د.
أنس الزرقاء
تتلخص القضية التي أريد أن أطرحها للبحث و المحاورة في سؤال طرحه عليّ زميل كريم مهتم بالإقتصاد الإسلامي فقال : نحن في بحثنا في الإقتصاد الإسلامي لا يمكن أن نكون موضوعيين تماماً ، بمعنى أنني لو طلب مني كإقتصادي مسلم أن أبحث في قضية الفائدة المصرفية مثلاً ، ما هي آثارها وعواقبها و ما إلى ذلك ، فنظراً لأنني أعلم الحكم الشرعي بأن الربا محرّم فأنا سلفاً أعرف النتيجة التي أريد أن أتوصل إليها، وهي نتيجة محددة دينياً ، وبالتالي كيف يمكنني أن أكون موضوعياً حقاً في بحث هذه القضية . بينما غير المسلم يقول أنا عالم حيادي ، أبحث بدون قيود أو شروط و أحاول الوصول إلى الحقيقة، بينما أنتم متحيزون لأن بحثكم متمحور حول إثبات نتيجة محددة سلفاً، بينما انا لست ملتزماً بالوصول إلى أي نتيجة ، أدع البحث والإستقراء والتفكير يقودني إلى الصواب وإلى الحقيقة.
وبصراحة فإن هذا الإعتراض وجيه، وأنه كيفما صيغ السؤال فهو سؤال جوهري وخاصة أنه لا يتعلق فقط بالإقتصاد ولكنه ينطبق على كثير من العلوم الإجتماعية. فمن ينظر إلى الأحكام الشرعية لايشك بأن الأسرة هي إحدى المؤسسات الإجتماعية الرئيسية واعتبرت الشريعة وجود هذه المؤسسة أمراً بديهياً فطرياً فكيف يناقش المسلم بموضوعية من جاء يعترض على هذه المؤسسة وأنها قد لا تكون أفضل طريقة لتنظيم الحياة و تربية الأولاد ؟ و كذلك في علم النفس، ينظر العالم المسلم إلى الشذوذ مثلاً وهو مستحضر للنظام الأخلاقي الإسلامي فكيف يناقش بموضوعية من جاء معترضاً على تسمية بعض الافعال بالشذوذ قائلاً أنها اختلاف أذواق و أعراف ليس إلا . والحقيقة أن العالم المسلم متهم بأنه غير قادر على المناقشة الموضوعية لإستحضاره الأحكام الشرعية المعروفة سلفاً . فالسؤال جوهري وينبغي أن نبحث بجد عن موقف حقيقي تجاهه.
ويتلخص الجواب في تصوري في عنصرين : ويبدو لأول وهلة أن العنصر الأول غير متعلق بالموضوع و لكن تظهر صلته بشيء من التأمل. تناول المتكلمون المسلمون و الفلاسفة قضية الحسن و القبح و هل هما عقليان أم شرعيان . ويقصدون بذلك على وجه التقريب أن معرفة شيء ما هل هو خير أم شر، صالح أم فاسد ، هل هي أمر يستقل به العقل البشري أم أنها شيء لا بد أن تأتي الشرائع وتخبر الناس عنه؟
وقد أجاب أكثر الفقهاء والمتكلمين بأن الحسن والقبح شرعيان ولايستطيع العقل البشري وحده أن يهتدي إلى معرفة الصواب دون معونة الوحي. وقد تبنى قلة من العلماء لا يشك في فضلهم وتمكنهم الجواب الآخر و قالوا إن العقل يهتدي إلى الحسن والقبح والشريعة تأتي فتؤكد ما يعرفه العقل السليم . ومن أصحاب الرأي الثاني المعتزلة والشيخ العز بن عبد السلام في كتابه "قواعد الأحكام في مصالح الأنام". وقد رد الإمام الشاطبي على آراء الشيخ العز بن عبد السلام رداً شديداً دون أن يذكره بالإسم توقيراً له و لمكانته في العلم و الجهاد .
وبعد هذه المقدمة أضيف إليها أمراً آخر عرض لي عندما كنت أناقش موضوع إقتصاديات الرفاه ، وهذه عموماً تبحث إقتصاديات المصلحة الإجتماعية وكيف تفضل وضعاً إقتصادياً على وضع آخر. و قد حاولوا الإجابة على السؤال: هل يمكن أن نفضل بطريقة موضوعية لا تستند إلى قيم مسبقة أحد الأوضاع الإقتصادية على وضع آخر ؟ فمثلاً التجارة الخارجية الحرة أو فرض الرسوم الجمركية و حماية الصناعة الوطنية أيهما أفضل؟ فهذه القضية يمثلها السؤال الجوهري الذي دوّخ الإقتصاديين طيلة القرن الماضي وهو: هل يمكن الوصول إلى معاييرموضوعية محضة لا تستند إلى قيم مسبقة ولا تختلف فيها الأنظار، يمكننا بها بشكل علمي كامل أن نفضل وضعاً على وضع ؟
وقد كان الاقتصاديون في محاولاتهم لصياغة إقتصاد بعيد عن هيمنة الدين والأخلاق والقيم يراودهم الأمل والحلم الكبير أن يصبح الإقتصاد كعلم الفيزياء مثلاً حيث لا تخضع فيه تصرفات المادة لثقافة الدارس و قيمه وميوله . ففي سعيهم نحو ذلك كانوا يفتشون عن طرق موضوعية لتفضيل وضع على وضع.
والحقيقة أنه بعد أكثر من نصف قرن من البحوث و الدراسات وصلوا إلىنتيجة تعتبر موضع اتفاق بين كل الإقتصاديين المتعمقين وهي أنه لايمكن تفضيل وضع على وضع آخر استناداًُ إلىعلم الإقتصاد وحده، بل لا بد لعملية التفضيل من استيراد قيم من خارج مجال هذا العلم . وقد أصبحت هذه النتيجة مسلّمة ، ولا يتسع المجال لإستعراض الحجج التي أوصلتهم إلى هذه النتيجة ولكن بدون تردد ينظر إلى الإقتصادي الذي يماحك في هذه النتيجة على أنه غير متعمق وغير مطلع .
فلو تأملنا لوجدنا أن هؤلاء يبحثون عن الحسن والقبح ولكن بمسميات وطريقة نظر مختلفة . وجواب الإقتصاديين عن هذه المسألة يشبه جواب الفقهاء والمتكلمين ويخالف جواب أمثال العز بن عبد السلام الذين ذهبوا إلى أن الحسن والقبح عقليان إلى حد بعيد إلا في قضايا قليلة مثل العبادات .
فعند استيراد قيم من خارج علم الإقتصاد وإضافة المعرفة الإقتصادية بعلاقاتها السببية إليها يمكن تفضيل وضع على وضع. ولتوضيح الأمر نضرب مثالاً بعيداً على سبيل المبالغة ، فلو أردنا أن نرفع مستوى الدخل القومي في بلد ما، فقررنا القضاء على جميع العجزة وغير القادرين على العمل، فمثل هذا العمل سيرفع الدخل القومي و بدون أي تعديل آخر لأن هؤلاء لم يكونوا في دورة الإنتاج بل كانوا مستهلكين . فإذا قلنا إن هذا العمل وحشي و لا إنساني ولا أخلاقي يقول الإقتصادي : إن الكلام عن الإنسانية و الأخلاقية هو قيم. والحقيقة أن الوصول إلى جواب علمي لا علاقة له بالقيم هو أمر غير ممكن . فقيمنا المسبقة تضع الحياة الإنسانية كشيء مقدس و هذه قيمة من خارج العلم ، عند استدعائها نقول إن هذا الحل مرفوض وغير مقبول . و هنا نقول إن الإقتصاديين المعاصرين إنتهوا بتفكيرهم المستقل إلى مقولة شبيهة بما قرره المتكلمون و الفقهاء من أن العقل لا يستقل بتقرير الحسن و القبح و لا بد من مصدر آخر تستدعى منه القيم، وهو عندنا ( الشرع ) .
وكذلك لو تدرب إنسان ليكون ملاحاً جوياً ماهراً ثم واجهناه بسؤال بسيط : هل الأفضل أن نسافر إلى فرنسا مثلاً أو إلى أي بلد آخر. فسيكون عاجزاً تماماً عن الجواب لأن خبرته بالملاحة الجوية لا تمكنه من اختيار وجهة المسير ولكن إذا قررنا من خلال رغباتنا و قيمنا و تقديرنا للأمور أن نسافر إلى وجهة معينة استطاع بخبرته أن يصل إليها بسهولة . فالقرار الإجتماعي وتفضيل حالة على حالة لايستطيع العلم أن يبت فيه إلا بعد استعارة قيم من خارج إطاره ومجال دراسته.
والعنصر الثاني من الجواب يكمن في النظر إلى قول الله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾. فالله سبحانه و تعالى يقول لأشد الأمور تحريماً أن فيه منافع ، فعند تحريم شيء فيه منافع يكون الله تعالى قد منعنا وحرمنا من هذه المنافع ، ولكنه قال " و إثمهما أكبر من نفعهما " فالعملية إذن هي موازنة .
وقد قرر الإمام الشاطبي و العز بن عبد السلام و من قبلهما الإمام الغزالي أنه لا يوجد في الحياة شيء هو خير خالص أو شر خالص، أو مصلحة محضة و مفسدة محضة. وأن الله تعالى جعل في كل المسائل مزيجاً من هذا وهذا للإبتلاء . وأن الشريعة عندما تحرم شيئاً فإنها تعطي الحكم للأثر الأغلب ، فالخمر حرام مع التنصيص على أن فيها منافع مرجوحة و كذلك الميسر حرام لأن مفاسده أكبر. وللشيخ العز بن عبد السلام كلام صريح في أن هذه القضية لا تتخلف، فكل الأشياء فيها نفع و ضرر.
فإذا جمعنا الحقيقتين إلى بعضهما نصل إلى جواب ملائم للسؤال الجوهري: هل يمكن للعالم المسلم أن يكون موضوعياً حقاً تجاه الأحكام الشرعية؟ فكما يقرر القرآن الكريم فإن الأمر بشيء لا يعني أن المأمور به ليس فيه بعض المفاسد ، و أن النهي عن شيء لا يعني أن المنهي عنه ليس فيه بعض المصالح . بل الشريعة تقرر أنه يمكن أن يحصل هذا و هذا . فأنا كعالم مسلم لم تحظر علي الشريعة أن أعترف أن للخمر بعض المنافع وأن للقمار بعض المنافع وأن لأي شيء محرم كالزنا والربا منافع (بالمعنى الضيق للمنفعة)، فليس المحظور علي أن أفكر في ذلك وأقوله وأعترف به. وهذا الموقف متطابق مع منطق القرآن الكريم في قضية الحق . فالله سبحانه وتعالى هو الحق وخلق السموات والأرض بالحق . فالتأكيد على الحق يعني أنه إذا كان هناك شيء موجود خلقه الله سبحانه في الكون لم يطلب الله منا أبداً أن ننكره بل بالعكس، إنكاره مصادم لمنطق الحق . والكافر سمي كذلك لأنه غطى على الحقيقة وموّه ومنع الناس من رؤيتها . ومما يشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو علىأنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾. فليست هناك حالة طلبت منا الشريعة أن ننكر أمراً ثابتاً بل المطلوب منا أن نعترف به و نخضع له. ولذلك قال الله تعالى في معرض الحجاج : (قل هاتوا برهانكم) أي أنني أرضخ للحقيقة مهما كانت و لا أنكرها و لا أجادل وأماحك فيها. فنحن ممنوع علينا شرعاً أن ننكر أمراً حقيقياً ، و لكن المسألة التي يجب ذكرها أن الحقيقة لا تنحصر في أمر جزئي واحد بل هناك حقائق يتشكل من مجموعها فكرة وموقف مختلف تماماً عن موقف مبني على حقيقة جزئية منعزلة. ولا يمكن أن تختزل الـ"حقيقة" إلى حقيقة جزئية، بل هناك حقائق تتكامل لتعطي الصورة الإجمالية المعتدلة المتوازنة . فليس المطلوب منا كمؤمنين أن ننكر أي حقيقة ثابتة بل المطلوب منا أن نتعرف على الحقائق الأُخرى التي تكمل الموضوع ولا تختزله إلى أحد جزئياته.
فلو جاء أحدهم و أثبت أن هناك مجموعة من الناس عندهم ميل فطري وراثي للشذوذ الجنسي، فلو فرضنا أن هذا الأمر حقيقة فليس المطلوب منا شرعاً أن ننكره، ولكن يجب أن نضيف إليه حقائق أُخرى من المستتبعات على الوجود الإنساني ومعرفة أن الله سبحانه قد حرّم هذا الفعل. وقد لا يكون الأمر أكثر من مجرد زعم أو قضية جزئية، ومع ذلك فنحن مستعدون لقبول كل حقيقة مهما كانت ولا نبادر إلى إنكارها بمجرد مخالفتها للحكم الشرعي المعروف لأننا نعلم أن الحكم النهائي على أي أمر غير ممكن بدون استيراد قيم وتكامل الصورة.
فالقرار الإجتماعي و تفضيل حال على حال لا يمكن للعلم أن يبت فيه إلا باستعارة قيم. فالإقتصاديون أقروا بهذه النتيجة وهم يقولون أنهم يأتون بهذه القيم من خارج علم الإقتصاد ونحن كمسلمين ليس لنا مصدر للقيم نعترف به إلا الوحي . فليس المسلم هو الوحيد الذي يستعيرالقيم حتى يطعن في موضوعيته، بل كل قرار إجتماعي لا يمكن الوصول إليه إلا بهذه الإستعارة ، فالصراحة والصدق خير من التمويه و التدليس.
فأنا كعالم مسلم ليس لدي أي
حظر عقلي لأناقـش و أستمع وأبحث في مزايا و منافع بعض المحرمات الشرعية أو أضرار
بعض الأوامر الشرعية و لكنني أعلم أن العلم بدون استيراد القيم له حدود و لا
يستطيع أن يكون الحكم والمرجع الأخير للتفضيل . فلا نحن قادرون مثلا ً على إثبات أن منع الخمر هو أولى
من إباحتها و لا خصمنا يستطيع ذلك، لأن الحقائق المتعلقة بحوادث السيارات وغيرها
من الأمور التي تنتج عن شرب الخمر، لها وزن متأثر بالقيم التي نرجع إليها ونزن بها
الحقائق. وبالتالي فإني كعالم مسلم
ليس علي منع لأنظر إلى أية قضية من جميع وجوهها ، ولكني أعلم أن الله تعالى أعطاني
الجواب العملي عن المسألة والذي يمثل القرار الإجتماعي والتفضيل المبني على القيم.