د.
باسم الذهبي
إن
التطور التقني خلال التجربة الإنسانية بشكل عام و خلال القرن الماضي بشكل خاص، قد
أحدث تغيرات هائلة في حياة الإنسان
والمجتمعات إيجابيةً في حالات كثيرة وسلبيةً في حالات أخرى. وإن الكثير من التحولات الاجتماعية
والفكرية كانت وما تزال نتيجة محاولة تلك المجتمعات تبني أو استعمال التقنيات التي
أصبحت متوفرة. إن اقتناء تقنيات متطورة تساهم في تحسين حياة الأفراد ورفع مستوى
الخدمات عند الشعوب هو أمر ضروري ينشده الإنسان و يتطلبه الطموح البشري. غير أن السؤال الذي يحتاج إلى الإجابة
هو: كيف نختار من بين هذا الكم الهائل من التقنيات ما هو ضروري و مفيد ، و كيف
نحدد ما هو ملائم؟ إذ أن وجود تقنية
متقدمة أو توفرها لا يقتضي الحاجة إليها و لا يجعل استخدامها ضرورة ، فتوافر الشيء
يجب أن لا يكون الدافع الأساسي للسعي لاستخدامه.
و
تجد الشعوب المفتقرة للتقنيات الجديدة نفسها في أغلب الأحيان تحت رحمة مؤسسات
التمويل الدولية التي تحاول - بقصد أو من غير قصد - أن تقدم لتلك الدول من العون
مما قد يكون فيه انعكاس سلبي يزيد من وضعها سوءاً . ذلك أن مؤسسات التمويل الدولية
و التي تقودها الدول المانحة وأغلبها من الدول المتقدمة تقنياً ، تحاول تقديم ما
تراه ملائماَ من وجهة نظرها هي. و
اختيارها في أغلب الأحيان هو بالطبع لما يضمن لها استمرار تفوقها التقني من ناحية
واستمرار اعتماد تلك الدول عليها من ناحية أخرى. إذ أنك ترى أنّ الكثير مما تقدمه تلك الدول المتقدمة ينضوي تحت
لائحة التقنيات الاستهلاكية الجاهزة، فهي ترسل القمح دون أن تساعد في تطوير
الزراعة، وترسل الدواء دون المساعدة في كيفية تفادي الأمراض، مما يرسخ بقاء هذه
المجتمعات مجتمعات استهلاكية تنتقل من تقنية إلى أخرى دون أن يكون لهذا العون أثر
حقيقيّ ملموس في بناء البنية التحتية التقنية.
و
حتى لا يتصور المرء أن المشكلة تنحصر في تلك الدول المانحة، فإنّ علينا أن ندرك
أنّ شعوب ومجتمعات الدول التي ترى نفسها متخلفة تقنياً في سعيها اللاهث من أجل
اللحاق بموكب الشعوب المتقدمة تقنياً تعاني من مشكلة اختيار ما تحتاج إليه ، و في
أغلب الأحيان تغفل هذه الشعوب عن النظر إلى ما في جعبتها أو تحت قدميها من
إمكانيات أو تقنيات يمكن استغلالها
و تطويرها ليكون لها فيها تأمين الكفاية.
وتعاني
أغلب الشعوب المفتقرة للتقنيات الجديدة من ظاهرتين مرضيتين؛ هما ظاهرة
"الإقحام التقني" وظاهرة "إهمال الكمون الذاتي". إذ طالما نرى أن توافر تقنية ما في تلك
المجتمعات يتحول فجأة إلى ضرورة
ملحة يسعى وراءها الأفراد سعيهم وراء حاجاتهم و هي إلى الترف و الإسراف
أقرب ، و يكفيك النظر إلى عدد أطباق استقبال البث التلفزيوني في الدول
العربية لترى برهان ذلك. وكم من مرة
استوردت إحدى تلك الدول المتخلفة تقنية دون أن تدري أنّها تملك عناصر ومكونات ما استوردت ودون أن
تدرك الكامن من طاقاتها و قدراتها.
وقبل
أن أبدأ بالتحدث عن التقنيات الملائمة أو المناسبة أريد أن أوسّع تعريف التقنيات
من مفهومها الضيق الذي يشمل الآلات أو الأدوات، إلى النظم والطرائق التي تستخدمها
الشعوب المتقدمة تقنياً في حل مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية. بمعنى أني لن أقتصر في حديثي عن التقنيات
الملائمة على التحدث عن أدوات التخاطب والاتصال، أو المواصلات أو العلاج الطبي ، وإنما سأوسّعه ليشمل
الحديث عن مفاهيم العمليات الإنتاجية وعن طرائق الإنتاج والتنمية. وبهذا يشمل الحديث عن التقنيات الملائمة
كلاً من الآلي الملموس والفكريّ المجرّد. و ليس السبب في توسيع هذا المفهوم تقديم تعريف جديد لما هو معروف بل لتسليط
الضوء على الجوانب الكثيرة التي تتفاعل التقنيات معها و تؤثر فيها. إذ أن البعد الاجتماعي والفكري
للتقنيات يجب أن لا يهمل عند التحدث
عن التقنية لأن في هذا الإهمال اختزال لحقيقة اجتماعية و تجاهل للتأثير المتبادل
بين الفكر و الواقع.
وقبل
الخوض في الحديث عن تقنيات معينة وعن ملاءمتها أو عكس ذلك سأقدم نظرة تحليلية
لمثال نعيشه يومياً في تقنيات التنقل والمواصلات. والغاية من تقديم هذا المثال هو إلقاء الضوء على الروابط التي
تتفاعل في عملية انتقاء تقنية ما (أي جعلها تقنية ملائمة) وفي استمرار هذه
التقنية.
نحن
نعلم أن السيارة أو النقل البري بالسيارات أو الشاحنات هو عصب تقنية المواصلات في
الولايات المتحدة، إذ تصل الشوارع المعبدة إلى كل زاوية وناحية في هذه القارة
الشاسعة المتناثرة الأرجاء. وننظر
في المقابل لنرى أن القطارات في أوربا تشكل عصب تقنية المواصلات هناك إذ تصل السلك
الحديدية إلى كل قرية ومدينة في انتظام ودقة. والسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا لا تستعمل الولايات المتحدة
تقنيات القطارات والسكك الحديدية لتكون عصب تقنيات المواصلات فيها؟ فهي أكثر اقتصادية وأقل ضرراً
للبيئة. خاصة وأن مؤسسة حفظ
البيئة-في الولايات المتحدة نفسها- تحاول من خلال التشريعات وضع القيود على شركات
السيارات الوطنية والأجنبية من أجل تخفيض نسبة الغازات التي تطلقها عوادم
السيارات. ويتساءل المرء لماذا هذا
التناقض؟ خاصة وأن في قدرة الولايات
المتحدة تطوير شبكة النقل الحديدي لديها باستخدام قدراتها التقنية الذاتية أو
بشرائها لتلك التقنيات من الدول المتقدمة في هذا المجال كاليابان وفرنسا.
ومن
هنا تبرز عوامل اختيار أو انتقاء التقنيات وهو ما نسميه (التقنيات الملائمة). فوجود تقنيات الخطوط الحديدية لا يعني
بالضرورة استخدامها عصباً لتقنيات النقل في كل مكان في العالم، إذ أنها تقنية
ملائمة في أوربا وهي غير ذلك بالنسبة للولايات المتحدة كما يرى المخططون
فيها. فالملاءمة أو عدمها لا يمكن
أن يكون من خلال النظر إلى التقنية بعينها في استقلال عن المجتمع الذي يستخدمها.
فعدد
العاملين في شركات السيارات مباشرة
أو في شركات يعتمد انتاجها على استمرار وجود السيارات وشركاتها هو عدد كبير جداً
يقدره البعض بعشرات الملايين. كذلك
فإن للسيارة وللطريق عمراً استخدامياً يقصر بكثير عن عمر القطار والسكة الحديدية،
بمعنى أن الدورة الحياتية أو الدورة الإنتاجية للسيارة والطريق أقصر بكثير من
الدورة الإنتاجية للقطار أو للسكة
الحديدية، وهذا أمر إيجابي (على المدى القصير) في بلد يريد أن يرى عجلة الاقتصاد
تدور بسرعة وينتج هذه السلعة بنفسه، كما هي الحال في الولايات المتحدة.
الأمر
الآخر هو أن الإنسان الأمريكي بطبيعته يرفض التقيد أو الانتظار. فوجود السيارة أمام البيت يتيح من الحركة
في الوقت وفي الاتجاه الذي يريد ما لا يتيحه أي حل آخر، حيث يتطلب استخدام القطار
وسيلة للمواصلات بعضاً من الانتظار في بعض الأحيان وتبديلاً أو انتقالاً من قطار
إلى آخر في حالات أخرى. بمعنى أن
برنامج القطارات وارتباطات شبكة السكك الحديدية قد تفرض قيوداً لا يتحملها ذوق
الفرد الأمريكي ، أي أن هناك حاجة لتغيير ثقافي ليتناسب مع النمط التقني . إن إيقاع الحياة في أمريكا أسرع من
إيقاعها في أوربا ولا شك أن لشبكات التنقل ووسائله وتقنياته دوراً في ذلك. أضف إلى ذلك أنك تحتاج لصناعة ملايين
السيارات في العام الواحد بينما قد لا تحتاج أمريكا إلا تصنيع مئات من القطارات في
العام الواحد. كذلك فإن تقنية
السيارات وتعقيدها الآلي يتطلب تقدماً و تطوراً عاليين في تقنيات عديدة هندسية و
إنتاجية. إن كون السيارة عصباً
رئيساً لتقنية المواصلات قد يجعل منها تقنية ملائمة في مكان ما ومجتمع ما
كالولايات المتحدة، بينما يجعلها غير ذلك في مجتمع آخر أو في مكان آخر.
ولكن
يجب أن لا نغفل الثمن الباهظ لخيار السيارة. إن الدول التي تجعل من السيارات العصب الرئيسي لتقنيات
المواصلات دون القيام بدراسة موضوعية مستقبلية قد تضع نفسها في إشكاليات الاهتراء
و قطع التبديل وتلوث البيئة في وقت قد تكون هي في غنى عنه وربما كان من الأفضل
اختيار تقنية ملائمة ثانية دون إقحام السيارات وسيلة رئيسة. إن النظر إلى الأبعاد الاجتماعية
والاقتصادية والفكرية في اختيار تقنية ما هو أمر في غاية الأهمية والحساسية. إذ
تحتاج الشعوب والمجتمعات إلى دراسة و تحليل نظمها الاجتماعية والفكرية والاقتصادية
قبل اختيار تقنية ما، ففكرة الملاءمة في عبارة "التقنيات الملائمة" تشير
بوضوح إلى الانسجام بين الشيء ومحيطه حتى لا يؤدي إقحام التقنيات
غير الملائمة إلى إحداث
تغيرات اجتماعية واقتصادية وفكرية تدفع بالشعوب إلى الأزمات و إهدار الموارد.
عند
التحدث عن ظاهرة إهمال الكمون الذي تعاني منها الكثير من الدول المتخلفة تقنياً،
أقدم مثالاً له علاقة بتقنيات الطبابة واقتصادها. إذ تعاني الولايات المتحدة منذ
بداية العقد الماضي من أزمة تسارع ازدياد كلفة الخدمات الطبية لدرجة أصبحت ترهق
الاقتصاد الأمريكي. فعلى الرغم من أنّ الكثير من المشافي قادر ومؤهل على تقديم
خدمات طبية رفيعة المستوى إلا أن تلك المشافي أصبحت ترهق بحالات الطبابة العادية التي قد لا تستدعي بالضرورة مؤسسات طبية
رفيعة المستوى. و قد بدأت منذ فترة ظاهرة انتشار ما يسمونه (mid mother) . وهي مؤسسات
طبية بسيطة تديرها على الأغلب سيدة مؤهلة تأهيلاً طبياً، تقوم فيها بالإشراف على
حالات الحمل و الولادة العامة ما لم يكن هناك حاجة لتدخل طبيّ يحتاج لمشفى أو طبيب
اختصاصيّ. و تتابع هذه المؤسسة أو السيدة المرأة الحامل خلال فترة تطوّر الجنين
ونموه ومن ثمّ تقوم نفسها بعملية التوليد ما لم يكن هناك من مضاعفات طبية تستوجب
إشراف طبيب توليد أو أجهزة لا تتوفر سوى في المشافي. وتلقى هذه المؤسسات ترحيباً شديداً في المجتمع لنجاحها في
تقديم خدمات طبية شخصيّة بعيدة عن تعقيدات المشافي الكبيرة وازدحامها بتكاليف لا تتجاوز أعشار ما تكلفة المشافي،
في جوّ يتيح للأسرة تقديم العون
للأمّ الجديدة.
إنّ
ما سبق وصفه لهذه المؤسسات الطبية البسيطة ما هو إلا الصورة الحديثة لما عرفته
مجتمعاتنا في السابق باسم "القابلة القانونية". وبدل أن تطوّر مجتمعاتنا
دور تلك المؤسسة (القابلة القانونية)
علمياً و تقنياً مستفيدة من المنظومة الاجتماعية والاقتصادية، قمنا بتقليص
دورها لنرى أن مجتمعات أخرى متقدمة علمياً وتقنياً وجدت فيما رمينا به حلاً ناجعاً لأزمة تضخم التكاليف الطبية من
ناحية ولأزمة فقدان الرعاية الشخصية التي تعاني منها المشافي الكبيرة من ناحية
أخرى. إنّ إعادة تطوير دور تلك
المؤسسة (القابلة القانونية) - و التي اضمحلّ دورها خلال العقدين الأخيرين لأسباب
كثيرة لسنا في صدد نقاشها هنا - يمكن أنّ يقدم لكثير من المجتمعات خدمات طبية
ضرورية تنسجم انسجاماً كاملاً مع النسج الاجتماعي والاقتصادي لها. إن ضرورة تأمين
الكفاية يجعل من الأهمية بمكان أن ندرك شعوباً و مجتمعات الطاقات والنظم و
المؤسسات الكامنة في مجتمعاتنا قبل النظر فيما يمكن استيراده من تقنيات ملائمة من مجتمعات متقدمة
تقنياً.
وقد
يعجب البعض إن قلت -وأنا لست ممن يدعون إلى الفرار من التقنية- أن الدول المفتقرة للتقنيات الجديدة تقنياً هي في موقع يتيح لها دراسة
تأثيرات التقنية على المجتمعات التي سبقتها، و تستطيع بذلك التعلم من أخطاء
الآخرين ممن سبقوا في استخدام هذه التقنيات. بمعنى أنها من
موقعها الخلفي تستطيع الاستفادة من التجارب السابقة دون أن تقع نفسها في مطبات
التجربة وأخطائها. ومن الملاحظ أن
المجتمعات والشعوب التي حققت تطوراً ملحوظاً خلال السنين الثلاثين الماضية قد
أفادت إلى حد كبير من دراسة تلك التقنيات والنظم وقامت باستخدام ما ينسجم مع نظمها
الفكرية والاجتماعية. وقد أتيح لي زيارة كوريا الجنوبية مرات عديدة، وتعد كوريا
الجنوبية في مقدمة دول "النمور الآسيوية" والتي حققت تقدماً اقتصادياً
وتقنياً ملحوظين رغم وجودها بين دولتين لا تكنان لها المحبة والمودة وهما اليابان
والصين. وقد جمعت خلال زياراتي بعض
الملاحظات التي تتعلق بالتطور الإقتصادي و التقني وبالاستخدام الموفق إلى حد بعيد
لتلك التقنيات الملائمة لهم والتي تنسجم مع الطبيعة الفكرية والاجتماعية للشعب
الكوري والذي يمكن أن يكون مثالاً للشعوب الشرقية بشكل عام. وأنا في هذا العرض لا أدعو للسير وراء
التجربة الكورية خطوة بخطوة، فهذا عكس ما أشير له أنّ البحث عن التقنيات
الملائمة يتطلب دراسة الظروف
الموضوعية لاستخدام تقنية ما، فالشعوب وإن تشابهت تكويناتها فتجاربها التاريخية
تختلف وتتباين. غير أنّ دراسة
التجارب الإنسانية - من وجهة نظري - كان ولا يزال ينضوي تحت "الحكمة ضالة
المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها".