كلمة التحرير

رياض أدهمي

 

يجمع الدارسون أن مما يثير العجب والاستغراب ،  والحنق والغضب في آن واحد لدى المراقبين على ساحة الفعل الحضاري اليوم أن المسلمين رغم افتقادهم لكثير من المتطلبات والمقومات .. ولكن مصرون على ألا يتركوا المسرح ، ومصرون على أن يكون لهم دور ومشاركة ومساهمة على كل صعيد .  ويمثل الإسلام ظاهرة كونية تبدو وكأنها الاستثناء لقانون التداول الذي يحكم سير الحضارات وازدهار الشعوب واندثارها لتكون في ذاكرة التاريخ ماضٍ لا يعود ، وممارسة حكم عليها الزمان بالانتهاء .

وقد تكون المفارقة كامنة في خطاب إنساني عالمي يعلنه القرآن الكريم ... مع انحصار وعزلة وذعر وخوف يمارسه المسلمون في فهم دينهم ، وعجز عن صياغة خطاب ديني يناسب ما آلت إليه أمور الدنيا ، وقد حطمت ثورة الاتصالات السدود والحواجز وفتحت كل مجال لبناء الجسور وتفعيل الحوار والتبادل والانتقال على كل صعيد.

إن متطلبات فهم الخطاب العالمي مازالت بعيدة عن واقع المسلمين وفكرهم وفهمهم لدينهم ... يبدو ذلك في الأدبيات المنشورة والفتاوى الصادرة والممارسات الثقافية المتعددة ، والتي تؤكد أن كثيرا من مجتمعات المسلمين مازالت تعيش عصر الأسوار وخصوصيات مراحل تاريخية عفا عليها الزمان .

وكثيراً ما تلتقي محاولات الأعداء لتجاهل الإسلام واعتباره ظاهرة تاريخية يجب أن تبقى في الكتب والمتاحف ، مع محاولات صديق جاهل يحاول أن يرفع من شأن تراث الأقدمين وعطاء العلماء السابقين ليكون حاجزا لمدّ آفاق فهم الخطاب القرآني وراء ظروف وملابسات وسياق عطاء الأقدمين .

إن وعي المسلم بمهمته ورسالته وخروجه من ضيق خصوصيات المكان والزمان إلى رحابة الخطاب القرآني العالمي الإنساني هو الشرط لاستعادة العافية في الفكر والعمل ، واستعادة الدور والتأثير في الفعل الحضاري الذي ينتظره ويصبو إليه المستضعفون في أرجاء الأرض ، أو الذين أدركوا ــ من أهل الحضارة الغالبة ــ لاإنسانية ممارسات الفراعنة المعاصرون وتدميرهم للحرث والنسل ونشرهم الفساد في البر والبحر بعيداً عن قيم التعارف والتعايش والتكافل والتعدد والتنوع .

وفي هذا العدد من " الرشاد " نحاول أن نتابع تأصيل مفاهيم البناء ، ومفاتيح مفردات التصور والفهم لاستعادة الدور الحضاري الفاعل لأمة الإسلام رحمة للعالمين.  وانطلاقاً من مفاهيم عالمية الإسلام وشمول الرسالة ومرجعية القرآن والسنة ، وانطلاقا من وجود الأمة الذي يستعصي على الإفناء والتذويب والإلغاء ، ويستعلي على خصوصيات الزمان والمكان ... يتناول هذا العدد من الرشاد موضوع ( فقه الأقليات ) حيث يضعه الدكتور طه جابر العلواني حيث يجب أن يكون من بناء الأمة خارج إطار الأعذار وأحكام الضرورات والالتصاق بالفرد بعيداً عن حس الانتماء بالعهد وتصديقاً بالوعد الذي أخذناه على أنفسنا بأن نجعل العلم إماماً للعمل ، وأن تصب خدمة الفكر في تزكية الواقع وإبراز نماذج للفعل الذي ينطلق من حدود الفرد إلى آفاق الأمة ووجودها ورسالتها... كما تأخذ الدكتورة منى أبو الفضل بيد الباحث في رحلة منهجية تستكشف كنه الأمة ومداخل فهمها وتحليل واقعها... إلى جانب مقالات أخرى تلقي أضواء على محور هذا العدد الذي يتعلق بالوجود المسلم في غير أرضه المعتادة... والله المستعان.