مازن هاشم
صرحت حديثاً صحيفة "ديلي
لافغنري" (The
Daily Lavigneri) والناطقة الرسمية باسم مجمع الأساقفة
الإيطالي في أن أكل المطاعم السريعة يفتقر إلى الوجه الجماعي للطعام من مشاركة
الآخرين ويتجاهل قداسة الطعام. وصرح رجل الدين ماسيمو سيلاني(Massimo Celani) أن الناس في مطاعم المكدونالد تبغي مجرد وجبة طعام سريعة،
وهذا موقف مبالغ في الفردية، كما هاجم أكل
الهامبرغر ووصفه بأنه عادة وافدة وتصرف غير كاثوليكي.
ولفت نظري هذا الموقف الديني
الذي يصدر فتوى في مسألة اقتصادية اجتماعية في عصر يعتبر نفسه أنه فصل الكنيسة عن
الدولة ، رغم أن البابا الحالي يمكن أن يعتبر من أنشط سياسيين عالم اليوم. وأثار هذا التصريح في ذهني مسألة
"تعددية مستتبعات السلوك البشري"... وهو ما سأعالجه في هذا المقالة، وإن
كانت معالجتي سوف تبدو علمانية مقارنة بالتصريح، خالية من التحدث عن القداسة أو
إصدار الفتوى، هدفها البيان العلمي وتمحيص الأمر في أبعاده الصحيّة والإقتصادية
والإجتماعية.
ولا يخفى أن مطعم المكدونالد
أصبح شعاراً لنمط من العولمة تشكل التبعية أحد مكوناتها. وهناك
أنماط عديدة للتطويع والإخضاع، ولكن أكثرها فعالية ما يسيطر على الدوافع الذاتية
والتصورات الداخلية، ويسترهب ويجيء بسحر
عظيم. وذلك أنه إذا تحقق هذا النوع من التطويع،
تلته تبعية خاضعة تعشق من يقتلها ويضر بها، وأحد أشكال هذه التطويع هو التبعية
المعوية.
والتبعية
مصطلح ليس بجديد، كثر إستعماله إلى حد كاد أن يفقد معناه أو أن تمل منه الناس على
أنه نوع من التكرار. وربما تراجعت جاذبية هذا المصطلح لثلاثة أسباب:
الأول: هو أن مصطلح ( الموضة
) اليوم هو " الانفتاح " وقد يعكس مفهوم التبعية بعض المعاني المناهضة
للإنفتاح... وكأن الذي يتكلم بالتبعية يتكلم ضد روح العصرــ العولمة .
الثاني: هو أنه كثر إستعمال
مصطلح التبعية بشكل ضبابي غير مرتبط بالسلوك البشري بوضوح.
الثالث: هو أنه استهلكته
أنظمة سياسية وجعلته ستاراً
لسياساتها الاعتباطية وإنتماءاتها الإيديولوجية (الاشتراكية).
وسأحاول في هذا المقال المقتضب أن أربط
مفهوم التبعية بسلوك يومي لا يستطيع بشر أن يستغني عنه، ألا
وهو الأكل.
أما من الناحية الصحية فإن
الحمية منخفضة النشويات وعالية البروتين حمية مضرة بالجسم وتساهم في إحداث الإمساك
المعوي والدوخة ، بل ربما تتسبب في أذى للكلى. ويتناسى هذا النوع من الحمية أن النشويات
هي مصدر الطاقة الرئيسي للجسم عن طريق سكر الجلوكوز ، وبالذات فإن الطاقة
الكاربوهيدرية النشوية هي المصدر المفضل لبعض أجهزة الجسم مثل الدماغ والجملة
العصبية. ومن أخطار هذا النوع من الحمية
هو إنخفاض مدخلات الألياف إلى الجسم – علاوة على تشكيله جيوب تعفنية في الأمعاء –
فإنه ترتبط هذه الحمية مع بعض أنواع السرطان وارتفاع سكر الدم للمصاب به ، بالإضافة
إلى بعض أخطار مرض القلب وارتفاع احتمال مرض هشاشة العظام .
إذا كان هذا ما تقوله
الأدبيات الصحية فلنا أن نتسائل كيف تنتشر صرعة
هذا النمط الغذائي وتصبح رمز اصطفاء!
كيف يمكن
أن يصبح نمط غذائي مضر بالصحة رمز "التقدم" بل وشعار المنزلة الإجتماعية
العالية ؟ وعلى هذا فإن استخدامي
لمصطلح التبعية في هذا المقام ليس تجاوزاً،
لأن إنتحال هذا النمط ليس له مبرر إلا التقليد... بل هو تقليد أعمى إذ أن أصحابه
يعتقدون أنهم يحافظون على صحة أجسامهم بالترفع عن ما يأكله العامة من
الخبز والحبوبيات.
ولو وقف الأمر عند هذا الحد
الفردي لقلنا بأن أثره محدود وأن إستعمال مصطلح التبعية مبالغ به
ولكن دعنا نتلمس نتائج هذا النمط الغذائي على المستوى
الجماعي لا الفردي.
إن نمط الحمية هذا نمط مشكل
إقتصادياً
لأكثر بلدان العالم الثالث ذات الكثافة السكانية العالية. وذلك
أنه مع انتشار حمية البروتين الحيواني يزداد استهلاك اللحوم.
وتحتاج الحيوانات مأكولة اللحم إلى مساحات أرض واسعة
لتأمين علفها. ويمكن لنفس المساحة الزراعية أن تنتج
محاصيل نباتية تؤمن الغذاء لخمسة أضعاف من البشر عما لو جُعلت مراعي للأبقار
لتقتات الناس على لحومها.
ولايخفى أن معظم بلدان
العالم لا تمتلك المساحات الواسعة التي تملكها أمريكا مثلا،
بل حتى أمريكا بدأت تعاني اليوم من مشكلة "ارتفاع الترعّي" الذي أخلّ
بالتوازن البيئي. وتفصيل
ذلك أن للأعشاب التي يمكن أن تستعمل علفاً
وظيفة هامة في الغابات حيث تشكل هشيماً
سريع الإحتراق يحمي الغابات من الحرائق الكبيرة.
ولكن
بعد زيادة استهلاك هذه الأعشاب كعلف في
إمريكا، تراجع الإحتراق الجزئي للغابات،
وهذا مضر بالغابات إذ أنه يتسبب في
حرائق مدمرة وقودها الشجيرات الصغيرة بدل الأعشاب
الهشة. لذا قامت
دائرة المحافظة على الغابات الحكومية بحملة تقطيع لنسبة من الشجيرات الصغيرة
في الغابات لتخفيف حجم هذا الوقود طويل مدة الإشتعال ولفسح المجال للأعشاب أن تنمو
من جديد. سوف يستغرق تنفيذ هذا المشروع عشر سنوات ويتطلب كلفة بضعة
مليارات الدولارات! ومرة ثانية نجد أن
الحمية عالية البروتين -بالرغم
من كونها سلوكاً فردياً
بحتاً- فانها تنعكس على المصلحة العامة وتهدد
الأمن الغذائي للبلاد. فالبلاد التي
ليس عندها مساحات رعوية سوف تضطر إلى زيادة الاستيراد لانخفاض
نسبة المردودية الانتاجية للمساحات الزراعية التي يمكنها
أن تطعم سكانها.
ولقد عاشت كثير من البلدان
أزماناً طويلة معتمدة على مصادرها الزراعية المحلية بشكل رئيسي، منسجمة مع ما
ينتجه البلد المخصوص من مواد تسد الحاجات الرئيسية
للعباد. وإذا بنا اليوم نعيش عولمة ثقافية تبدأ بالمعي
وتنتهي بالحريق وإفلاس المصرف المركزي...
وتحسن هنا الاشارة أن
السكرتارية الأمريكية للصحة (والتي تعادل وزارة الصحة) كانت قد جمعت أشهر أصحاب
وصفات الحـِمية في محاولة لإشاعرهم بمسؤلية ما يفعلون، ومنتقدة لوصفاتهم التي
تفتقر إلى أي بحث علمي. ويهمنا هنا
أن خاتمة المؤتمر أوصت الناس باتباع حمية متكاملة مثل حمية أهل بلاد الشرق
الأوسط!
لقد جعلت عقلية القطيع ما يضر البدن ويفلس الكيان
منزلة إجتماعية يُتباهى بها،
ليشكل هذا (وأمثاله) مدخلاً
للتماهي الثقافي الأعمى. ولنا أن نفكر مليّاً بالمستتبعات
البعيدة للسلوك اليومي،
ونتفكر في دوافعة النفسية ومستتبعاته الثقافية فلا
نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.