بناء المجتمع الأهلي

 د. عماد الدين أحمد*

 

تعرض بناء المجتمع المسلم في القرن الماضي لعقبات كبيرة ونعتقد أن معظم المشكلات في هذا السبيل كانت تنبع من النظرة الفوقية للمطالبين والداعين لبناء هذا المجتمع، وسنتعرض في هذا المقال لبيان ميزات العمل الشعبي الأهلي في أدنى مستوياته واقتراح بعض ما يساعد على وضع هذا التوجه موضع التطبيق .

أبدى ألكسس توكفيل (Alexis de Tocqueville) في دراسته الرائدة عن الديموقراطية في أمريكا قلقه الكبير لمعالجة مشكلة ضمان بناء وتطوير الديموقراطية بشكل متوافق ومنسجم مع الحرية، ويندر أن يبحث هذا الموضوع في المناقشات الدائرة لبيان التوافق بين الديموقراطية والإسلام.  وقد أعطت الثورة الفرنسية لـتوكفيل مثالاً صارخاً يبين كيف تؤول المنظومة الديموقراطية إلى طغيان مطلق يصل إلى حد الوحشية .  ولا يخفي أن الكثير من البلاد الإسلامية تمتلك واجهات لمؤسسات ديموقراطية ولكنها تدار بشكل استبدادي وهذا يكفي للبيان أن قلق توكفيل كان في محله .

وقد استنتج توكفيل أن الديموقراطية الأمريكية لها ميزة امتلاك مجتمع مدني أساسي جداً وهو ذو صبغة دينية إلى حد كبير، وليس هناك من شك أيضاً أن وجود مجتمع أهلي كفء يمثل عنصراً مهماً في بناء المجتمع الإسلامي، وليس هناك من يشك أن هذا الأمر غائب بشكل كبير في مجتمعات المسلمين المعاصرة، وفي حال وجود الجماعات والمؤسسات الأهلية فهي إما أنها تعاني من الحصار كما هو الحال في فلسطين المحتلة، أو أنها تعاني من التهميش كما هو حال معظم البلدان الإسلامية.  وقد دل تاريخ الديموقراطيات في العالم أن ديمقراطية حقيقية لا يمكن أن توجد في غياب مجتمع مدني فعال ومنفصل عن التركيبة السياسية وإطاراتها مع  إمكانية التفاعل والتواصل معها . وإن من المفيد حقاً أن يراقب المرء المشكلات الضخمة التي تواجه إقامة الديموقراطية في روسيا، فإن من المحقق أن هذا البلد بدأ طريقه لتأصيل الديموقراطية والحرية ولكنه لم ينجح حتى الآن وذلك لأن غياب المجتمع الأهلي حرم الروسيين من العقلية الضرورية لاستغلال الفرصة التي تمنحها وتيسرها الحرية .

إن أحسن نقطة لاستيعاب متطلبات العملية الديموقراطية والاعتياد على التفاعل الأهلي تبدأ على المستوى المحلي، وعندما تصبح هذه العقلية طبيعية ذاتية عند المشاركين يمكن عندها نقل هذه العملية إلى مستوى الأمة.

 تعريف المجتمع المدني

ارتبط تعريف المجتمع المدني قبل هيغل (Hegel) بالدولة، وقد نظر هيغل إلى المجتمع المدني على أنه مجموعة من المؤسسات التي تحقق متطلبات الحياة الاقتصادية وتنظم سعي الأفراد لتحقيق شؤونهم الشخصية . وإنني لأؤكد أن المجتمع المدني هو فرع ثالث مستقل عن الدولة وعن الفعاليات الاقتصادية، وأرى أن المجتمع المدني يضم المنظمات غير الحكومية والمساجد والكنائس والنقابات وجمعيات الإغاثة والعائلات، ويفترق دور هذا المجتمع عن دور الدولة احتكارها للسلطة وعن دور القطاع الاقتصادي ذي الفعاليات الربحية.  إن للمجتمع المدني مهمات خاصة ومتشعبة تساهم بمجموعها في ارتقاء نوعية الحياة في الأمة، إن المجتمع الأهلي هو مزيج من الوحدة والتنوع، وقد لاحظ كرانسون (Cranston) أنه رغم تطلب المجتمع الأهلي لمقدار مقبول من الالتحام مع قيم أخلاقية واجتماعية متجانسة ، فإنه رغم ذلك يحتوي على تعددية من الجماعات والأفراد تتشعب أهدافهم واهتماماتهم بشكل كبير ، وقد أشار إلى تناقض متطلبات المجتمع الأهلي مع التوجه الإيديولوجي ، وذلك لما يتصف به التوجه الإيديولوجي من حماس لفرض أهدافه على المجتمع بكامله.

وبهذا فإنه ليس من المستغرب في المجتمع الإسلامي التقليدي حيث يحتل الدين مكانه مركزية كنظام للحياة أن يمتلك مجتمعا أهلياً مزدهراً بينما تنحى المحاولات الجديدة لتعريف المجتمع الإسلامي منحا إيديولوجيا يتجاهل أو يقمع المتطلبات الضرورية للمجتمع الأهلي .  وعلى العكس من ذلك فإن الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر كانت حكومتها علمانية بشكل كلي بينما كان المجتمع يستند إلى قاعدة دينية عبر مؤسسات المجتمع الأهلي ذي الصبغة الدينية.

المجتمع الأهلي عبر التاريخ الإسلامي

قبل المضي في بيان غياب المجتمع الأهلي في العالم الإسلامي المعاصر. فإن من المفيد إلقاء نظرة إلى التاريخ الإسلامي لملاحظة أن هذا الغياب لم يكن مما يميز المجتمع الإسلامي التقليدي في عصره  الذهبي ،لقد كانت عظمة ذلك المجتمع أبلغ مدى من مجرد الانتصارات العسكرية أو نهضة علوم الشريعة ، لقد كانت عظمة ذلك المجتمع ترجع إلى عظمة الإنجازات العلمية والطبية والزراعية والنمو العمراني والعلاقات الدولية والتي كانت جميعاً تستند إلى بنية تحتية تضم قطاعاً واسعاً مستقلاً عن الحكومات وأصحاب الثروات.

لقد نمت البنية التحتية وتطورت بشكل غير مركزي إلى حد كبير وإنه من المؤلم حقا أن تغيب هذه الحقيقة وتغيب عنا أهميتها اليوم فكثيراً ما نشيد بالدعم والرعاية للحكام المسلمين والأغنياء ونجعل ذلك التفسير الوحيد للنهضة العلمية في ذلك العهد ، ورغم قيمة وأهمية دعم ورعاية الحكام والأغنياء فإن تلك النهضة لم يكن ليقدر لها أن تكون على ما كانت عليه لو أن الحكومات كانت تتحكم بشكل مباشر بمؤسسات التعليم ومؤسسات البحث بل على عكس اعتمدت تلك المؤسسات على استقلال ذاتي مكنها منه نظام الأوقاف، الذي كان يتألف من هيئات مستقلة وممولين ذوي كرم وأريحية بشكل مكن المؤسسات من القيام بدور فعال لا تستطيعه ولا تقدر عليه المؤسسات التي تدار بإشراف الحكومات في العالم الإسلامي ويصدق هذا الأمر على المشافي والعيادات، وفي بعض الحالات امتد هذا النظام ليشمل الطرق وقنوات الري التي اعتمدت عليها الحضارة الإسلامية .

وانه لمن المدهش حقا التماثل الذي يلحظه المرء في الدور الهام للمؤسسات والجمعيات الخاصة في المجتمع الأهلي الغربي وما كان عليه نظام الأوقاف المستقل. ولعل الفرق المهم بين النظامين هو أن الجمعيات والمؤسسات في المجتمع الغربي تنظم وتدار بشكل ديمقراطي، وهى مستقلة عن الحكومات وتقوم على العمل الطوعي التبرعي لطرح رؤية عن نوعية الحياة التي يجب أن تكون عليها الأمة وذلك عن طريق المشاركة المباشرة بالفعاليات الاجتماعية أو المشاركة غير المباشرة كهيئات استشارية للحكومات، وبالإضافة إلى ذلك يشكل أعضاء هذه المؤسسات قوة انتخابية تختار القيادات ولها دور كبير في الموافقة على السياسة في المسائل الهامة. وفي أمريكا ليس هناك من شك أن اجتماعات البلدية والكنائس ذات الإدارة الذاتية والتي اعتمدتها واعتادها المستوطنون الجدد، تمثل المبادئ التي أسسوا عليها حكوماتها المحلية والفدرالية.

فشل المجتمع الأهلي في العالم الإسلامي

بعد أن تعرفنا على المجتمع الأهلي ومكوناته يمكن أن ندرك بسهولة غياب هذا النظام في العالم الإسلامي المعاصر.  لقد كان سؤالا منطقياً تماماً عندما تساءل البعض: كيف نتوقع من المسلمين أن يهتموا بانتخاب قادتهم السياسيين في الوقت الذي لا يساهم أحد منهم في اختيار مجالس المساجد في أحيائهم ؟  لقد كان من أهم التغييرات التي أحدثها وارث الدين محمد لنقل مؤسسة "أمة الإسلام" (Nation of Islam) من شكلها البرلماني المركزي الذي ورثه عن أبيه إلى هيئات ديموقراطية غير مركزية تتوزع في كل أمريكا هو تكليف كل جماعة بانتخاب إمامهم بشكل مباشر مما أبرز قيادة حريصة على معالجة أحوال الجماعة أكثر من الاعتماد على السلطة التي تتمتع بها.

إن مثل هذا التصرف ليس مفقوداً في العالم الإسلامي فحسب بل لا يوجد في المساجد التي يتولى إدارتها مسلمون مهاجرون حيث تختار إدارة المراكز الإمام بدلا من الجماعة.

إن الأوقاف الموجودة في العالم الإسلامي اليوم لا تكاد تستحق هذا الاسم. وعند وجودها فإنها غير مستقلة وتخضع لإشراف مباشر من الحكومة، وقد يكون الاستثناء الوحيد لهذه الحالة المؤسسات الاجتماعية الفلسطينية والتي كانت إلى ما قبل اتفاق أوسلو مستقلة عن حكومة الاحتلال، رغم أن فاعلية هذه المؤسسات كانت محدودة بواقع الاحتلال الذي سمح لها ببعض النشاط على أمل أن تكون البديل عن منظمة التحرير .  ومما لا شك فيه أن وضع هذه المؤسسات تحت إشراف السلطة الفلسطينية يعاني تدهوراً كبيراً من جراء التعامل غير المعقول مع سلطة مركزية. وفي بلاد المسلمين هناك مشكلة أساسية أخرى تتمثل في الفساد، فالفساد والإسراف والهدر هي أمور مرتبطة بالتحكم السياسي بالموارد، وقد نال البروفيسور جيمس بوكانن جائزة نوبل لتوضيحه تأثير اختيار الجمهور بهذه الموضوعات، فأصحاب القرار في المجال الاقتصادي والسياسي يؤمنون مصالحهم الخاصة بنفس الوقت الذي يسهرون فيه على مصالح المؤسسات أو مصالح الجمهور، وتتم هندسة النظام الذي يحمى مصالح الجمهور على تفادى الفساد والهدر بينما تقود الأنظمة التي لا تراعى هذه المصالح إلى الفساد والهدر والتبذير.  وهذا الأمر ينطبق على الولايات المتحدة الأمريكية حيث تفرض مصلحة الضرائب سقفاً للنفقات الإدارية في المؤسسات الخيرية لا يتجاوز 25% في الوقت الذي تتجاوز فيه النفقات الإدارية للمؤسسات الحكومية 60% ورغم وجود بعض المؤسسات التي تصل نفقاتها الإدارية إلى 90% فليس هناك أي إكراه على أحد ليتبرع لمثل هذه المؤسسات، بينما صرف أموال الضرائب على نفقات البرامج الحكومية غير المجدية هو أمر إجباري .

 

بعض الطرق لبناء المجتمع الأهلي من القواعد

سبق أن أكدت أن الاعتياد على العملية الديموقراطية والتفاعل المدني على المستوى المحلي حتى تصبح طبيعة ذاتية تلقائية عند المشاركين يجعل من الممكن نقل هذه الممارسات إلى المستوى الوطني. وكما هي الحال دائماً، يجب أن نفصل بين الغايات والوسائل، فبدلاً من تشكيل ودعم جمعيات ومؤسسات تقوم على ممارسات فوقية تفرض الديموقراطية في العالم الإسلامي لا بد من إنشاء منظمات شعبية تهتم أولاً بالقضايا ذات الصلة المباشرة بأعضائها حتى يتم انتشار جيل من المخضرمين الذين يستطيعون إنشاء منظمات ذات اهتمام أوسع باتجاه إصلاح المجتمع.  ولعل أنسب بداية لهذا الأمر تكمن في المساجد نفسها.  وهذا تماماً هو ما حدث للمسلمين في الجمهوريات الإسلامية فترة  انهيار وضعف الاتحاد السوفييتي، فقد أقام الكثير من موظفي الحكومة والذين كانوا قد أخفو هويتهم والتزامهم الإسلامي، وبعد تقاعدهم من أعمالهم أسسوا جمعيات مستقلة للتعليم الديني وإقامة الصلوات بعيداً عن المساجد الرسمية والأئمة المعينين من الحكومة. وبعد المساجد تأتي المدارس ثم مؤسسات الخدمات الاجتماعية وجماعات الخدمة المدنية التي تسعى لتحسين الأوضاع الاجتماعية .

وتعتبر المدارس الحلقة المهمة في هذه السلسلة حيث يتم التغيير الجماعي عبر التعليم وما لم تدار المدارس بطريقة قائمة على اكتساب المهارات وليس على فرض وسكب المعلومات فإننا نكون قد حبسنا أنفسنا في دوامة التدمير الذاتي .  فالطلاب يجب التعامل معهم كوكلاء مستقلين اكتسبوا المهارات الأساسية، وليس على انهم أوعية تسكب فيها قراراتنا واستنتاجاتنا .  إن  علينا أن نعامل الطلبة وكأنهم الأمل أن يكون كل واحد منهم مجتهد، فإذا نجحنا في ذلك فإن من الممكن أن نتوقع منهم إنشاء مجتمع مدني كالذي نتحدث عنه، فإذا بدءوا هذا المجتمع محليا تمكنوا لاحقا من تحقيق دور الخلافة لله ونقل المجتمع إلى مستوى أكبر وأعلى .

ولكن من سيقوم بهذه المهمة ؟ وكيف؟

إن من الواضح أن القائمين على الحركات الإسلامية هم مسلمون تلقوا تعليمهم في الغرب وبحكم تجربتهم في الغرب فقد وصلوا في التزامهم بالإسلام إلى درجة لا يتمكنون منها لو انهم بقوا في بلادهم الأصلية ، ويبقى هذا صحيح على مستوى طيف واسع من الأفكار والاهتمامات والشخصيات ، فمن أولئك مثل سيد إقبال والذي أدت به تجربته مع الغرب إلى كراهيته والى رغبة جامحة لرفض كل ما تصوره فساداً في أصول الحضارة الغربية، أو مثل إسماعيل الفاروقي والذي أمدته تجربته بنظرة ناقدة لمواطن القوة في الحضارة الغربية وبرغبة في استعادة ما كان المسلمون قد أعطوا للغرب من مساهمات .

وكما أشرنا إلى تجربة المسلمين في جمهوريات الاتحاد السوفيتي، فإن من الملاحظ أن قادة الصحوة الإسلامية عبر بلدان العالم الإسلامي لم يكونوا الأئمة الرسميين ولكنهم كانوا مهندسين وأطباء.

ومن هذه الشريحة نفسها نستطيع أن نطور دعائم حركة المجتمع الأهلي الإسلامي.

ولكن كيف نفعل ذلك ؟ نكرر بان التطابق بين الغاية والوسيلة أمر أساسي، ولذا فعلينا أن نبدأ بإقامة مؤسسات أهلية لتسعى إلى الوصول والتشجيع لبلوغ حقيقة المجتمع المدني، وتحتاج تفاصيل هذا الطرح إلى وقت أطول ومساهمة عدد من المفكرين ولكني أقترح في هذه العجالة مثالا واضحاً يتمثل في تشجيع الشركات والمعاهد والمؤسسات إعطاء منح دراسية للطلبة المسلمين الراغبين في دراسة ما يؤهلهم لتطوير المؤسسات الأهلية انطلاقا من القواعد الشعبية الأهلية وسيكون في استطاعة هذا الجيل الجديد أن يساهم عبر الندوات والمؤتمرات في عملية ( الأسلمة ) و ( التمدين ) في مجالات تهم المؤسسات المانحة ، ومن هذا الجيل يستطيع نفر من هؤلاء المختصين أن يساهموا بإنشاء المؤسسات الأهلية في بلاد العالم الإسلامي أو المشاركة لأصحاب النشاط الإسلامي في فعاليات المجتمع المدني الفعال في الإطار الأمريكي.

 



* باحث متخصص في العلوم السياسية