تقارير

مؤتمر جمعية متخصصي علوم الاجتماع المسلمين

عقدت جمعية الـ AMSS لشمال أمريكا مؤتمرها الأكاديمي التاسع والعشرين في نهاية السنة الفائتة.  وقد قامت بإستضافة هذا المؤتمر (مؤسسة التفاهم الإسلامي المسيحي) والتي يرأسها المتخصص بالدراسات الإسلامية المشهور المنصف جون إسبيزيتو، وجرى الاجتماع في جامعة جورج تاون المرموقة.  تميزت الندوة لهذا العام بأنها طرحت على ما يزيد على خمسمائة ورقة بحث وأنه رغم تواجد الشخصيات القديمة أو المعروفه فإن حضور الجيل الجديد كان ملحوظاً حيث قدموا أوراقاً هامة يفتخر الإنسان بمستواها العلمي وعمقها .  وقد تضمن المؤتمر الندوات التالية:

·       الحضارة والفلسفة الإسلامية

·       التواصل عبر الثقافات

·       النظرية السيايسة والدولة

·       نظرة مسلمة نحو العولمة

·       النظرية السياسية، الذاتية، والإفصاح

·       الخطاب، الهوية، والمقاومة

·       التعددية الثقافية والمجتمع المدني

·       الأقليات المسلمة والهوية الثقافية

·       الحركة النسوية وحركة حقوق المرأة في سياق تاريخي

·       المجتمع والأسرة وأدوار الجنسين

·       العولمة والتنمية الاقتصادية

·       الاقتصاد والتمويل الإسلامي

·       المنظمات عبر القارية وضم العالم الإسلامي

هذا بالإضافة إلى عدد من الندوات التي ركزت على الاحتياجات المباشرة للجالية ومشاكلها.  وفيما يلي عرضاً لبعض الأوراق التي لفتت نظرنا.

وفي ندوة جامعة بعنوان "الإسلام والتعددية والديموقراطية" تكلم فيها جون فول العالم المنصف الذي تحمل كتاباته عن الإسلام قسطاً كبيراً من الفهم العميق والرصين للإسلام.  وتكلم في هذه الجلسة أيضاً عبد الكريم سروش وهو العلامة الايراني ذائع الصيت في هذه الأيام، وحاول أن يفرق بين ثلاثة مجالات للتعددية مجال العقائد والفقة والعبادات.  ولفت النظر إلى أن التعددية في العبادات غير واردة مقابل أن باب الفقه واسع مفتوح في هذه المسألة أما في مسألة العقائد فإن التعددية واردة في المذاهب الإعتقادية المعروفة في تاريخ الإسلام في إطار القرآن والسنة.  وتبين أن عبد الكريم سروش يقصد التعددية بين المسلمين، أما خارج المسلمين فإنه يرى أن التعددية ممكنة فقط من خلال الإطار التصوفي. واستشهد على ذلك بأن دعوى البحث عن الديموقراطية داخل الإسلام في إيران قد انحسرت، وأن التوجه قائم نحو البحث عنها في أطر وسيطة.  وذلك أن الحضارة الغربية المعاصرة هي أول حضارة في تاريخ الإنسانية التي تلقي بكل ثقل تركيزها على مفهوم الحقوق مقابل أن الحضارات الأخرى ركزت كلها على مفهوم الواجبات.  ويظهر بوضوح أن التجربة الإيرانية تغلب على تفكيره، بل لعل ميله للحل من خلال التصوف هو ميل نحو أعلام تصوف اللغة الفارسية المعروفين في تاريخنا الإسلامي.  

ولقد كان ضيف الشرف المؤتمر الباحث المشهور أكبر أحمد والذي ألقى محاضرته في الإحتفال التذكاري للشهيد إسماعيل الفاروقي.  وكان أكبر أحمد ممن إستجاب لفكرة إسلامية المعرفة بحكم كونه متخصصاً في علم الإنثروبيولوجيا المرهف الحس لأنمطة التصور والتفكير الثقافي خلاف بقية العلوم الإجتماعية، وألف بناء على طلب إسماعيل كتابه "نحو إنثروبيولوجي إسلامي".  ويرى أكبر أن الأمة تمر في مرحلة حرجة تواجه فيه تحدي البقاء في فترة إنتقالية في العالم، وتواجه تحدي الصفاء الخلقي في عالم يكاد يخلو من الصفاء.  وأكد أنه كما أن تصور الغرب بلا الديموقراطية يعطينا وضعاً تسلطياً ظالماً،  فكذلك الأمر فإن تصور المجتمع المسلم بلا مفهوم العدل سوف يعطينا وضعاً ظالماً تسلطياً.  أي أن التحدي الذي يواجهنا اليوم هو تطوير مفهومنا للعدل وطرق تحقيقه في عالم الواقع ومن خلال المنظور الأسلامي.  وأكد بنفس الوقت أن الطرح لإسلامي المعاصر الذي قد تجاوز المواقف الإعتذارية والتبريرية أصبح قادراً على الخطاب العالمي، ولذا فإنه من واجبنا اليوم خطاب الآخر بهذا النتاج الناضج وتجاوز الطروحات الجزئية والتقليدية.

أما كمال حسن مدير الجامعة العالمية الإسلامية في ماليزيا فإنه عالج التوجهات الجديدة في الرؤى الدينية السائدة والتي تحاول أن تجيب على التحدي العلماني الذي كان يدعي أنه ليس للدين مستقبل في العالم الحديث.  وأشار إلى أن كل الحضارات الإنسانية السابقة كانت قائمة على فكرة دينية بإستثناء هذه الحضارة المعاصرة التي أقل ما يقال عنها أنها لاإكتثارية (agnostic) أي أنها لا تكترث بأمر العقائد.  وأكد أن التوجهات الدينية الجديدة تطرح نفسها بشكل قوي وتحاول أن تجيب على أسئلة معاصرة مستعصية.  فيركز مثلاً الطرح الديني الكوري الحديث على الكونفوشية الروحية مقابل الكونفوشية القديمة الممتزجة مع الإنضباط البيروقراطي للسلطة السياسية، ويعتقدون أن هذا الطرح قادر على التعامل مع العولمة والتآكل الثقافي.  أما الطرح البوذي الحديث فأنه يركز على الترفع عن مطالب النفس وذلك لأن جذر المشاكل الحديثة هو التطلع والإشتهاء.  أما طرح المجمع العالمي للكنائس فإنه يؤكد على الروحية البيئية (eco-spirituality) والتي تؤكد على دور الإعتناء وخدمة الإنسان (stewardship).

وفي مسألة التحدي الفكري الإسلامي الغربي أكدت أحد الأوراق كيف أن الفكر الغربي اليوم يواجه تحدياً فكرياً لايستهان به .. تحد يخاطبه بنفس اللغة وعلى أرضه ويواجهه، وهي مرحلة جديدة تختبر إمكانية الغرب ممارسة تقبله للآخر.  أو بعبارة أخرى إن الحوار مع الغرب يمكن أن يكون حواراً يفرض فيه المهيمن مصطلحاته ومقدماته التي تضمن هيمنة مسـتترة، ولكنه يواجه اليوم حواراً يرفض البدأ من مقدماته ومسلماته.

وتعقبت أحد الأوراق الطروح الفكرية المسيّسة، وكيف أنها تبدأ في الدوريات الفكرية النظـرية ثم تنـزل إلى الدوريات الفكرية التطبيقية (policy-oriented journals)، لتظهر أخيراً في الصحف والإعلام.  فمثلا طرح هاتنغتون لفكرة صراع الحضارات في دورية Foreign Affairs  في عام 1993 كان قد سبق بطرح الباحث المتمكن Bernard Lewis في عام 1991 في مقالتهof Muslim Rage  The Roots وفي محاضرته المتحاملة The West in the Eyes of East .  وتمثل هذه الجهود توجاً فكرياً عاماً يؤول الإسلام والسلوك الإسلامي تؤويلاً تعسفياً ويقرع أجراس الإنذار في آذان السياسين ويرسم صورة عامة المسلمين بصورة أكثر المجموعات تطرفاً، كما يتجاهل الحقوق الإنسانية والطبيعية التي تستند عليها مشاعر عموم المسلمين.  ولايخفى أن الحضارات كانت ولا تزال دوماً في حوار وتأثير متبادل، وتخيل الصراع رأساً لرأس هو تخيل من يهوى العدوان ولا يعكس الواقع التاريخي بدقة.

وطرح الدكتور محمود ذاوودي نظرية فريدة حول الحاجة الإنسانية للثقافة ورموزها.  فلقد طرح السؤال البسيط: لماذا يعيش البشر عمراً أطول من سائر الأحياء؟  وتتلخص نظريته في الجواب على هذا السؤال في أن الوجود الإنساني مفتقر أومرتكز على الرموز الثقافية والتي تحتاج وقتاً مديداً للتعلم والتمثل والإستيعاب، فلزم ذللك أن يكون أكثر تعميرا.  ورغم البدهية الظاهرة في هذا القول، فإنه يمثل تصوراً متيناً يردّ على الفهم السائد للأساس البيولوجي للوجود الإنساني، والذي أصبح مفرطاً بعد ظهور الهندسة الجينية والذي يستخدم -ضمن المنظومة الفكرية العلمانية- لتأكيد مادية الإنسان وإختزال العواطف والأفكار والأخلاق لجذور بيولوجية تقلص من دور الإرادة البشرية والمسؤولية. أي أن نظريته تقلب تلك الإفتراضات رأساً على عقب مؤكدة أن الإنسان جُهّز مادياً بالضبط لتمكين وجوده الترميزي.

وكان في المؤتمر عدة ندوات تتعلق بالأسرة أوما يسمى بـ "الفكر النسوي الإسلامي".   وكان من أبرز الأوراق ورقة كاثي بلولاك والتي تحلل فيها العقدة الغربية من لباس المرأة المسلمة.  وتذهب كاثي أن جذر المشكلة في أن الغرب ينظر إلى الدنيا كمعرض للتفرج والتندر .. وواجه الشرقَ المحتشمَ الذي يرفض أن يعرض نفسه مبتذلاً، فاصطدمت الرؤية التي تحب أن تنظر إلى الخارج مع رؤية تحب أن تنظر إلى الداخل.  وواجه "التحدق الغربي" زيّاً ونمطاً معمارياً وسلوكاً حياتياً يحجب هواية التفرج .. ووقف هذا الحرمان حائلاً دون الإستعلاء...  إذ أنه كيف يمكنه إعلان التفوق على ما لا يراه.. بل كيف يمكنه أن يدعي التفوق على من يراه من خلف حشمته ولا يراه هو!

لقد خيب الشرق أمل شهوة الغرب الذي يعيش في خيالات (ألف ليلة وليلة) ويحلم أن يرى ما يمتعه، وامتزجت خيبة أمل خياله مع غضبه في العجز عن ادعاء التفوق، وعبر عن ذلك في أدب وفن يحكي ويصوّر الحجاب والعري مقترنين، منتقماً من جهة ومعبراً عن مضمون خياله التصوري من جهة أخرى.

كلما حضرت مؤتمر هذه الجمعية واستمعت إلى الفكر المتدفق الذي يجتهد ويبحث ويفكر ويقلب أوجه النظر، كلما زاد يقيني بمستقبل هذه الأمة التي سترمي يوماً مناخ السذاجة الدينية التي تغمر كثيراً من قطاعاتها وتبدأ بالتفكير في الإسلام وفي واقعها بجدية وجرأة تتجاوز المواقف الإعتذارية والتبريرية  وتبدأ بناء حياتها وفق رؤيتها الحضارية المتميزة.