ابن
المقفع
هرع
أهل القرية إلى الحكيم ليساعدهم في حل أزمة ألمت بهم وأعيتهم الحيلة لإيجاد المخرج
المناسب . فقد اعتاد أهل القرية أن يجدوا عند الحكيم الرأي الثاقب والنظر إلى
العواقب . رأى الحكيم قلقهم و اضطرابهم فهدّأ من روعهم وطمأنهم أن الأمر سيكون
سهلاً ميسوراً بإذن الله. روى أهل القرية ما حدث، فقد حاولت البقرة أن تشرب من جرة
الماء فأدخلت رأسها في الجرة فعلق، وحاول أهل القرية أن يخرجوا رأس البقرة من
الجرة فما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً فلجأوا إلى الحكيم. هزّ الحكيم رأسه بتثاقل وتيه فقد اهتدى إلى الحل بما عرف عنه
من سرعة بديهة و ألمعية نافذه .
قال
الحكيم: إليّ بالسكين، ثم توجه إلى البقرة فذبحها وقطع الرأس ثم قال: إليّ
بالعصا. ثمّ ضرب الجرة فكسرها ثم
التفت إلى أهل القرية وقال بثقة وفخر: إليكم رأس البقرة، لقد أخرجته لكم من
الجرة. تولّى الحكيم بعد ذلك إلى
ركن منعزل متأثراً بما أجرى الله على يديه من الخير ثم غلبه البكاء .
أحاط
أهل القرية بالحكيم و قالوا له يا سيدنا هذا وقت الشكر فقد حللت لنا المشكلة جزاك
الله عنا خيراً فعلام البكاء؟
أجاب
الحكيم : أعلم أن هذا هو وقت الشكر ولكنني أبكي عليكم وأبكي حالكم من بعدي، فمن
سيحلّ لكم مشاكلكم ومن سيخرجكم من الأزمات والصعوبات من بعدي ؟
عندما
ندقق النظر في العقلية التي تحكم تصرفاتنا والمنطق الذي يسيطر علينا عندما نتوجه
إلى التفاعل مع ما يجري حولنا من أحداث، أخشى أن أقرر أن منطق حكيم القرية ليس عنا
ببعيد. يغلب علينا الإعجاب بالنفس و
كأنّ حياتنا سلسلة من الـنجاحات والإنجازات وأعمال العصمة والحكمة والصواب، فليس
هناك مجال لرأي مختلف أو توجه مغاير لما نفعله أو نفكر فيه. نريد الناس نسخاً عن الصواب والحكمة والعصمة
التي ندّعيها، فليس هناك ضرورة للتعدد أو التنوع. يغلب علينا نوع من الغرور يجعلنا نعتقد أنه ليس هناك من يستطيع
أن يقوم بالمهمات التي نقوم بها، فالأفضل أن نقوم بعمل كل شيء وأن نملي كل
التفصيلات والجزئيات .
نريد
أن نملي على أبنائنا ما نريد لهم، فحكمتنا الباهرة في معالجة المشكلات التي واجهت
جيلنا تعطينا الحق لتجاوز حقهم في التفكير وحقهم في معالجة مشكلات جيلهم و زمانهم
.
نريد
أن نحتفظ لأنفسنا بمركز التوجيه والتأثير والقيادة والنفوذ في كل عمل نشارك فيه،
ولم لا، فأشخاصنا هي الضمانة لسلامة الخط وصواب التوجه بغض النظر عن أي معيار
لتقييم النجاح أو تحديد الخطأ والقدرة على محاصرته .
يغيب
عنا منطق الإنصاف والإعتراف للناس بإمكانياتهم و طاقاتهم ومجالات التعاون
معهم. ومن يدري فلعل حكيم القرية
كان على حق في هذه القضية فليس هناك في أهل القرية من يوثق بعقله وتقديره للأمور .
إنها حالة تستدعي البكاء حقاً.
سأترك
حكيم القرية يبكي لينفس عن كربه وسوء ظنه بالناس ويأسه من المستقبل ولن أكون
حكيماً آخر ولن ألتفت إلى بكائه و أنينه، فالدنيا بخير والأمل بالله كبير. فالعصمة والبعد عن الخطأ لا يكون إلا
بالبعد عن الفردية والأنانية ورعاية وتأصيل نسيج فكري اجتماعي سداه كلّيات الدين
وأصول الشريعة ولحمته التواصل والتواصي والثقة والإعتياد على تحمل المسؤولية.