عرضت محطة التلفزيون
الأمريكية غير التجارية (KCET) برنامجا وثائقيا بعنوان
"حرية التعبير برسم المبيع" (Free Speech for Sale) وقد عرض البرنامج ما آلت إليه حال حرية التعبير في أمريكا بتأثير
الضغوط المالية للشركات العملاقة والتي تستطيع أن تشتري من وسائل الإعلام ووسائل
صياغة الرأي العام ووسائل صناعة الضغوط المادية والمعنوية للتأثير على أعضاء –
الكونغرس- ومجلس النواب . وتتضمن
حملات الضغوط كل الوسائل غير الأخلاقية من الكذب وتحوير وتبديل الحقائق أو إثارة
الزوابع والموضوعات الجانبية لصرف الانتباه عن الموضوعات الرئيسية في الانتخابات
أو عند مناقشة مشاريع القوانين. وكل
هذا بغطاء قانوني محكم فلا يجد في مثل هذا الجو الرأي الآخر فرصة للتنفس والتعبير.
ومن خلال الأمثلة الموثقة يصل
البرنامج إلى نتيجة مفادها أن الدستور الذي وضع وفهم لإعطاء فرصة متساوية لجميع
الآراء لتمكين الناخب من الاختيار الحر بعد سماع ومناقشة جوانب الموضوع، قد فقد
معناه ومغزاه عندما آل الأمر إلى منافسة غير متكافئة بين طرف يحمل مكبر ومضخم
للصوت وبين طرف آخر يرغم على الهمس ولا يستطيع أن يُسمع صوته ويثبت حضوره ووجهة
نظره.
وقد عرض البرنامج الوثائقي
أمثلة ثلاثة عن ممارسات الشركات
الكبيرة والحيل القانونية التي لجأت إليها والتي كانت نتيجتها أذى محقق أو
خسارة وإجحافاً بيّناً للمصلحة العامة.
ففي المثال الأول تعرض أحد المرشحين لبعض المجالس المحلية إلى حملات تشهير
وتضليل أدت إلى خسارته في الانتخابات وذلك لأنه أفصح عن نيته باستصدار قانون يضع
حداً للإضرار بالبيئة والمناطق السكنية والتي تسببها مزارع الخنازير في المنطقة.
ووصلت الحملة لاستصدار قرار ينقل صلاحيات الترخيص والإشراف على المزارع من السلطات
المحلية، وقد عرض البرنامج مدى تدهور البيئة وتلوثها في المنطقة بما يبلغ أضعاف
الحد المسموح للمناطق السكنية دون أن تتمكن السلطات المحلية من فعل شئ لحماية
السكان.
وفي المثال الثاني عرض
البرنامج الحملات الإعلامية والضغوط التي قامت بها شركات صناعة التبغ للضغط على
مجلس الشيوخ ليفشل مشروع القانون القاضي بإلزام الشركات بدفع مساهمة فعالة في دعم
البرنامج الصحي لمعالجة المصابين بأمراض ناتجة عن
التدخين. وفي المثال الثالث
عرض البرنامج ملابسات ومناقشات قانون الاتصالات حيث لم تذع ولم تنشر كلمة واحدة عن
آراء أعضاء مجلس الكونغرس بوجوب دفع شركات الاتصالات العملاقة بعض التعويضات لقاء
المكاسب التي جنوها من خلال القانون والذي أوصلهم عملياً إلى احتكار مطلق لمحطات
التلفزيون والإذاعة والصحف . وقد كان من نتيجة هذا الاحتكار أنه لم يسمع أحد بهذه
الثغرة الكبيرة في القانون الجديد لأن الرأي الآخر والذي يدافع عنه بعض أعضاء
المجلس ليس له أية وسيلة لإيصال صوته إلى الجمهور ليتمكن من الاتصال بممثليه
وتعديل كفة الضغط من الطرف الآخر.
وكانت النقطة التي حاول
البرنامج التأكيد عليها أن حرية التعبير كما ضمنها الدستور كأساس لممارسة
الديمقراطية قد فقدت معناها واختفت عملياً بتأثير ضغوط وممارسات أصحاب الأموال
والنفوذ. وأنه لا بد من التفكير الجدي بطريقة تعيد حرية التعبير إلى مكانها من
الحياة السياسية بغض النظر عن الإمكانيات المادية للأطراف المتنافسة على إقناع
الجمهور.
ولقد أبرز البرنامج مثالب
ممارسات الاحتيال لأصحاب النفوذ والأموال والتي لا تختلف في نتيجتها - على حدّ
وصفهم - عن ممارسات الأنظمة الفاسدة في أطراف أخرى من العالم ، وإن كانت الطريقة
الأمريكية تبدو أكثر دهاء لاعتمادها على حيل قانونية وصياغة ذكية تخفي عنصر التعسف
وتبدي الانسجام مع الدستور وما يضمنه من حقوق.
والطريف في هذا الأمر أن
البرنامج أذيع في هذه المحطة غير التجارية ضمن حملة لجمع التبرعات لدعم المحطة
وبرامجها المستقلة. فلكل شيء ثمن لابد من وجود من يتولى دفعه . ولنا أن نتساءل عن
قيمة مثل هذه الصيحة في الضجة الإعلامية الرهيبة التي تملكها شركات الإعلام
العملاقة بمحطاتها التي تبلغ المئات.
ونرجو ألا يسرع القارئ الكريم إلى الاعتقاد بأننا نود
عقد مقارنة بين نظام ونظام وممارسة و ممارسة . فنقد النظام الديمقراطي لا يعني الموافقة على النظام
الاستبدادي، فالنقد الموضوعي ضرورة لمن لا يهوى تكرير الأخطاء. ونرى أنه من الواجب التحرر من النظر الى
التجربة الغربية كمثال يعلو على
النقد والتمحيص، وخاصة أن النظام الأمريكي –كما يبدو واضحاً من تقرير المحطة
التلفزيونية- لم يخل من واحدة من أهم معضلات النظم السياسية والمتمثلة في
الاستئثار. أننا نود أن نلفت النظر
إلى الحذر من الوقوع في التبسيط المخل والذي يطلع به علينا هواة استنساخ التجارب
البشرية عندما يقررون أن الإسلام فيما يدعو إليه من شورى هو عين الديمقراطية التي
تنعم بها مجتمعات الغرب. إن من الحكمة أن نفهم تعقد الظواهر الاجتماعية وخصوصياتها
ومشكلات تطبيقها وممارستها في أرض الواقع بتوجهاته ومصالحه قبل الاقتراح الفج الذي
تنقصه الروية والفهم بنقل تجارب الشعوب وادعاء عالمية أية تجربه إنسانية . إنه
لابد من الجهد العلمي المنهجي المكثف لمعرفة واقعنا وما يصطرع فيه لاكتشاف وسائل
تنزيل القيم الكبرى مثل – الشورى – لتؤدي وظيفتها ودورها ولا تتحول تتدريجياً كما
آلت الديمقراطية عند غيرنا إلى شعار يفقد يوماً بعد يوم معناه ومغزاه.