د. المصطفى تاج الدين*
سأحاول
أن أقدم في هذه الورقة تعقيبا على تأملات الأستاذ المقريء الإدريسي[1]،
التي عنوانها منهج التفكير في القرآن الكريم، ولقد أعددت هذه الملاحظات في عجلة لم
تسمح بالتقصي، وفي سرعة لم تسمح بالتروي، كنت فيها متجاذبا بين دواعي الكتابة
وصوارف الظروف، فهي إذن أقرب إلى أن تكون تأملات على تأملات، وقولا على قول، فما
كان فيها من توفيق فمن الله ، وما كان فيها من نقص فمني، ولله وحده الكمال .
قدم
الباحث الفاضل إضاءات حول منهج التفكير في القرآن. والحقيقة أن الأمر لا يتعلق
بمنهج متكامل العنصر والأجزاء، وإنما هي أنظار وآراء، يمكن بفضل التطوير والتقليب،
أن تصبح نسقا ونظاما، ثم إنها تؤكد على جانب متفرد داخل منهج التفكير القرآني وهو
إعمال الاستدلال العقلي لترسيخ العقائد المؤكدة بالنص.
ونستطيع
جادين أن ندخل هذه التأملات المكتنزة، لتحديد مجالها النظري، في فضاء أوسع هو فضاء
التأويل. فالأفكار التي بناها
الباحث حول النص الإلهي ترجع في أساسها إلى رؤية مستبطنة في التأويل يمكن الكشف
عنها وتمييز حدودها.
لقد
تعامل الباحث مع موضوعات مختلفة في مغامرته التأويلية هذه ترتد طبيعتها إلى صنفين
: موضوعات ذات صفة لغوية، وموضوعات ذات صفة رمزية أو سيميائية (غير لغوية)[2].
والصنف
الأول موضوع معروف، لأن اللغة، بصفتها الرمزية الدالة، تكره العقل حين التلقي على
الانحشار في عملية الفهم والإدراك انحشارا مباشرا، ولهذا فعملية تأويل النص اللغوي
عملية تلقائية لزومية، سواء تعلق الأمر بأدنى درجات التأويل وهي التفسير الحرفي
للألفاظ والتراكيب، أم تعلق بأرقاها وهي النظر المقصدي في الرسالة اللغوية.
أما
الصنف الثاني فموضوع مبتكر جديد؛ لأنه يوسع دائرة التأويل لتشمل النصوص غير
اللغوية، بل إنه يحيل الأفعال والحركات والفضاءات إلى موضوع قابل لاستقطار
الدلالة، ويحتاج هذا –فيما يبدو لي – إلى قدرة خاصة تستطيع التعمق في فهم الظاهرة
الكونية، والحركة البشرية وتحويلها إلى رمز دال، لقد أصبح فضاء نزول الوحي، وشخصية
الرسول صلى الله عليه وسلم في بعدها العملي موضوعين سيميائيين يفيضان بالدلالة،
شأنهما في ذلك شأن النص المنزل.
وأعتقد
أن هذا من الجديد الذي ينبغي أن نحتفي به ونعمق فيه النظر، وإن كان – من وجهة نظر
أصولية – يستلزم غير قليل من الحذر والحيطة[3].
فأفكار
الباحث الجليلة، يمكن وضعها ضمن المنهج التأملي في اكتساب المعرفة، وهي طريقة في
البحث ترتكز على اسثمار الآليات الذهنية المجردة(بكسر الراء) في عملية التفكير. إن
التأمل المباشر في القرىن الكريم، بعيدا عن الارتباطات المعرفية الأصلية،
والاكتفاء بعملية الاستبطان الذاتي للموضوع، يضع نفسه في إطار ما سميناه منزع
التأويل الذاتي subjective
interpretation [4] وهو
منزع مثير لاستشكالات عدة حين إعماله منفردا في تفسير الكتاب الكريم، هذه
الاستشكالات هي من قبيل الصلة المفترضة بين التأمل والتفسير؟ وشرعية التأمل الحر
في كتاب الله بعيدا عن أصول النظر المقررة؟ وحدود هذه المغامرة التأملية؟
وإذا
استطعنا تطوير إجابات سليمة عن هذه الأسئلة، فيمكن من دون شك، الاستفادة المبصرة
من الجديد الذي تفرزه عملية التأمل في "الكتاب" ، وفي المقابل التجانف
عن المحاذير الشرعية والأصولية المفترض تلبسها بمثل هذه الطريقة في البحث والنظر.
وإذا
كانت هذه الملاحظات نوعاً من أنواع التفسير، ولعلها كذلك، فهي تحتاج، لتكتمل
إجراءاتها النظرية، وتسدد تنزيلاتها العملية، لاستفراغ النظر في المراتب الأولى
للتفسير.أقصد أن المهيع التأملي ينبغي أن يرتبط، من حيث المبدأ، بالدلالات الحرفية
والتاريخية باعتبارها مؤشرات دالة على التأويلات الصحيحة، وأن يهدف ،من حيث
المقصد، إلى الاقتراب من مرادات المنزل، وليس فقط البحث عن الموقف الفكري في النص،
وتحميل المقصد الرباني مقاصد مستبطنة في الذات المؤولة.
والعجيب
أننا نجد تناظراً غريباً بين مراتب المعرفة عامة وطرائق التفسير، فإذا كانت عملية
الإدراك تتحقق بالمعرفة مطلقا لتترقى صعدا إلى التفكير في هذه المعارف المدركة، ثم
ينتهي معراج النظر إلى التأمل الخلاق في المعارف الجديدة، فإن منهج التفسير يبدأ
أيضا بإدراك جزئي للألفاظ والتراكيب، ثم يرتقي إلى التفكير فيها بربطها بالسياق
الداخلي ( اللغة ) ثم بالسياق الخارجي ( أسباب النزول ) ثم الترجيح بين معانيها
المختلفة، إلى أن يصل إلى التأمل المكتنز بكل المعارف السابقة ليكتشف أمداء رحبة،
وأسرارا عميقة في النص.
ومعنى
هذا أن المتأمل في الكتاب ينبغي أن يحكم آلة المعرفة النصية الأولى وهي اللغة،
ويستوعب التفسيرات الأولى للنص، ويوازن بينها، وبعد تحقيق هذا، يستقيم له التأمل
على ركن ركين، إذ التفسير بمجرد الرأي مردود بإجماع.
وفيما
يتعلق
بشخصية الرسول
المتأملة، أود أن أقيم توازيا متناغما بين عملية التأمل بصفتها استعدادا ذهنيا
لتقبل الوحي، وبين عملية الوحي ذاتها.
فإذا كان التأمل كما أسلفنا انحشارا في الموضوع على سبيل الاستغراق المقتضي
للانفكاك الكلي عن الارتباطات الخارجية، فإن عملية الوحي بما هي اتصال بين الإلهي
والبشري، تقتضي في ذاتها تساميا للنبي لحظة التلقي إلى درجة الانسلاخ من البشرية
بعبارة ابن خلدون. إن القدرة على
المرور من العالم البشري إلى العالم اللدني والتي مردها إلى الاصطفاء الإلهي
تستلزم استعدادا على المستوى الروحي والذهني للانسلاخ من عالم الأفكار والمشاعر
المحيطة.
أورد
الباحث تفسيرا جميلا لسبب ابتداء الوحي بفعل القراءة، وربطه-تنزيلا للنص على
الواقع- بواقع الصحوة الإسلامية ، واستنتج منه ضرورة التكوين الفكري فيها لإنجاح
مشروعها. ولقد ذكرني هذا بفائدة
قيمة لابن قيم الجوزية؛ وهو يدلل على رأيه في أن سورة العلق سبقت سورة المدثر في
النزول، وخالف فيه منهج الكثيرين قبله في كيفية الاستدلال على أول ما نزل من
القرآن، إذ استندوا إلى مجرد النقل والإسناد، لأن ترتيب النزول أمر توقيفي عن
المبلغ، فانصرفوا راشدين يوازنون بين الروايات[5].
في
حين ذهب ابن القيم بعد إيراد الروايات إلى أن " الأمر بالقراءة في الترتيب
قبل الأمر بالإنذار فإنه إذا قرأ في تفسه أنذر بما قرأه. فأمر بالقراءة أولا ثم
الإنذار بما قرأه ثانيا"[6]. وهي طريقة استدلالية عقلية في ترتيب
السورتين من حيث النزول.
إن
السياق العام الذي ورد فيه البحث هو الوضع العام الذي يجتازه الفكر الإسلامي
المعاصر، والمتميز بنوع من الفقر في المعرفة في مقابل التضخيم في الخطاب الأخلاقي
والتربوي. وهذا ما يجعلنا رهيني
ثنائيات غير متوازنة بين العقل والروح، وبين الفكر والقلب. بين النظر والعمل، خلقت
وضعا مأزوما- مع الاعتراف باستثناءات معتبرة- قوي فيه حجم الواعظ على حساب العالم،
والسياسي على حساب المثقف، والعامل على حساب المنظر. فهاجس هذه الورقة إذن، هو البحث عن التوازن والاعتدال بين طرفي
المعادلات السابقة؛ لتحقيق المفهوم الشامل والحقيقي للتربية في الإسلام.
ويحضرني
هنا، المشروع الفكري والإصلاحي الذي أسسه ابن تيميه وتلميذه ابن القيم. إذ نجد أن
الخيط الناظم لفكرهما هو تجديد الدين بإقامته على وسطية مفقودة في عصرهما بين
الفقه والتربية، ولذلك نجد في خطابهما نوعا من التوحيدية الجامعة بين العقل
والنقل، والفقه والسلوك، والنظر والتزكية.
لقد لاحظ ابن القيم أن أزمة خلق المسلم في عصره تأسست على انحرافين : انحراف يأتي بطريق الشهوة : وهذا مظنة
زلل العالم، لأنه ،وإن تحصن فكريا، فإنه ضعيف من جهة الروح، فيعجز عن مغالبة
الهوى؛ إذ محل مغالبتها هو الإرادة.
انحراف يأتي بطريق الشبهة : وهذا محل سقوط العابد، لأنه لا يفقه في العبادة
فيوشك أن يقع في البدعة وربما في الشرك، لأنه، وإن تربى قلبيا، فإنه ضعيف من جهة
الفكر، فيعجز عن مغالبة الشبهة، لأن محل مغالبتها هو العقل .
لهذا
ينبغي أن نحذر من المغالاة في اتجاه معين، فللعقل مكانته المعتبرة التي للقلب، وأي
تجانف عن هذه النظرة التوحيدية الوسطية ، فإنه سيعيد إنتاج الأزمة من جديد.
* الدكتور
المصطفى تاج الدين الجامعة الإسلامية العالمية-ماليزيا
[1] المقال بعنوان: منهجية
التفكير كما يبرزها القرآن الكريم ، منشور في مجلة الرشاد، السنة الخامسة - ربيع
الأول 1421/يوليو 2000
[2] من المعروف في مجال اللسانيات أن الظواهر
القابلة للتأويل نوعان : - ظواهر
لغوية وهذا مجال علم الللسانيات، وظواهر غير لغوية كاللباس والعلامات الإيقونية
وتعبيرات الوجه، وهذا مجال السميائيات وهو علم بشر به اللغوي دي سوسير في أوربا، كما
تنبه إليه العالم المنطقي الأمريكي بيرس.
[3] لقد حاولنا في دراسة سابقة وضع ضوابط للتأويل الديني
والأدبي، مستفيدين من أنظار علماء الأصول، وكذا من إنجازات الدرس اللساني المعاصر.
راجع : النص القرآني ومشكل التأويل، مجلة إسلامية المعرفة ، س 4 ، ع 14 ، 1998 .
[4] من مؤيدي هذا المنهج في التراث كثير من
المتصوفة، والباطنيين وفي الغرب التفكيكيون، وبعض علماء الهرمنوطيقا ، ويقولون بأن
المعنى غير موجود في النص ولكن المؤول هو الذي يمنح النص معناه.
[5] ابن قيم الجوزية، زاد المعاد ، ط الرسالة ، (1/35)
[6] الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ط المكتبة
العصرية (1/206)