إلى أن نـلـتقي

 

بعد يوم طويل من العمل الشاق انتهى فريق المسح الطبوغرافي من تثبيت إحدى العلامات المساحية على قمة الجبل ، و تأكد العاملون أن موقع العلامة يحقق الدقة المطلوبة ، و جاءت نتائج القراءات و الرصد لبعض العلامات على قمم الجبال المجاورة مطابقة للحسابات المضنية المعقدة .

جمع الفريق العتاد و العدة و حملوها على البغال وقصدوا قرية قريبة ليتابعوا رحلتهم إلى المدينة من هناك . و قبل مغادرة القرية أراد رئيس الفريق أن يتأكد جهدهم طوال النهار لن يضيع سدى ، فتوقف عند مختار القرية و تبادل معه بعض الحديث ، و ختم زيارته بتحذير شديد و بيان أكيد لأهمية العلامة الطبوغرافية و أن العبث بها يضيع جهود الفريق أياماً و ربما لحق العابثين بها مسؤولية قانونية و ملاحقة قضائية و ربما وصل الأمر إلى دفع غرامة باهظة أو الحبس و ربما . . . و ربما . .  و لم يغادر الفريق القرية حتى تأكد رئيس الفريق أن مختار القرية قد فهم أهمية الموضوع و أنه سيذل جهده لمنع الطفيليين أو الرعاة من العبث بالعلامة و إفساد معالمها .

و في اليوم التالي توجه الفريق المساحي إلى قمة جبل آخر ليتابع العمل في نشر شبكة محطات الرصد الطبوغرافية . و بعد نصب الأجهزة و التأكد من دقة توازنها و قياساتها و بعد إجراء الحسابات اللازمة بدأوا  رصد العلامة التي فرغوا من تثبيتها بالأمس و لكنهم لم يروا شيئاً . راجعوا حساباتهم و تأكدوا من سلامة أجهزتهم فكان كل شيء يشير إلى أن الأجهزة و الحسابات ليس فيها خطأ يمنع من الرصد و رؤية العلامة في مكان توقعها .

و بمزيج من مشاعر الخيبة و الغضب و الإحباط جمع أعضاء الفريق عتادهم و رجعوا عبر طريق متعرج وعر حتى وصلوا القرية و انطلقوا إلى بيت المختار و لم يخف رئيس الفريق غضبه و استياءه عندما سأل المختار عن العلامة الطبوغرافية .

استغرب أعضاء الفريق الهدوء و البرود و الثقة التي قابل المختار بها الغضب و الإنفعال عندما قال: اطمئن يا سيدي فكل شيء على ما يرام .  

أجاب رئيس الفريق : كيف يكون كل شيء على ما يرام و العلامة قد سرقت و عبث بها من عبث من أهل القرية !

قال المختار : معاذ الله يا سيدي ، العلامة لم تسرق و لم يعبث بها أحد . لقد خفت على العلامة عبث العابثين فنزعتها من مكانها و خبأتها عندي في البيت ، و ها هي العلامة فخذها و لا تقلق فأنا خير من حفظ الأمانة و رعى العهد و الذمام .

كان المهندس يروي هذه القصة الطريفة متذكراً أيام الشباب و كان يضحك من سذاجة و بساطة المختار الذي لا يدري معنى العلامات الطبوغرافية و وظيفتها و أهميتها في البنية الإقتصادية و القانونية و الفنية في البلاد ، فهو لم ير فيها إلا الخشب و الأرقام و الألوان أما موقع العلامة و ارتباطه بالأرض و معالمها فلا يعني شيئاً عند هذا الرجل الطيب المخلص .

ما أكثر البسطاء المخلصين الطيبين الذين يظنون أن حفظ الأشكال و الرسوم و الحروف هو الذي يعفيهم من التبعة و المسؤولية و يريح ضمائرهم فيما التزموا به من واجبات .

و ما أشد غفلة من يظن أن الوقوف عند الأشكال و الرسوم يحفظ عليهم دينهم و قيمهم و الهدى الذي أنزله الله تعالى ليوجه حياتهم .

و ما أكثر الذين يغفلون عن المعاني و المقاصد و الحِكم و يقفون عند الفهم الحرفي للنصوص و يقطعونها عن سياقها من المكان و الزمان و الأحوال ، و يبترونها عن مراميها في تزكية الواقع و تأصيل الخير و اجتثاث الفساد .

و ما أكثر الذين تغيب عنهم الصورة الإجمالية للامور و يذهلون عن الإطار العام للوقائع – و الذي تفهم من خلالها الجزئيات و تأخذ معناها و أهميتها – فتضطرب عندهم الموازين فيعرضون عن المهمات و الضروريات و ينشغلون بالتافه و الفتات .

و عندما تأخذ الجزئيات معناها و موقعها من ارتباطها بالمعاني الكلية و الإطار الجامع تصبح معْلَماً و دليلاً و هادياً و مرجعاً ، و عندها يكون الإلتفات إليها حاملاً القيمة و الوزن و الأهمية التي أرادها الشرع من كل تفاصيل العبادات والآداب و الأخلاق .