المقاصد والوسائل

أ. رياض أدهمي*

يعتبر التمييز بين المقاصد والوسائل من أهم القضايا المنهجية التي تعين على امتلاك الحس الشرعي العملي الذي يضع المسلم على الجادة الوسط بين حرفية شكلية أو نفعية هائمة.  وعندها يستطيع المسلم أن ينتفع بالقرآن والسنة فيضع الأمور في مواضعها بدون مبالغة ولا تفريط.

   والمقاصد – كما يقرر العلماء – هي المصالح الكلّية التي أراد الله أن تتحقق في حياة البشر بما شرع وأخبر ونهى وأمر لتكون حياتهم طيبة، بعيداً عن ضنك الإعراض وظلمات البغي والطغيان.  فالمصالح الكلية والمنافع العامة هي مقصود التشريع وهدف الشرائع، وتفاصيل الأحكام هي وسائل تحقيق المصالح وطرق الوصول إلى المنافع.

   وقد ذكر الشيخ العز بن عبد السلام في (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) "إن الواجبات والمندوبات ضربان: أحدهما مقاصد والثاني وسائل، وكذلك المكروهات والمحرمات ضربان: أحدهما مقاصد والثاني وسائل، وللوسائل أحكام المقاصد. فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل ثم تترتب الوسائل بترتب المصالح والمفاسد".  ويقرر في موضع آخر أن الوسائل هي أخفض رتبة من المقاصد إجماعاً.

   ويقرر الإمام القرافي في "الفروق" الفرق الثامن والخمسون بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل فيقول: "موارد الأحكام على قسمين: مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل وهي الطرق المفضية إليها وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل.  غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها. والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل. وكلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة فإنها تبع له في الحكم".

   وقد عبر العلماء عن هذا المعنى بطريقة مختلفة عندما قسموا المحرمات إلى (حرام لذاته) لتضمنه عين المفاسد أو فوات المصالح،  و(حرام لغيره) بمعنى جواز الفعل بالأصل ولكنه أفضى إلى محرم لقرينة أو عرف.  إذ لا بد في هذا النوع الثاني من التحقق لما يفضي إليه الأمر في سياق جديد وعرف جديد.

وقد تناول الشيخ يوسف القرضاوي هذا الموضوع بشيء من التفصيل في كتابه (كيف نتعامل مع السنة) وجاء بأمثلة تطبيقية مهمة من واقع العصر بما يوضح ضرورة التمييز بين المقاصد والوسائل سواء في صلتنا بالتراث وفهمنا له أو تنزيل الأحكام على الواقع.

وقد قدم لبيان هذا بقوله: "ومن أسباب الخلط والزلل في فهم السنة أن بعض الناس خلطوا بين المقاصد والأهداف الثابتة التي تسعى السنة إلى تحقيقها، وبين الوسائل الآنية والبيئية التي تعينها أحيانا للوصول إلى الهدف المنشود.  فتراهم يركّزون كل التركيز على هذه الوسائل كأنها مقصودة لذاتها، مع أن الذي يتعمق في فهم السنة وأسرارها يتبين له أن المهم هو الهدف وهو الثابت والدائم ، والوسائل قد تتغير بتغير البيئة أو العصر أو العرف أو غير ذلك من المؤثرات".

وبعد هذا التمهيد يضرب عدداً من الأمثلة الواقعية.  يذكر عدداً من أحاديث الطب النبوي ويعلق بقوله: "ورأيي أن هذه الوصفات وما شابهها ليست هي روح الطب النبوي، بل روحه المحافظة على صحة الإنسان وحياته وسلامة جسمه وقوته، وحقه في الراحة إذا تعب،  وفي الشبع إذا جاع، وفي التداوي إذا مرض... والعناية بنظافة الإنسان والبيت والطريق... إلى غير ذلك من التوجيهات التي تمثل حقيقة الطب النبوي الصالح لكل زمان ومكان.

إن الوسائل قد تتغير من عصر إلى عصر ومن بيئة إلى أخرى، بل هي لا بد متغيرة.  فإذا نص الحديث على شيء منها فإنما ذلك لبيان الواقع لا ليقيدنا بها ويجمدنا عندها. بل لو نص القرآن على وسيلة مناسبة لمكان معين وزمان معين فلا يعني ذلك أن نقف عندها ولا نفكر في غيرها من الوسائل المتطورة بتطور الزمان والمكان.  فقوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم"، ومع هذا لم يفهم أحد أن المرابطة في وجه الأعداء لا تكون إلا بالخيل التي نص عليها القرآن . بل فهم كل من له عقل يعرف اللغة والشرع أن خيل العصر هي الدبابات والمدرعات ونحوها من أسلحة العصر.

ثم أضاف بقوله: وأعتقد أن تعيين السواك لتطهير الأسنان من هذا الباب. فالهدف هو طهارة الفم... ولكن هل السواك مقصود لذاته أم كان هو الوسيلة الملائمة الميسورة في جزيرة العرب؟  فوصف النبي r ما يؤدي الغرض ولا يعسر عليهم. ويدخل في ذلك ما جاء من الأحاديث المتعلقة بآداب المائدة وعلقّ بعد ذكر طرف من الأحاديث بقوله: إنها تربية نفسية أخلاقية واقتصادية في الوقت نفسه لو عمل بها المسلمون ما رأينا الفضلات التي تلقى كل يوم... لقدرت قيمتها كل يوم بالملايين.

هذه هي الروح الكامنة وراء هذه الأحاديث ، ورب امرئ يجلس على الأرض ويأكل بأصابعه ويلعقها – اتباعا للفظ السنة – ولكنه بعيد عن خلق التواضع وخلق الشكر وخلق الاقتصاد في استخدام النعمة التي هي الغاية المرتجاة من وراء هذه الآداب، ويختم الدكتور القرضاوي أمثلته بدراسة من إثبات الأهلة فيقول: إن الحديث الشريف "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" أشار إلى هدف وعين وسيلة.  أما الهدف من الحديث فهو واضح بّين وهو أن يصوموا رمضان كله ولا يضيعوا منه يوماً وذلك بإثبات دخول الشهر أو الخروج منه بوسيلة ممكنة مقدوره لجمهور الناس لا تكلّفهم عنتاً ولا حرجاً في دينهم... فإذا وجدت وسيلة أخرى أقدر على تحقيق هدف الحديث وأبعد عن احتمال الخطأ والوهم والكذب في دخول الشهر وأصبحت هذه الوسيلة ميسورة غير عسيرة، ولم تعد وسيلة صعبة المنال ولا فوق طاقة الأمة... فلماذا نجمد على الوسيلة – وهي ليست مقصودة لذاتها – ونغفل الهدف الذي نشده الحديث".

   وبعد هذه الأمثلة قد يظن بعض الناس أن فهم منهجية المقاصد والوسائل هي مما يختص بالعلماء والقادرين على الفتوى والتعامل مع النصوص لاستخراج الأحكام.

   وما نود أن نثبته هنا أن وضوح هذا الفرق بين المقاصد والوسائل يعين كل مكلف في خاصة نفسه على امتلاك البصيرة التي يميز بها مقاصد العبادات من أشكالها فيحرص على المقاصد من تزكية وتهذيب واستعداد للقاء الله ولا يتجاهلها لأنه قام بالأشكال والحركات.  وكذلك تعين هذه المنهجية المكلف في معاملاته وشؤون حياته الاجتماعية على تطوير شخصية عملية تهتم بالإنجاز ومواقع عمله من نفع الناس وإزالة الضر عنهم أكثر من احتفائه بالصيغ القانونية والتخريجات الشكلية التي ترفع عنه شعور الإثم لما يتورط به من حرص وأنانية وفساد.  أما على صعيد الأمة وتأمين كفايتها يؤدي الخلط بين المقاصد والوسائل إلى مصائب لا يعلم مداها إلا الله. 

وقد ذكر المؤرخون بعض الأمثلة التي قد تعين على فهم بعض أسباب التخلف الذي ضرب الأمة وسلّط عليها أعدائها.  قدم في عام 1492 بعض اللاجئين اليهود من إسبانيا ومعهم آلات للطباعة إلى استنبول، وأذن لهم السلطان العثماني بطباعة الكتب على شرط ألا تستعمل المطابع في طباعة الحروف العربية.  ومرت ثلاثة قرون كاملة والمطابع في استنبول تطبع بالعبرية واليونانية والسريانية والأرمينية واللاتينية ولكنها لا تنتج أي كتاب تتمكن الشعوب الإسلامية من تداوله وقراءته.  ويؤكد المؤرخون أن تأخر الطباعة في العالم الإسلامي أعطى الشعوب الغربية تفوقاً حاسماً لم تستطع الشعوب الإسلامية أن تتخطاه عندما قررت بعد ثلاثة قرون استعمال المطبعة والاستفادة من الوسيلة الجديدة لنشر العلم والثقافة والمعرفة.

وتنظر الأجيال من الأمة التي ذاقت ويلات هذا الخيار الجاهل وهي تكاد لا تصدق العواقب الوخيمة للخلط بين المقاصد والوسائل والذي يحمل على الجمود على الوسائل القديمة ويتشبث بها.  وكأنها هي المقصد والهدف وركن الدين الذي لا يتجرأ أحد الخروج عليه.

ويذكر المؤرخون أمراً آخراً أشد غرابة وأكثر إثارة للمرارة والحزن في القلوبأكثر تعقيداً في موازنة الأحكام والمواقف الأخلاقية مع المتطلبات الواقعية.   عرفت الصين البارود منذ زمن بعيد، وكان يستعمل بشكل أساسي في استعراضات الألعاب النارية.  وقد نقل التجار البارود عبر العالم الإسلامي الذي لم ينتبه إلى ما يجري على أرضه - إلى أوربا.  ويبدو أن ثقافة العالم الإسلامي التي لا تميل إلى عقد المهرجانات الشعبية كما هو شائع في الثقافة الصينية لم تستسغ استعماله على هذا الوجه واكتفت بتمريره إلى أوربا.  وفي حين أن المخيلة الإبداعية المسلمة لم تتوجه بالتفكير بتطبيقات مؤذية لهذه المادة، فإن أوربا كانت في بداية تطلعها للامتداد والاستغلال الخارجي، فطورت منه الأسلحة النارية والتي أعطتها تفوقا حاسماً في حروبها ضد العالم الإسلامي.  وقد رفضت الدول الإسلامية هذا السلاح ولم تعطه إلا أهمية ضئيلة.  وعلى سبيل المثال رفضت السلطنة المملوكية في مصر استعمال الأسلحة النارية مما أفقدها القدرة على المقاومة والصمود في وجه البرتغاليين الزاحفين من الجنوب أو العثمانيين القادمين من الشمال وكانت الدولة العثمانية هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي استخدمت الأسلحة النارية بكفاءة.

يروي المؤرخ المصري – ابن زنبل – وقائع المواجهة بين الأمير المملوكي الأسير بين يدي السلطان سليم عندما قال للسلطان: لقد جمعت جيشك من كل مكان وأتيت بهذه الآلات التي صنعتها أيادي النصارى في أوربا عندما لم يكونوا قادرين على مواجهة جيوش المسلمين في ساحة المعركة.  هذه البندقية التي تستطيع حتى المرأة أن تستعملها وتقتل بها عدداً من الرجال.  ولو كنا قد قررنا استعمال هذا السلاح لما قدرتم على أن تتفوقوا علينا باستعماله ولكننا قوم لا نتنكر لسنة نبينا r في الجهاد في سبيل الله بالسيف والرمح.  ويل لكم كيف تستعملون هذه الأسلحة النارية ضد من يشهد بوحدانية الله ورسالة محمد r.  ويحتاج تأويل هذا النص الرائع استحضار القرائن والشواهد وسياق الأحداث.  وإذا كانت قراءتنا له صحيحة، فإن هذا النص يجمع بين استبطان الضوابط الأخلاقية الإسلامية في رفض أداة حربية فعالة لا تستلزم أن يكون حاملها مؤمن بما يفعل حتى يفعل ما يفعل.  فإذا كان القتال ضرورة لردّ العدوان فإنه كان يتطلب أن يتبنى الفرد رسالة ردّ العدوان وأن يقدم نفسه رهينة لذلك.  أما السلاح الناري فإنه يمثل مقدمة للقتل اللئيم ومقدمة لسيطرة الفرد الواحد على المجموعة (لاحظ قوله "المرأة" الواحدة... "عدداً من..." .  إن النص ليجمع بين هذا الاستبطان الخلقي وبين مظنّة حرفية فقهية "ونحن لا نتنكر لسنة نبينا... بالسيف والرمح". 

  لقد كانت نعمة كبرى ومنّة تقلد المسلمون نعيمها وأمنها مدة خمسة قرون كاملة عندما قرر العثمانيون التنكب لسنة القتال بالسيف والرمح ! حين واستعملوا الوسائل المكافئة لمواجهة عدوهم المتربص.  وإذا كان الدكتور القرضاوي في حديثه عن الآية ومن رباط الخيل يقرر أن كل من له عقل ويعرف اللغة والشرع يفهم أن خيل العصر هي المدرعات ونحوها من أسلحة العصر.  وتبقى معضلة الموازنة بين الضوابط الخلقية والنزعة الإنسانية للمبادئ الأسلامية وبين مواجهة واقع مفروض يستدعي الإعداد المكافئ، ذلك الإعداد الذي مقصده الرئيس هو تقليص فرصة التفكير بالظلم لا التصعيد الحربي.  ولكن التاريخ يعلمنا أن كثيرا من دماء المسلمين في أطراف العالم الإسلامي قد سالت لأن العقل الذي يميز المقاصد عن الوسائل لم يكن متوفرا وأن الأمة قد تعلمت هذا الدرس ولكن بعد فوات الأوان.

إن فهم التفريق بين المقاصد والوسائل يضع الأمة كلها على طريق إتقان عباداتها ومصالحها ومواقفها وخاصة عندما تكون المسألة هي قضية حياة أو موت في وجودها ورسالتها ومركزها بين الأمم.

* باحث في الفكر الإسلامي ومهتم في مسائل التجديد والمقاصد والتنمية الوسيطة



*