منهج الحوار في القرآن الكريم
 (القسم الثاني)

المقرئ الإدريسي أبو زيد*

في الحلقة الأولى من " لغة الحوار في القرآن الكريم " أوضح الكاتب أهمية تأصيل الحوار كوسيلة للتواصل و خاصة و أن الأمة الإسلامية تعيش أزمة حوار حقيقية على كل المستويات، و أنه لا بد من تأصيل الحوار انطلاقاً من القاعدة المشتركة بين المسلمين المتمثلة في القرآن الكريم ولغة القرآن الكريم.

وقد تناول الكاتب في الحلقة الأولى الإجابة عن السؤال " هل القرآن الكريم دعوة إلى الحوار"، وأبرز حوارية القرآن من مناقشة الحضور الهائل لمادة " القول " بتصاريفها واشتقاقاتها، وخلص إلى النتيجة أن تكرار مادة القول مؤشر على حوارية القرآن وأنه لا وجود في القرآن للصوت الواحد المتعالي الذي يعتمد التلقين ويقصي الآخر، بل الآخر ورأي الآخر مستحضر إلى درجة كبيرة، مع أن القرآن هو نص إلهي متعال مطلق لا ينكر عليه أن لا يكون حوارياً متعدد الأصوات.

وقد بين الكاتب أن القرآن الكريم يستعرض الرأي الآخر رغم فساده و يستحضره بقوة، و يستحضره دون أن يبتره و يعطيه الفرصة ليتم نصاً كاملاً و فكرة واضحة بكل أبعادها.  و كذلك يسبغ القرآن على الرأي الآخر جمال لغته وبيانه ويعطيه الفرصة الكاملة للحضور التاريخي والحضور الجمالي.  وأخيراً فقد تكفّل الله سبحانه وتعالى بحفظ القرآن ورعايته وتخليده وفي هذا تخليد للرأي الآخر وإعطائه الفرصة الإمتداد في التاريخ .  وفي كل هذا درس من القرآن الكريم في الإنفتاح على الآخر وقبول حقه في الوجود، وتبقى الصوابية بعد ذلك مجال تدافع فكري يقوم على البرهان والنزاهة في طلب الحق.

و في هذا العدد يتابع الكاتب بيانه لحوارية القرآن الكريم من خلال ما يسميه " ضمانة الحوارية" .

 يتأسس الحوار مادياً على استحضار الرأي الآخر ولكن تأسيس الحوار لا يكفي فلا بد من وضع ضمانات لكي لا يتوقف الحوار.  وأهم ضمانة تتمثل فيما يمكن أن نسميه ( عدم شخصنة القضية ) .  أي عدم إلباس الذات في الموضوع وعدم إستبدال القضية بذات الشخص وتحويل الصراع إلى صراع ذاتي أو شخصي .

الاسم الموصول – الذي – وما يمكن  أن يسمى مشتقاته (الذين، اللذان ، اللائي ، الألى ، اللاتي ، اللوات ) إلى غير ذلك إلى تسعة عشر اسما موصولاً بالعربية والتي تؤدي المعنى نفسه يمكن اعتبارها أعظم ضمانه لنجاح الحوار، أي أعظم ضمانة لعدم سقوط الحوار في الشخص .  الاسم الموصول عند النحاة اسم مبهم وناقص ولهذا يحتاج إلى جملة من بعده تسمى صلة الموصول لأنه ناقص لإبهامه.  فإذا قلت ( جاء أحمد ) اكتمل المعنى ولكن إذا قلت ( جاء الذي ) لا تكتمل الجملة، فاحتاج إلى جملة صلة تنوب عن أحمد فأقول ( جاء الذي أكرمني ).  فالاسم الموصول يجرد الموقف من الشخص، فأقول جاء الكافر أو جاء الذي كفر .  كلمة الذي تأتي بعدها (كفر) وهي حدث وموقف يفصله عن الشخص في حين الكافر تمزجهما معاً (الكافر ) فهو الذات وهو الفعل (المحدث والحدث)، (الموقف والانسان) ، (الانتاج والمنتج) ، لكن (الذي) تفك الارتباط وتجعل الشخص مبهم غير موجود متعالي عن الزمان والمكان وغير مشخصن.

 وعندما حاولت أن أحصي في القرآن الكريم ترداد ((الذي)) عجزت، وصلت إلى خمسة آلاف وتعبت لأني وجدت أن الاسم الموصول يتكرر في القرآن الكريم أحيانا خمسة عشر مرة في الصفحة الواحدة وأحيانا مرتين في السطر الواحد.  فالقضية ليس مجرد حضور بل هي نسيج كامل. فيمكنني مثلا أن أحصي في سجادة عدد الزخارف والألوان لكني لا أستطيع أن أحصي خيوط السدى واللحمة.  فالاسم الموصول هو سدى ولحمة القرآن، لقد جاء القرآن الكريم ونصب عينه أنه الرسالة الخالدة .  وأول شروط الرسالة الخالدة أن تكون صالحة لكل زمان ومكان . أما وأن القرآن قد نزل في مكان معين وزمان معين ، فلا بد من معرفة العلاقة بين المطلق والنسبي وعلاقة القرآن  بالزمان والمكان .

وهنا أشير إشارة صغيرة ، ففي تاريخ علوم القرآن طرحت قضية ترتيب القرآن الكريم ، حيث نزل بترتيب وكتب بترتيب آخر.  وفي هذه القضية أبعاد وحكم وأسرار . فالقرآن الكريم في صيغته الأصلية في تنزله الأول إلى السماء الدنيا كان على الترتيب الذي عندنا الآن . ولكنه وقف في السماء الدنيا كما يجمع أغلب علماء تاريخ القرآن إلى أن بدأ ينزل التنزل التالي على الأرض ضمن منطق تاريخي متميز استثنائي محصور هو منطق حركة التاريخ في مكة والمدينة في عهد رسول الله r.  وبما أن منهج القرآن هو منهج تعليم بالأحداث والتربية بالأحداث والارتباط بالأحداث، فقد ارتبط بالعلوم النقـلية الثلاث: أسباب النزول والمكي والمدني والناسخ والمنسوخ ، فكان لا بد من أخذ وفهم نصوص القرآن بمنطق يخضع لحركة التاريخ في الزمان والمكان .

 ولما انتهت علاقة تنزل القرآن بحركة التاريخ عند وفاة الرسول r عاد النص مطلقاً كما كان فوق الزمان والمكان . وهكذا نستطيع أن نفهم النسبي والمطلق في تقسيم القرآن الكريم و نسبية حركة الزمان والمكان فلا تنزل آية التيمم مثلاً إلا والمسلمون في اليوم الذي حصل فيه ما يتطلب ذلك، ولكنها تعود إلى نسقها في سورة النساء في سياق التعليم في الترتيب الذي يصلح لكل زمان ومكان.

وهنا نريد أن نبين كيف يساعد استعمال الإسم الموصول ومشتقاته على التعالي على الزمان والمكان والتجرد عن الأشخاص وخصوصيات ظروف تنزل القرآن الكريم.  الاسم الموصول اسم مبهم يفك الذات عن الحدث ويجعل الحدث شيئاً متجرداً عنها ، ويفيد التعالي عن الأشخاص والأشياء ، والتعالي عن الخطاب القبلي والخطاب العرقي والخطاب المشخصن والخطاب الاسقاطي ،  في مقابل التركيز على الصفات والمواقف والأحداث والمناهج والاختيارات.  وبهذا يضمن القرآن الكريم لموقفه وتحليله ورأيه العالمية والتعالي عن خصوصيات الزمان و المكان .

وأول مؤشر على ذلك أن القرآن الكريم غني بكل شيء ولكنه فقير جداً بفقر هو عين الغنى هو الفقر ( بالأسماء الموسوعية ) الأسماء الدالة على الزمان والمكان والأشخاص، أي أسماء القبائل والمدن والأماكن والأشخاص . بل هناك شيء عجيب جداً في قصص النبيين وحركة التاريخ ، والتاريخ لا يكون إلا بأسماء موسوعية ، فالأنبياء يذكرون بأسمائهم ولكن النبي محمد r يذكر أربع مرات فقط باسمه لأنه يمثل البداية لمرحلة النظر إلى التاريخ كحدث مضى ينبغي أن يقرأ ، وتأسيس النسق المجرد الذي سيصنع من خلاله التاريخ ، وفيما عدا ذلك يدعى ( يا أيها النبي).  وكذلك ما ذكرت امرأة باسمها في القرآن الكريم إلا مريم، حتى خولة التي كانت حدثاً حياً يمشي على الأرض ( قد سمع الله قول التي تجادلك قي زوجها وتشتكي إلى الله ) لم يذكرها القرآن باسمها.  فالقرآن الكريم هو فقير بالأسماء الموسوعية حتى من له وظيفة يسمون بوظائفهم الفراعنه ( فرعون ) ليس اسم شخص ، بل اسم لوظيفة في النظام الحضاري القبطي وهو وظيفة الملك .  و ) الذي حاج إبراهيم في ربه ( قيل أنه ملك وقيل النمرود وقيل غير ذلك . حتى والد إبراهيم ذكر في لقطة حية فيها إشارة إلى الاسم، لدرجة أننا نجد القرآن الكريم يترك منهج التجريد استثناء ويذكر بعض الأسماء للأماكن والأشخاص من باب أن لا يجرد تجريداً يُتهم فيه أنه غير تاريخي بالمرة فلا يأتي من ينكر أن القرآن له ارتباط بالتاريخ.  وأحياناً تكاد لا تجد ملمحاً واقعياً في حدث مادي ، وأنا لا أملّ من تكرار الآيات التي نزلت في أعقاب هزيمة أحد والتي كانت حدثا مادياً بأشخاص وأماكن وأسماء وشـهداء وضحايا وجرحى وواقعة، ولكن القرآن يبدأ بقوانين كلية  )قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين( إلى أن يقول )أو لمّا أصابتكم مصيبةٌ قد أصبتم مِثليها قُلتم أنّى هذا، قل هو من عند أنفسكم( )الذين قال لهم الناس(...، الذين ... الذين... قوانين عامة وسنن لا يكاد يجد الانسان إشارة صريحة إلى الحدث إلا عندما يقرأ في كتب التفسير التي هي حاشية على النص القرآني بمساعدة علوم نقلية هي أسباب النزول والمكي والمدني ثم الناسخ والمنسوخ .  معنى هذا أن القرآن ينطلق من الواقعة ثم يتجرد عنها ، فإذا وجدت أثر الواقعية فمن باب أن يكون للقرآن نفحة من الواقعية لأنه نزل في زمن ونزل في مكان معين، أي لولا أخبار المكي والمدني لكان القرآن ينزل في أي مكان آخر من الأرض سواء بسواء.

ولقد فهم المسلمون هذه الروح فوضعوا قواعد للتفسير تنسجم مع هذا ( العبرة في عموم اللفظ لا بخصوص السبب ) لبيان أنها قوانين عامة لا تنحصر ولا تموت و لا تجمد عند الحادثة.  وهذا يدلنا أن القرآن الكريم يعطي الضمانة الأساسية ليبقى الحوار صالحاً.  فأنت إذا كنت تحاور الشخص لا تتخندق في ذاته وتتخندق في ذاتك وتفرض عليه معركة ذاتية . فالآيات تتحدث عن الذين آمنوا ، والذين كفروا ، والذين نافقوا هي مجموعات مرنة منفتحة قابلة للإدخال والإخراج بما فيها من مواصفات مجردة.

وقد عكس القرآن الكريم مرحلةً من الصراع مع المشركين هم مشركو قريش ولولا " لإيلاف قريش" لما عرفنا أن القرآن يتحدث عن قريش.  ولهذا يمكن لكل مسلم أن يأتي إلى واقعة في زمانه ثم يأتي بآيات من القرآن فكأنها وصف لواقع أو معركة أو صراع ، تصلح أن تعزيه في حدث وتثبته في حدث وتفقهه في حدث ، وتعلمه في حدث معين لا علاقة له أبدا بالسبب الذي نزلت من أجله الآيات .  وقد استمر صراع القرآن مع قبيلة قريش ثلاث عشر سنة ولا أثر لهذه القبيلة لولا بصمة واقعية في إشارة واحدة.

نجد عبارات مثل ( الذين كفروا )  (الذين أشركوا)، فليس هناك إشارة إلى شخص موجود.  ولكي نفهم هذا نقرأ في السيرة نفس الأحداث التي نزلت فيها آيات فنجد لغة مختلفة تماماً .  فالسيرة النبوية كتابة بشرية كتبها كتاب السيرة ابتداء من ابن شهاب الزهري إلى ما بعده رواية عن الصحابة . فهزيمة أُحد في السيرة وسياقها في القرآن مختلف تماماً بشكل يدعو للعجب.  ففي السيرة نقرأ فلان وفلان ذهب إلى مكان كذا وفلان عيّنه النبي في مكان وأمره بأمر، وأخطأ فلان بخطأ كذا وقتل فلان واستشهد آخر وجرح . فالسيرة هي حكاية في الزمان والمكان والأشخاص، يقابلها في القرآن تجرد كامل ولغة مطلقة يمكن أن تنطبق على وقائع لا تنحصر .

ولكي نفهم البعد الوظيفي لهذا الاختيار القرآني المتعالي يمكن أن نقارنه مثلا بالانجيل والتوراة بغض النظر عن مصداقيتهما، فنجد فيهما حكايات في التاريخ يبدو عليها سيما الصياغة البشرية إلى حد بعيد . وتخيلوا معي لو أن القرآن الكريم كان يصاغ بشكل مشخصن ، فسيذكر اشخاصاً بما كان من شأنهم من الصدود والعناد والتصدي للدعوة ثم يسلم هؤلاء فيصبح النص القرآني غير قادر على الاستمرار حتى في زمانه ومكانه.

فالاسم الموصول – الذي – يعطي قدرة على التجريد وفصل الشخص عن الحدث وإعطاء الشخص فرصة لكي ينتقل من هذا الموقف إليك ، فالناس مجموعات مرنة متحركة مفتوحة قابلة للدخول والخروج.  فقريش كلها كانت في صف الكفر ثم دخلت كلها في صف الإيمان . ولو أن شخصاً أنكر على متعلق متوسل بالقبور قائلاً أنت مشرك تعبد هذا القبر من دون الله فهو يفرض على هذا الشخص أن يتخندق ويلتحم بهذا القبر ويحمي ظهره به  وينطلق إلى من اتهمه بالشرك قائلا : بل أنت مشرك وأنت و أنت...  ولو أن الخطاب كان بقوله – هذا شرك – قد يقوم خجلاً وينسحب إلى الخلف ويقف إلى جانبك ويقول هذا شرك ، فهذا الخطاب يعطيه فرصة أن ينتقل من الفعل ويتركه لأنه غير مشخصن.  والمضمون واحد ولكن الصياغة تختلف كما بين السماء والأرض ، وهذا هو منهج القرآن الذي يستعمل الاسم الموصول – الذي – لكي يجرد الموقف من الشخص ، والحدث من الفاعل.  فأول ما يدل على فشل الحوار عندما تشير بأصبعك إلى المحاور وتلصق به الموقف وتبدأ بالاتهام فلا يجد مندوحة عن الدفاع عن نفسه . والقرآن يعطيك ضمانة كي لا يفشل حوارك وتنجح فيه كما نجح حواره .

وبهذا يجنّبنا القرآن الكريم باستعماله الاسم الموصول أن نجسِّد الفكرة ونقوّض فرصة التفاهم فنفشل في تحقيق هدف الحوار . ويعلمنا الانفتاح من الجهة الأخرى على الشخص ذاتاً قابلةً للانضمام بعد أن نفصلها عن الموقف .  وهكذا لا نجد في القرآن الكريم الإشارة إلى الأشخاص إلا استثناءً ، وعندما يكون الموقف منهم قد حسم استثناء – تبت يدا أبي لهب وتب- فهذه واقعه استثنائية لا يمكن التأصيل بها . وذلك بدليل أن القرآن ذكر قريش فلم يشتمها ولكن دعاها ، )فليعبدوا ربّ هذا البيت( بدعوة مفتوحة لحركة مفتوحة في سياق مفتوح ، وما وصفهم بالكفر.  وفرق كبير بين " فليعبدوا " وقوله " أنتم لا تعبدون" ، حتى أنهم لما وُصفوا "الذين كفروا" ، "قل يا أيها الكافرون" فهو موقف مفاصلة بين رأيين وليس موقف خندقة بين ذاتين ، فالخطاب للكافرين كان خطاباً لموقف وليس خطاباً لأفراد بعينهم . وعندما دخلوا إلى الإسلام بعد الفتح صارت مجموعة ( الكافرون) فارغة تملأ بمشركين آخرين من الصين أو الهند أو غيرها ضمن حركة التاريخ والتدافع بين الحق و الباطل .

وهكذا يعطينا القرآن ضمانة حقيقية لكي لا يفشل الحوار بخندقة الآخر ، وننتهي إلى هزيمة القضية من أساسها.  فالنص القرآني نص يدعو إلى الحوار ويؤسس لهذا الحوار من نفسه – و كما أصلنا من قبل - ما ادعى القرآن دعوى إلا كان له عليها من نفسه دليلاً يغنيه عن غيره . فالقرآن لم يكتف بالبرهان الإيجابي على ضرورة الفصل بين الموقف والشخص بل يأتي دائما بالبرهان السلبي – كما يقول عماد الدين خليل – فالقرآن كما يؤسس لمنهج الحجة والاستدلال ومنهج الاستدلال الحسي والعقلي ، يؤسس بالمقابل لإدانة مناهج المعرفة الباطلة من سحر وظن وهوى وتنجيم وغيرها مما سميناه بالبرهان السلبي .

وهنا أيضاً لا يكتفي القرآن بإبراز هذا الموقف المجرد ولكنه يدين الشخصنة . وأقوى مظاهر الشخصنة في الموقف الكافر الذي يخلده القرآن هو موقف الآبائية . أي حصر الحق بالأباء كأشخاص: )وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ، أو لو كان آباءهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون( ، )قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين، إن هذا إلا خلق الأولين وما نحن بمعذبين( ، )وقالوا إنا وجدنا آبائنا على أمّة و إنا على آثارهم مهتدون ، قل أو لو جئتكم بأهدى ممـا وجدتم عليه آباءكم، قالوا إنا بما أرســلتم به كافرون( .  أحلامنا ، آباءنا ،آلهتنا... شخصنة كاملة يقابلها القرآن الكريم ويدينها ويفضحها، وهذا هو منهج البرهان بالسلب بالإضافة إلى منهج البرهان بالإيجاب الذي يقدم عملية ضمنية تمتد في نسق اللغة ورحمها قبل أن تتنزل من اللغة إلى ما تعبر عنه من الموضوعات والمفاهيم.

لقد كان سيدنا علي بن أبي طالب يمثل قمة الإستجابة لهذا الموقف اللا-مشخصن . وهنا ننظر إلى أن عدم الشخصنة ليست هي منهج في التمييز العقلي فحسب بل هي أيضاً منهج في الوفاء الأخلاقي . فعندما قال له أحد جنوده وهو في حالة تعبئة وتدافع خطيرين مع المعسكر الآخر ، والموقف الأخلاقي يدفعه لأن يفلّ أسلحته إذا كانت باطلة ويرميها وإن كان يرى نفسه بالمنطق المادي مهزوماّ ، يسأله عن الآخرين : أكفارٌ هم ؟ قال لا من الكفر فروا . قال أمنافقون هم ؟ قال: لا فإن الله قد وصف المنافقين بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلا ، وهؤلاء يذكرون الله كثيرا .  فالرجل اهتز لأن الأساس الاعتقادي الذي قام عليه وجعله من شيعة علي هو أن يكون علي هو الحق والآخر هو الباطل، يتخيل  العملية  إقصاء وتقطيعا ، فليس في الدنيا إلا أبيض وأسود ، وحق وباطل ، هذا إسلام فالآخر كفر ، وهذا موقف عليّ فالآخر في الجحيم .  وإلا لماذا يقاتل وبماذا يُشحن . فيقول له عليّ "إخوة لنا بغوا علينا".  فالعملية هي تحليل طيف من الألوان في جانب الحق نفسه ، ثم لا يستبعد علي أن يقاتلهم لأسباب شرعية وقانونية وعقلية وهو يراهم من داخل صف الإيمان .  فليس من الضروري أن نقاتل من نخرجه ونقصيه إلى الجهة الأخرى . وهذا الموقف من سيدنا علي هو خلق متأسس على موقف فكري عقلي ، فالفكر والأخلاق يرتبطان بشكل حميم ، ولا أرى لذي فكر سقيم خلقا سليماً . و هذا الموقف العميق من الخوارج ليلة قتالهم هو الموقف الذي عبر عنه عندما قال له أحد اصحابه بمنطق التجسيد والشخصنة: كيف ترى فلان وفلان من الصحابة.  قال هم من الصحابة الأفاضل الكرام الذين مات رسول الله r وهو عنهم راض .  قال فما بالهم في صف معاوية ؟ فقال له: "يا هذا إعرف الحق بالحق ولا تعرف الحق بالرجال" .

 

* استاذ اللسانيات في جامعة الحسن الثاني وعضو البرلمان المغربي ومن المساهمين في مسيرة الفكر الإسلامي