د.
لـؤي صافي*
استجابة
لدعوة محرري الرشاد لتعريف قراء المجلة بمركز التوازن
التنموي وهمومه، أقدم فيما يأتي عرضاً مختصراً لسيرورة المركز وخططه المستقبلية.
وأستهل عرضي هذا بتحليل سريع لطبيعة التحديات التي تواجه المثقف المسلم والتي يسعى
المركز للتصدي لها وتعبئة جهود وطاقات النخبة المسلمة المثقفة للمساهمة في حل
المشكلات الحادة التي تواجه المجتمعات المسلمة اليوم.
تعود
جهود التنمية في المناطق الإسلامية إلى بدايات القرن التاسع عشر الميلادي. فمنذ
تجربة الإصلاح الإداري والتنمية الصناعية التي قادها السلطان العثماني محمود
الثاني في مدينة الإسلام (إستانبول)، والخديوي محمد علي باشا في مصر، توالت تجارب
الإصلاح في العالم الإسلامي دون أن تؤدي إلى تقدم صناعي وإداري وثقافي حقيقي. وعلى
الرغم من أن أسباب فشل الجهود الإصلاحية أو تعثرها عديدة ومتشعبة، فإن في مقدمة
الأسباب الغفلة عن البعدين النفسي والاجتماعي اللذين يشكلان المحور الذي ترتكز
عليه عملية التنمية.
إن
المدقق في تجارب التنمية في العالم الإسلامي على وجه الخصوص، والدول النامية
عموماً، يلحظ تركيز خطط التنمية على تطوير البنى التحتية (طرق، جسور، منشآت، الخ)،
واعتمادها على نقل الخبرة والثروة إلى النخبة الاجتماعية، ومن ثم التعويل على هذه
النخبة لتعميم خبرتها وتجربتها إلى الشرائح الاجتماعية المختلفة. ويعرف هذا
النموذج المفضل عند خبراء التنمية الغربيين بنموذج الارتشاح التنموي، نظراً
للتشابه المفترض بين ارتشاح الماء بين طبقات التربة وارتشاح الثروة بين طبقات
المجتمع.
بيد
أن التجربة العملية
تظهر عقم التجارب القائمة على منهج الارتشاح هذا وعجزها عن إحداث النقلة المطلوبة. فتظهر
التجربة أن النخب المستفيدة من الجهود التنموية كثيراً ما تعمد إلى الاستئثار
بالموارد المالية والإنتاجية وحصر الإمكانيات التنموية بها دون غيرها، وبالتالي
تحول بين انتقال المهارات ورؤوس الأموال إلى شرائح المجتمع الفقيرة والمحرومة.
والنتيجة تكريس الجهل والفقر، وبالتالي تفاقم الفجوة بين الفقراء والأثرياء داخل
المجتمعات النامية، وبين هذه المجتمعات والمجتمعات الصناعية.
إن
نظرة سريعة إلى الحالة الاقتصادية العالمية تظهر تدهوراً مستمراً للوضع الاقتصادي
للدول النامية وتزايداً مستمراً في الفجوة الاقتصادية بين هذه الدول والدول
الصناعية. كما يتضح للدارس لسياسات التنمية المتبعة الفشل الذريع لسياسات الارتشاح
وعجزها عن وقف حالة التدهور الاقتصادي، بَلْهَ تحقيق تطور اقتصادي.
فالأرقام
الإحصائية التي أصدرها المصرف الدولي في تقرير التنمية العالمية الأخير أن متوسط
دخل الفرد في دولة متقدمة مثل سويسرا، والمقدر بـ 40,080 دولاراً يزيد أربعين ضعفاً عن متوسط الدخل في
دولة فقيرة مثل أثيوبيا حيث متوسط الدخل السنوي لا يزيد عن 100 دولارا. كما تظهر الإحصائيات أن
متوسط دخل الفرد السنوي يزيد عن 20,000 دولارا في 13 دولة صناعية، بينما يقل عن 350 دولارا سنوياً في أكثر من 27 دولة نامية. كذلك تظهر الإحصائيات
حالة الفقر المدقع الذي تعيشه الأغلبية الساحقة من دول العالم النامي الذي يشكل
ثلثي سكان العالم. ففي الهند، مثلا، يتلقى نصف السكان دخلا يقل عن الدولار يوميا،
في حين يقل دخل 87% من الهنود عن الدولارين. والأرقام مشابهة لكثير من دول جنوب آسيا
وإفريقيا. وينعكس الضعف الاقتصادي على الوضع الصحي والتعليمي لسكان الدول النامية
التي تعاني من التدهور المستمر لأوضاعها الصحية والتعليمية.
يجدر
بنا التنبيه إلى أن حالة البؤس التي تحيق بثلثي سكان العالم حالة مصطنعة ناجمة عن
سياسات مجحفة تعطي أفضلية للثري على الفقير وللقوي على الضعيف، وتؤدي إلى تكريس
الفقر والبؤس في المناطق النامية. فالشركات متعددة الجنسيات التي تسعى لزيادة
أرباحها من خلال فتح الأسواق المحلية لبضائعها، والاستفادة من الأجور الرخيصة
للعمالة المحلية في الدول النامية، لا تشعر بأي مسؤولية اجتماعية تجاه المجتمعات
التي توفر لها أرباحاً خيالية. لذلك تسعى هذه الشركات لاستخدام حكوماتها للضغط على
حكومات الدول النامية لاستصدار تشريعات تسمح للشركات العالمية بنقل أموالها داخل
البلاد وخارجها دون قيود. كذلك نجد أن السياسات الجمركية المعتمدة في الدول
الصناعية المتقدمة مجحفة بحقوق الدول النامية. فدول المجموعة الصناعية السبعة تفرض
ضرائب جمركية على الأقمشة المستوردة من الدول النامية تزيد أربعة أضعاف عن تلك
المفروضة على الدول المتقدمة اقتصادياً، مخالفة بذلك مبدأي الانفتاح الاقتصادي (economic liberalization) والتجارة
الحرة (free trade)
اللذين يشكلان حجر الزاوية لحركة العولمة. وبذلك تحرم الدول النامية من الفرصة
الوحيدة التي تملكها لمنافسة الدول الصناعية، فرصة المنافسة في المنتجات الزراعية
والصناعات الخفيفة.
ما
موقف المثقف المسلم مما يجري على الساحة العالمية اليوم؟ هل يدرك المثقف المسلم
أثر سياسات المنظمات الدولية، مثل المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة
التجارة الدولية، على الوضع الاقتصادي والثقافي للدول النامية؟ هل يعتقد المثقف
المسلم أن العمل على تحسين الأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للمناطق التي
تعاني الفقر والجهل مسؤولية وواجب إنساني وأخلاقي نابع من قيمة ومعتقداته، أم يرى
ترك الأمر للمؤسسات الدولية والمنظمات غير الحكومية الغربية التي تظهر تعاطفاً
واضحاً مع الجماعات السكانية الأكثر استعداداً لتقبل النصرانية، أو تقمص أساليب
الحياة الغربية؟
لا
ريب أن الأسئلة السابقة تشكل تحدياً صارخاً للمثقف المسلم الذي يرى أن تحقيق
العدالة الاجتماعية وتقديم يد العون لأصحاب الحاجة واجب إسلامي. ولا ريب كذلك أن
مثل هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً للمثقف المسلم المنتمي إلى الجاليات الإسلامية
المتنامية عددا وقدرة في الدول الصناعية الغربية. فإذا كانت التحديات الاقتصادية
والثقافية والسياسية تدفع معظم المثقفين في الدول النامية إلى الالتفات إلى مشكلات
الإصلاح داخل بلدانهم، فإن المثقف المسلم في الولايات المتحدة خصوصاً، والعالم الغربي
عموماً، يمتلك من حرية التحرك والعمل التنظيمي، والإمكانيات العلمية والاقتصادية
التي تضعه في موقع متميز، وتعطيه فرصة نادرة لدعم جهود التنمية في العالم
الإسلامي.
أنشئ مركز التوازن التنموي (Center for Balanced Development) في الربع الأخير
من عام 1999 حيث سجل في ولاية فرجينيا الأمريكية
بصفة منظمة غير حكومية وغير ربحية. جاءت فكرة تأسيس مركزٍ يهتم بقضايا التنمية
استجابة لتحديات التنمية والعولمة، وفشل تجارب التنمية في كثير من المناطق
الإسلامية، وإيماناً بأهمية الربط بين التنمية الثقافية والأخلاقية من جهة،
والتنمية الاقتصادية والتقانية من جهة أخرى.
ويعمل
المركز على رسم نموذج تنموي بديل للنموذج الإرتشاحي يعين في توعية الفرد حول
مسؤولياته الإنسانية وإعادة الثقة إليه من خلال وتطوير المهارات التنظيمية
والفنية، إضافة إلى تمكينه من السيطرة على محيطه الطبيعي وإمساك بزمام المبادرة
والقرار.
ويسعى
المركز لذلك إلى تطوير جهوده على مسارين متكاملين: (1) مسار عملي يتحدد في تعبئة الطاقات الفنية
والمالية للأصحاب الكفاءات من المسلمين في دول الصناعية ، وتوجيهها لدعم المناطق
الإسـلامية المهملة، و(2) مسار نظري لا يقل أهمية عنه، ويتعلق
باستنهاض علماء الاجتماع والباحثين المسلمين لتقديم تصورات ونماذج تنموية، ومن ثم
تحويلها إلى خطط واستراتيجيات تساهم بتطوير المناطق الإسلامية المهملة، وتمكين
المجتمعات المسلمة المنهكة أفرادا وجماعات من خلال برامج التدريب والإعداد ونقل
المهارات والخبرات، وتوليد شبكات تعاون اقتصادية وثقافية وعلمية.
المناطق
المرشحة لخدمات المركز عديدة، في مقدمتها مجتمعات المسلمة في إفريقيا تحت
الصحراوية، ومجتمعات جنوب وجنوب شرق آسيا. ويخطط المركز لتنفيذ أول مشروع نموذجي
خلال العام الحالي، ويسعى إلى تشكيل فرق دراسات ميدانية وعمل تطوعي من المتخصصين
المسلمين. لذلك فإنني أدعو المهتمين بهذا المشروع والراغبين في المساهمة أو الحصول
على مزيد من المعلومات عن إمكانيات التعاون مع المركز زيارة موقعه الشبكي على
العنوان (www.cbdnet.org)،
أو مراسلة المركز على عنوانه البريدي (contact@cbdnet.org) .
* اختصاصي علوم سياسية ومدير ومؤسس جمعية التنمية
المتوازنة وصاحب مؤلفات عديدة في الفكر الإسلامي