
قبل فقد تهاوت
الحضارة الإسلامية
وتفككت معها المؤسسات
التقليدية التي
كانت تتعهد الإسلام
الأصيل وتنشره،
وتهمّش الغلو والتطرف. لقد تسامح
الإسلام بل واحتفل
بالآراء المختلفة
والمذاهب المختلفة. لقد كان الفقهاء
يمثلون حُرَّاس
التراث الإسلامي
وكان مصدر المشروعية
التي يتمتعون بها
يكمن في استقلالهم
النسبي عن النظام
السياسي ويكمن
في دورهم المزدوج
في تمثيل مصالح
الدولة لدى الجمهور
وتمثيل قضايا الرعية
ونقلها إلى الدولة.
أما اليوم
فقد تضخمت قوة
الدولة في البلاد
الإسلامية وهيمنت
وأصبحت مركزية
بشكل لم تعهده
من قبل. وتتحكم
الدولة في معظم
بلاد المسلمين
الآن بالقضايا
الدينية عن طريق
التحكم بالأوقاف
والتي كانت تؤمن
كفاية طبقة الفقهاء. وزيادة على
ذلك جرى ضم (رجال
الدين) وتحويلهم
إلى موظفين في
ملاك الدولة. وبهذا اضمحلت
المشروعية التي
يتمتع بها الفقهاء
ونتج من هذا فراغ
هائل في المرجعية
الدينية. وربما
لا تُمثل هذه الحالة
من الفوضى الدينية
مشكلة في المجتمعات
العلمانية حيث
انحصر الدين في
المسائل الفردية،
أما عندما يكون
الدين محوراً أساسياً
في المشروعية العامة
والمحتوى الثقافي
فإن السؤال عمن
يتحدث ويمثل صوت
الشريعة يأخذ أهمية
مركزية خطيرة.
إنه من الخطأ
البالغ أن نقول
إن المجموعات المتطرفة
المتعصبة مثل القاعدة
أو منظمات الجهاد
هي التي تملأ الفراغ
في المرجعية الدينية
في الإسلام المعاصر.
إن من الواضح أن
هذه المجموعات
قادرة على اقتراف
أفعال على درجة
عالية من العنف
الظاهر والتي تلفت
أنظار الجمهور،
ولكن هذه المجموعات
المتطرفة تبقى
هامشية من الناحية
الإجتماعية العلمية. وهي مع هذا
تعبر بشكل متطرف
عن تيارات فكرية
وعقلية في الإسلام
المعاصر.
ولقد استمدت
بعض هذه المجموعات
المتطرفة أفكارها
من التزمت المتصلب
للتيارات السلفية. ولقد نشأت
الوهابية على يد
محمد بن عبد الوهاب
في القرن الثامن
عشر في جزيرة العرب. وقد حاول
الشيخ عبد الوهاب
أن يطهر الإسلام
من الفساد الذي
لحق بالدين. وتبنى حرفية
صارمة صار معها
ظاهر النص المصدر
الوحيد للمرجعية،
وأبدى عداوة صارمة
للتوجهات الصوفية
والمذهبية والعقلية
في الإسلام. فالدعوة
الوهابية تؤكد
أن لابد من العودة
إلى الإسلام البسيط
المباشر؛ وهذا
ممكن بالتطبيق
الحرفي لتعاليم
الرسول والتمسك
المتين بالسنن
الصحيحة. ومن المهم أن
نشير أن الدعوة
الوهابية رفضت
أي محاولة لتأويل
الشريعة باعتبار
السياق التاريخي
أو الاجتماعي،
ورفضت كذلك إمكانية
إعادة التأويل
عند تغير الظروف
والأوضاع. وتعاملت
مع قطاع واسع من
التاريخ الإسلامي
على أنه فساد وبعد
عن الإسلام الموثوق. وعرّفت الرشد
والاستقامة بشكل
ضيق محدود وأبدت
تعصباً وغلواً
ضِدَّ كل من عارض
نظرتها هذه.
وحدث في القرن
الثامن عشر التبني
السياسي للحركة
الوهابية والتمرد
على الحكم العثماني
في جزيرة العرب. وكان هذا
التمرد عنفياً
إلى حد كبير ذهب
فيه قتلى من المسلمين
وغير المسلمين
على حد سواء. ومما يلفت
النظر أن العلماء
المعاصرين من تيار
الأغلبية مثل ابن
عابدين الحنفي
والشيخ الصاوي
المالكي تحدثوا
عن الوهابية باعتبارهم
خوارج العصر وأدانوا
تعصبهم وتطرفهم. وقد هزمت
الجيوش المصرية
بقيادة محمد علي
هذا التمرد عام
1818 فأخلدت الوهابية
إلى مصيرها كأحد
مظاهر الانشقاقات
التاريخية التي
لم تترك أثراً
دائماً على الفكر
الإسلامي. ولكن الحركة
الوهابية انتعشت
في بداية القرن
العشرين بتحالفها
مع الحكم المحلي. وظل تأثير
الوهابية محدوداً
حتى منتصف السبعينات
عندما ارتفعت أسعار
البترول بشكل حاد
والتي ترافقت بحملة
مكثفة لنشر الحركة
وساهمت بامتدادها
إلى العالم الإسلامي.
ولا تقدم الوهابية
نفسها على أنها
مذهب أو مدرسة
بتوجهات خاصة في
الإسلام ولكنها
تقدم نفسها على
أنها الصراط المستقيم
الراشد الموثوق. وبالاستناد
إلى النصوص الموثوقة
بشكل حرفي استطاعت
الوهابية أن تدعي
المرجعية والمصداقية
في وقت كانت الهوية
الإسلامية مثار
خلاف ونزاع. وقد رفضت
الحركة أن تسمى
وتعرف بالانتساب
إلى إي شخص حتى
الشيخ ابن عبد
الوهاب نفسه. وإنما أصرت
على الانتساب إلى
السلف الصالح واستولت
بذلك على ما تحمله
السلفية من رمزية
وتصنيف.
ومن المفارقة
أن السلفية قدمت
صورتها في بداية
القرن العشرين
على يد جمال الدين
الأفغاني ومحمد
عبده ورشيد رضا
كحركة فكرية تقدمية
استجابة لتحديات
التحديث وذلك بالرجوع
إلى الأصول في
القرآن والسنة
ومحاولة تفسيرها
مرة أخرى. ولكن الوهابية
نجحت (في السبعينات)
في تحويل السلفية
من حركة تقدمية
تحديثية إلى فكرة
حرفية متزمتة محافظة. وقد مكنت
أموال البترول
من نشر الفكر الوهابي
تحت شعار السلفية
التي تعني الرجوع
إلى الأصول الصحيحة
والتي لم يدخلها
التحريف عبر التاريخ. ولكن الواقع
يشهد أن الحركة
الوهابية فرضت
تقاليد البداوة
على النصوص الإسلامية
وراحت تنشر هذه
التوجهات على أنها
تمثل المرجعية
الإسلامية الصافية.
ورغم التعصب
والصلادة التي
تطبع الحركة الوهابية،
فإنها لا تتحمل
مسؤولية وجود جماعات
إرهابية بين المسلمين
اليوم. ومن
جهة أخرى فإنه
تشترك الوهابية
والامتدادت المسلحة
في التوجهات الفكرية
والنفسية، فكلاهما
يؤكد على الأمور
المعيارية الشكلية
التي تعتمد بشكل
كبير على النصوص. وكلاهما
يرفض فكرة القيم
الإنسانية العامة
وكلاهما يتعامل
مع الآخرين بشكل
مصلحي أو حتى انتهازي. ولكن تتميز
الوهابية بأنها
تركز على الداخل. ورغم أنها
تهتم بالقوة، فإنها
تتوجه بشكل أساسي
إلى السيطرة على
المسلمين، وهذا
متوافق مع الهوس
بالمرجعية وصحة
أداء أشكال العبادة. ولكن الجماعات
المسلحة المتزمتة
هي في نفس الوقت
متوجهة إلى الداخل
الإسلامي وإلى
الخارج، وتحاول
تأكيد موقفها المتصلب
تجاه المسلمين
وغير المسلمين
على السواء. وتعتبر الجماعات
المسلحة -كحركة
شعبية- رد فعل على
الإخضاع الذي عانى
منه المسلمون في
العصر الحديث على
يد الحكومات الاستبدادية
الغاشمة أو على
يد القوى الأجنبية
المتدخلة. فلقد حاولت
هذه المجموعات
التعويض عن شعور
الإخضاع المبالغ
بادعاء القوة بشكل
مبالغ ومبتذل. وصارت أفعالهم
الرمزية التي يعبرون
فيها عن قوتهم
عنيفة ومتعصبة
إلى أبعد الحدود
تغذيها أفكار الاستعلاء
والتزمت.
يعرض المتزمتون
المسلمون سواء
أكانوا ذوي خلفية
وهابية أو توجهات
مسلحة أخرى مجموعة
من النصوص لدعم
توجهاتهم المنغلقة
والمتعصبة. وهم يستشهدون
غالباً بالآية
الكريمة: ((يا أيها
الذين آمنوا لا
تتخذوا اليهود
والنصارى أولياء،
بعضهم أولياء بعض،
ومن يتولهم منكم
فإنه منهم إن الله
لايهدي القوم الظالمين)). وغالباً
ما يفهم هؤلاء
هذه الآية وأمثالها
في القرآن بشكل
حرفي منقطع عن
السياق التاريخي،
ويصلون إلى استنتاجات
تقصي الآخرين إلى
درجة بعيدة. وعلى سبيل
المثال يمكن للمسلمين
أن يستعينوا بغير
المسلمين عندما
تقتضي مصلحتهم
ذلك، في الوقت
الذي لا يمكن مصادقتهم
أو مشاركتهم في
القيم العادية.
ومثل هذا التوجه
يستدعي بعض التصرفات
الرمزية التي تميز
المسلم عن غير
المسلم مثل اللباس
والشعار المميز.
ويستشهد المتزمتون
كذلك، في الغالب،
بالآية الكريمة:
((ومن
يبتغ غير الإسلام
ديناً فلن يقبل
منه وهو في الآخرة
من الخاسرين)) لإثبات
أن آداب الإسلام
وأفكاره هي الطريقة
الوحيدة للنجاة
والخلاص. وبالإضافة إلى
ذلك فإن الإقرار
بالإيمان أو الخضوع
لأمر الله بشكل
عام لايكفي للنجاة
في الآخرة. إذ لابد للمرء
أن يذعن لتفاصيل
الشريعة الإلهية
حتى يمكن اعتباره
مؤمناً حقيقياً. فالمتزمتون
يرفضون بشكل لا
هوادة فيه أي شكل
من الإعتقاد أو
أشكال العبادة
التي لا تمثل دين
الله القيم كما
يرونه.
وعند الحديث
عن المبادئ التي
تحكم علاقة المسلمين
بغير المسلمين
فإن هؤلاء المتزمتون
يسوقون الآية التي
تأمر المسلمين
بقتال الكفار
((حتى
لا تكون فتنة ويكون
الدين لله)) وكذلك
يبرر هؤلاء توجهاتهم
التفوقية الاستعلائية
بسوق الآية ((قاتلوا
الذين لا يؤمنون
بالله و اليوم
الآخر من الذين
أوتوا الكتاب حتى
يعطوا الجزية عن
يدٍ و هم صاغرون)).
و بالاعتماد
على مثل هذه النصوص
يؤكد المتزمتون
أن المسلمين هم
الوارثون للحقيقة
الإلهية المتجسدة
الواضحة. و يمكن
إن يُتسامح مع
اليهود و النصارى
و لكنهم لا يمكن
أن يكونوا أصدقاء
. و من ناحية أخرى
لابد من إخضاعهم
للاعتراف بتفوق
المسلمين بدفع
الجزية. و ليس بالضرورة
أن يستدعي فكر
المتزمتين إقصاء
حقوق غير المسلمين
أو تعريضهم للاضطهاد،
ولكن يؤكد هذا
الفكر علواً في
المرتبة للمسلمين
و بالتالي يصبح
الالتزام بالتسامح
هشاً و ثانوياً،
كما يؤدي إلى التكبر
الذي قد يتمثل
في عدم الاحترام
أو عدم اعتبار
مصالح و كرامة
غير المسلمين.
وعندما نضم إلى
هذا التوجه المتكبر
النصوص التي تحض
المسلمين على قتال
الكفار فإن من
الممكن أن ينتج
من هذا توجه متطرف
للحرب و العنف.
يعتمد المتزمتون
في نظرتهم المتعصبة
و التي تقصي الآخرين
على قراءة آيات
القرآن في فراغ،
وكأن معنى الآيات
لا علاقة له بالتوجهات
الأخلاقية أو السياق
التاريخي. في الوقت
الذي يستحيل فهم
هذه الآيات وغيرها
إلا باعتبار الرسالة
الأخلاقية العامة
للقرآن. فالقرآن
يشير إلى القيم
الأخلاقية العامة
كالرحمة والعدل
والإحسان والخير،
ولكن لا يحدد بالتفصيل
هذه القيم و يترك
المجال للقارئ
وحسه الأخلاقي
ليتعامل مع تطبيقها
وتنزيلها. فالمعروف
أنه يُترك مفهوم
الخير، في كل الآيات
التي تحض عليه،
على أنه المعنى
العام الذي يدركه
الناس فيما تعارفوا
على أنه خير. و كأن القرآن
يشير إلى الحقيقة
الحية و الخبرة
الإنسانية و الفهم
الذي بنى معنى
هذه القيمة المعيارية.
و كذلك
الإحسان، و التي
تعني التجميل و
التحسين، الذي
يأخذ معناه ضمن
السياق التطبيقي
في الاجتماع البشري،
و كذلك العدل. فالقرآن
يقول: ((يا أيها الذين
آمنوا كونوا قوامين
بالقسط شهداء لله
و لو على أنفسكم
أو الوالدين و
الأقربين. إن يكن
غنياً أو فقيراً
فالله أولى بهما
فلا تتبعوا الهوى
أن تعدلوا. و إن تلووا
أو تعرضوا فإن
الله كان بما تعملون
خبيراً)). ففكرة أن يقوم
المرء بالقسط ولو
على نفسه تشير
إلى إمكانية وصوله
إلى درجة عالية
من الالتزام الأخلاقي. و يُنتظر
من المسلم أن يصل
إلى درجة عالية
من الحس الأخلاقي
التي يستصحبها
في علاقته بالله. ففي كل التزام
أخلاقي يفترض النص
القرآني أصلاً
أن للقارئ حساً
أخلاقياً فطرياً
يباشر به النص
ليتم التفاعل بين
النص بإيحاءاته
الأخلاقية و القارئ
المتهيء أخلاقياً.
فمعنى النص
الديني ليس محصوراً
في المعنى الحرفي
للكلمات و الحروف
ولكنه يعتمد على
البناء الأخلاقي
الذي يعطيه القارئ
للنص. فإذا تعامل
القارئ مع النص
دون استحضار لالتزامه
الأخلاقي فإنه
لن يرجع من النص
إلا بالشكل و الحرفية
و التخريجات القانونية.
و من جهة أخرى،
فإن من الضروري
استحضار الظروف
التاريخية التي
أحاطت ببعض التوجهات
القرآنية. فكثير
من المفاهيم مثل
الجزية أو الولاء
لغير المسلم لا
يمكن فهمها إلا
إذا أحاط القارئ
بالممارسات و الأعراف
المتأصلة في ظروف
تنزيل الوحي. و عندما يُفرَّغ
القرآن من السياق
الأخلاقي و السياق
التاريخي يصبح
النص عند المتزمتين
لائحة طويلة من
الأوامر القانونية
المفرغة من الالتزام
الأخلاقي.
إن الخطاب
القرآني على سبيل
المثال يؤكد التنوع
و التسامح و يقرر
الاختلاف و التنوع
في المجتمع الإنساني
((يا
أيها الناس إنا
خلقناكم من ذكر
و أنثى و جعلناكم
شعوباً و قبائل
لتعارفوا إن أكرمكم
عند الله أتقاكم
إن الله عليم خبير))، و في
موضع آخر يؤكد
القرآن أن الاختلاف
هو جزء من الإرادة
العليا و جزء من
حكمة الخلق ((و لو
شاء ربك لجعل الناس
أمة واحدة و لا
يزالون مختلفين
إلا من شاء ربك و لذلك خلقهم)). و لم يتوقف
المفسرون الأولون
ملياً ليدرسوا
مستتبعات التعدد
أو دور حل النزاعات
بشكل سلمي لتهيئة
التواصل الاجتماعي
الذي يسمح بالتعارف. فالقرآن
لم يحدد الطريقة
التي تستطيع بها
الشعوب و القبائل
الحصول على هذه
التعارف. و على وجه التحقيق
مازال موضوع التعدد
–كحكمة معلنة للخلق-
بحاجة إلى دراسة
أعمق في الفكر
الإسلامي. فالعلماء
المسلمون الأقدمون
لم يجدوا ما يدفعهم
للبحث عن معاني
التنوع و آفاقه
العملية، و لعل
ذلك يرجع إلى حالة
التفوق و التمكين
الذي تمتع بها
المسلمون في عصر
الحضارة الإسلامية. وإنه لمن
الانصاف أن نقول
في الوقت ذاته
أن الحضارة الإسلامية
كانت تعددية و
متسامحة مع مختلف
العناصر الاجتماعية
و الدينية. ولكن العمل
على فهم الآفاق
العلمية للالتزام
بالتنوع الإنساني
و التعارف المتبادل
في العصر الحديث
يتطلب تأملاً أخلاقياً
و مراعاة للظروف
التاريخية و هذا
هو بالتحديد ما
ينقص عقيدة المتزمتين
و فكرهم.
و يتحدث القرآن
الكريم عن التعددية
الدينية و التشريعية،
إضافة للإشادة
بالتنوع الانساني. فرغم أن القرآن
يعلن أن الإسلام
هو الحقيقة الإلهية
ويطلب الإيمان
بمحمد خاتم الرسل
، ولكنه لا يستبعد
احتمال وجود سبل
أخرى للخلاص. فهناك
مجموعة من الآيات
لا تزال بحاجة
إلى تأمل عميق
من المفكرين المسلمين
يعترف فيها القرآن
ويعلن مشروعية
التعددية الدينية
والتشريعية. فالقرآن
يعلن ((لكل جعلنا
منكم شرعة ومنهاجا
و لو شاء الله لجعلكم
أمة واحدة، ولكن
ليبلوكم فيما آتكم
فاستبقوا الخيرات
إلى الله مرجعكم
جميعاً فينبئكم
بما كنتم فيه تختلفون)) و في
آية أخرى يقرر
القرآن أن بالإمكان
لغير المسلم أن
يفوز بالنجاة
((إن
الذين آمنوا و
الذين هادوا و
النصارى و الصابئين
من آمن بالله و
اليوم الآخر و
عمل صالحاً لهم
أجرهم عند ربهم
ولا خوف عليهم
ولا هم يحزنون)). ومن المهم
أن نشير أن هذه
الآية وردت في
نفس السورة التي
تنهى المسلمين
أن يتخذوا اليهود
والنصارى أولياء
فكيف يمكن التوفيق
بين مدلول هاتين
الآيتين. فإذا قرأنا النص
باعتبار السياق
التاريخي و الالتزام
الأخلاقي فإننا
سنرى النصوص المختلفة
جزءاً من خطاب
مركب عن العلاقات
التبادلية و استجابة
للظروف التاريخية
للمدينة في عصر
النبوة.
وتدعو السورة
المسلمين إلى دعم
التجمع المسلم
الناشئ في المدينة
لكن دون أن تعمم
الإدانة لليهود
والنصارى الذين
تقرر الآية أن
((لهم
أجرهم عند ربهم))، بل
وتقبل تميز المجتمعات
اليهودية والنصرانية
بقوانينها وهويتها
مع التأكيد أن
للمسلمين حقوقاً
مثل سائر التجمعات
الأخرى.
فالسورة تؤسس
للأعراف والتوقعات
النفسية لمفهوم
الاعتراف المتبادل. ففي الوقت
الذي تدعو فيه
المسلمين لنصرة
النبي على مناوئيه،
اليهود والنصارى،
تعترف بالقيمة
الأخلاقية و حقوق
غير المسلمين
(الآخرين).
وغالباً ما
يثار موضوع الجهاد
كنقيض لادعاء تسامح
الإسلام. فالجهاد وكما
تصوره وسائل الإعلام
الغربية بالتحديد،
يرتبط بفكرة الحرب
المعلنة باسم الرب
ضد الكفار، ولهذا
يرتبط الجهاد بأشد
صور التعصب الديني. وبداية لابد
أن نقرر أن القرآن
يحرم كل صور الإكراه
والإرغام للتحول
إلى الإسلام فالحق
بين والباطل بيّن
((فمن
شاء فليؤمن ومن
شاء فليكفر)) و ((لا إكراه
في الدين)). وبالطبع فإن
هذا جواب غير كاف
لأنه بغض النظر
عن حرمة الإكراه
للدخول في الإسلام
فإن مبدأ الحرب
التوسعية لبسط
النفوذ الإسلامي
على غير المسلمين
يمكن أن يظل مقصوداً
ومقبولاً. فهل يتغاضى
القرآن عن مثل
هذه الحرب التوسعية؟
ومن الطريف
حقاً أن التراث
الإسلامي لم يذكر
مصطلح الحرب المقدسة.
فالجهاد ببساطة
يعني بذل الجهد
و العمل لنصرة
قضية عادلة. وكما
ورد عن الرسول
الكريم أن الجهاد
الأكبر هو جهاد
النفس والحرب المقدسة
هو مصطلح لم يستعمله
القرآن أو العلماء
المسلمون. وفي
الفكر الإسلامي
لم تكن الحرب يوماً
مقدسة بل هي حرب
مبررة أو غير مبررة. فإذا كانت
الحرب مبررة وعادلة
فإن هؤلاء الذين
قتلوا فيها شهداء. والقرآن
لا يعرف حرباً
دائمة لا تنتهي،
ولا يشترط لكي
تكون الحرب عادلة
مبررة أن يكون
المحارب المعتدي
البادئ مسلماً. وبعبارة
أخرى لا يستبعد
القرآن أن يكون
المسلمون في الطرف
المعتدي في أزمة
من الأزمات.
وكذلك عندما
يسمح القرآن للمسلمين
أن يقاتلوا من
قاتلهم يؤكد القرآن
أن لا يخرج المسلمون
في قتالهم إلى
العدوان. ورغم
أن العدوان هو
مصطلح غامض، لكن
القرآن بين أن
المسلم يجب أن
ينضبط بمتطلبات
المكافأة والتساوي
ولو كانت القضية
عادلة. والقرآن
بين ((والحرمات قصاص،
فمن اعتدى عليكم
فاعتدوا عليه بمثل
ما اعتدى عليكم
واتقوا الله والله
عليم بالمتقين)). ورغم تحريم
العدوان وإدانة
الحرب المطلقة،
فإننا نجد الكثير
من العلماء المسلمين
قد تبنوا توجهاً
يحمل طابع الإخضاع
والسيطرة (الإمبريالية)
والذي يقسم العالم
إلى دار حرب ودار
إسلام ويؤيد فكرة
الحرب التوسعية
ضد غير المؤمنين.
ولكن هذه الفكرة
لم تكن محل إجماع
فقد جادل عدد من
العلماء في ذلك
بأن الكفر وحده
ليس مبرراً ما
لم يكن هناك تهديد
ملموس ضد المسلمين. وإذا أراد
غير المسلمين أن
يعيشوا بسلام كان
على المسلمين أن
يعملوا للوصول
إلى السلام . والقرآن
يؤكد أن الله لا
يمنع المسلمين
من العيش بسلام
مع الذين لا يقاتلون
المسلمين. ولكن الله
يمنع المسلمين
من منح السلام
لأولئك الذين طردوا
المسلمين من ديارهم
ويستمرون في اضطهادهم
((وإن
جنحوا للسلم فاجنح
لها وتوكل على
الله))، وفي موضع
آخر يطلب القرآن
من المسلمين أن
لا يردوا طلب الكفار
إلى السلام ويذكرهم
((ولو شاء الله لسلطهم
عليكم فقاتلوكم
فإن اعتزلوكم فلم
يقاتلوكم وألقوا
إليكم السلم فما
جعل الله لكم عليهم
سبيلا)). وكل
هذه الآيات بما
تحمله من توجهات
لم تكن لتعني شيئاً
إذا كان على المسلمين
أن يكونوا في حرب
دائمة مع الكفار
الذين يعتبرون
عدوا دائماً وهدفا
مستمراً للقتال.
والنقطة المهمة
الإخرى التي تتعلق
بالتسامح هي موضوع
الجزية التي تؤخذ
من أهل الكتاب
الذين يعيشون في
بلاد المسلمين.
ففي زمن تنزل القرآن
كانت الضريبة التي
تؤخذ من المجتمعات
الغريبة أمراً
معروفاً في جزيرة
العرب وخارجها.
و اعتماداً على
الممارسات التاريخية
ناقش علماء المسلمين
موضوع الجزية على
أنها ضريبة تؤخذ
مقابل حماية الدولة،
فإن عجزت الدولة
عن الحماية فلا
يحق لها أن تجبي
الجزية وهو ما
فعله الخليفة الثاني
عمر بن الخطاب
عندما أعاد أموال
الجزية لبعض القبائل
التي لم تستطع
حمايتها من الرومان
البيزنطيين آنذاك.
وبغض النظر
عن نظرة الحماية
في تبرير الجزية
فإن القرآن لم
يقرر هذا التصرف
بشكل مطلق لا يحتمل
التأويل. وهنا
لابد من اعتبار
الظروف التاريخية
فالقرآن أقر هذه
الضريبة رداً على
بعض المجموعات
في جزيرة العرب
والتي كانت تعادي
باستمرار للمجتمع
الناشئ.
والأهم من ذلك
أن الرسول الكريم
لم يأخذ الجزية
من كل قبيلة خضعت
للنفوذ الإسلامي
من غير المسلمين. بل على العكس
لم يفرض الرسول
الجزية على بعض
القبائل من غير
المسلمين الذين
لم يواجهوه بالعداء،
وإنما كان يدفع
لهم بين حين وآخر
بعض المال أو الحاجات،
وهم من اعتبروا
(المؤلفة قلوبهم). ومرة أخرى
دخل عمر بن الخطاب
مع قبائل النصارى
من العرب على شرط
ألا يدفعوا الجزية
بل يدفعوا الزكاة
التي تفرض على
المسلمين.
وكل هذه المؤشرات
تدل على أن الجزية
ليست ممارسة تصل
إلى حد الاعتقاد
الواجب ولكنها
حل عملي جرى اعتماده
استجابة لظروف
تاريخية محددة.
والقراءة التي
تعزل النص عن الظروف
التاريخية هي وحدها
التي تستنتج أن
فرض الجزية هو
جزء من البرنامج
الإلهي لإخضاع
غير المسلمين.
إنه لابد من
التنبيه إلى أن
القرآن أو أي نص
آخر إنما يتحدث
عبر قارئه وتعتبر
قابلية الإنسان
لتفسير النص عبئاً
وبركة في آن واحد. فهي بركة
من ناحية إذ تعطينا
المرونة التي تسمح
بالتكيف مع الظروف
المتغيرة. أما قدرة
الفهم والتفسير
فمسؤولية القارئ
أن يتحرى القيم
التي يستصحبها
عند قراءة النص. إن أي نص،
بما في ذلك النصوص
الإسلامية تزودنا
بمعاني محتملة
وليس بمعاني نهائية
قطعية. ولابد
يتعامل القارئ
مع هذه الاحتمالات
لاستغلالها أو
تطويرها وفهم المقصود
منها، ونحن نأمل
أن تجري هذه العملية
بنيّة صادقة وأن
تأخذ بعين الاعتبار
تعقيدات النص بحد
ذاته. وعلى
هذا فالنص يصطبغ
بتوجه قارئه فإذا
كان حاقداً غاضباً
متعصباً مسيطراً
فلن يكون تأويله
للنصوص خارجاً
عن صبغته وتوجهه.
وقد يكون مجانبة
للصدق أن ننكر
أن المصادر الإسلامية
تحتمل تفسيرات
متعصبة متزمتة. ومن الواضح
أن هذه الاحتمالات
استغلها المتزمتون
المحدثون ولكن
النص لا يدفع باتجاه
هذا النوع من القراءة
. فقد أظهرت
الحضارة الإسلامية
عبر التاريخ قدرة
رائعة في الاعتراف
بإمكانيات التسامح
والتصرف بموجب
هذه الإمكانيات. وقد أنتجت
الحضارة الإسلامية
العرف الأخلاقي
والإنساني الذي
سمح بحفظ الفلسفة
الإغريقية وأبدعت
في العلوم والفنون
والتوجهات الاجتماعية
النافعة. وللأسف
يهدر المتزمتون
المحدثون، للأسف،
كل هذا التراث
الملهم ويسدُّون
الطريق على فهم
التراث الإسلامي
بشكل متسامح مفتوح.
وأخيراً فإنه
إذا قيّمنا المسار
الأخلاقي للحضارة
بناء على ما قدمت
في سابق عهدها
فإنه سيكون لدينا
سبباً وجيهاً للتفاؤل. ولكن يقع
عبء وبركة استمرار
هذا التوجه –الذي
يتحسس خطاب التسامح
والانفتاح على
الآخر في القرآن-
مهمة يتحملها الجيل
المسلم المعاصر
في تعامله وتفسيره
للتراث.
* باحث
نحرير وأستاذ مادة
القانون الإسلامي
في جامعة جنوب
كاليفورنيا في
لوس أنجلز. ترجم المقال
عن الإنكليزية
بإذن المؤلف