كلمة التحرير

لا يصعب على المطلع والقارئ لما يكتب في الدوريات والمجلات والصحف في أطراف عالمنا العربي والإسلامي أن يدرك أمراً يعتبر خيطاً ناظماً لكل ما يكتب وينشر على اختلاف المنطلقات والمدارس الفكرية والانتماءات السياسية.  إنه الشعور بالأزمة والإحساس بأن الأمور لاتسير على خطة أو وجهة، الشعور بتأصل الفوضى والبعد عن المعقولية والمنطق.

ويستغرق الشعور بالأزمة كل مرافق الحياة من أدنى الخدمات إلى أعلى مجالات المشروعية في الدول والحكومات.  وينقلب الشعور بالأزمة وما يرافقه من إحساس بالعبثية والضياع إلى موجات من الغضب والتلاوم .. يحتدم النقاش ويتراشق الناس الاتهامات ويستسهلون القفز إلى الحكم على النيات وما تضمره القلوب.  وإذا كنا نعتقد أن أزمة الأمة بكل تشعباتها وتعقدها ترجع إلى أزمة في  الفكر وكلال في العقل عن القيام بدوره، فإننا نحسب أن هذا الطرح العام مازال بحاجة إلى بيان وتفصيل لنتعرف على نقطة البداية ولتكون شرائح الأمة قادرة على القيام بواجباتها  والنهوض بمسؤولياتها.

ومهما اختلف الناس في نقطة البداية فإن الأمر الذي لا يماري فيه أحد أن الشرط الأساسي لتحقيق أي تقدم على أي مسار ومن أية نقطة للبداية هو الشعور بالأمن والثقة أن المشاركة الفعالة ستفهم على وجهها وتعطى ما تستحق من تقويم، ولا يرمى بها لمقررات مسبقة ليرى المفكر والباحث نفسه في مواجهة مع من يخدمهم ويفكر لاستنقاذهم ويسعى في استثمار جهوده للنهوض بهم.  ومتى فقد الشعور بالأمن واهتزت الثقة بأن أي مشاركة ومساهمة ستؤخذ على محمل الجدّ والانصاف، خمدت بالتدريج جذوة الفكر وأصاب الكلال العقل عندما يطلب السلامة بمجاراة الواقع وتحاشي مخالفة المستقر من الأعراف والأفكار والممارسات.  ومتى فقد الشعور بالأمن، تحولت الأزمة وتحول هم الباحث والمفكر من المكابدة في محاولة البناء والبحث.. إلى صراع بين الأشخاص والهيئات والمؤسسات.

وقد يسرع الكثير إلى الاستنتاج أن الأمن الذي نتحدث عنه يتعلق بممارسات السلطة السياسية في بلاد المسلمين ، وقد يقفز الكثير إلى القول بأن الكلام عن الحريات وإصلاح واقع ممارسة السلطة أصبح حديثاً مكروراً معاداً إذ  لا مجال فيه لمزيد فالكل يشكو، ومصدر الداء معروف، والدواء بعيد المنال، ولا خير في ترديد الشكوى واجترار الآلام.

وهنا نريد أن نطمئن من يجنحون إلى هذا التبسيط المخل لتصوير حياتنا الثقافية وما يضطرب فيها ونقول: إننا نعتقد بصدق أن الأمن الذي نتحدث عنه والثقة التي نريد أن نركن إليها تبدأ من أنفسنا وفي صفوفنا، وما ممارسات السلطة إلا انعكاس وتجسيد لثقافة ضربت أطنابها في عقولنا وطريقة تفكيرنا ومعالجتنا للأمور.  يضيق صدرنا بالرأي المخالف لما اعتدنا، ونحسب أن من صدق التدين أن نكبت كل من حاول التفكير خارج الإطار التاريخي المعتاد.

يعوزنا الصبر في فهم وتحليل ما يقال لنضعه مواضعه وننصفه فيما له أو عليه فنلجأ إلى سلاح التشهير واللافتات بكل ما تحمله من عبء تاريخي ثقيل، فهذا معتزلي والآخر عقلاني والثالث خارج عن الإجماع أو مبتدع أو ما شئت من النعوت التي تطلقها ألسنة من غير بصر ولا بصيرة، فتترك من يحاول الإصلاح ويستثمر طاقات فكره في سجن رهيب جدرانه توجّس كل من حوله، وسياطه اتهامات منكرة أطلقها هواة نبش القبور عن معارك قديمة مضت بما لها أو عليها، وجلادوه هم أحبابه وإخوانه وأساتذته وكل من يرجو منهم النصرة فجاؤوه بالخذلان.

في مثل هذا الجو نرى أن نقطة الخروج من الأزمة تبدأ بسعة الصدر، وتبدأ بالإيمان المطلق أن الوصاية على هذه الأمة لم يتركها الله لآحاد الناس يدعيها ، بل ترك أمانة الدين مشاعاً يتحمل كل حسب طاقته وقدرته ويدلي بدلوه، ولا يحق لأحد أن يحجر على أحد، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم مثل الغيث لا يدرى أوله خير أم آخره.. وعندها لا يستند أحد إلى رصيد من وجاهة أو انتماء لإثبات جدارة ما يطرحه وما يفكر فيه ، ويبقى الميدان للحجة والبرهان والدليل، يثبت منها ما رجح ويطيش منها ما تعلق بالأوهام واستند إلى الفراغ.

إن نقطة البداية للخروج من التيه تكمن في استنفار الأمة جميعاً انطلاقاً من حسن الظن والإنصاف، لتجتمع الجهود إلى الجهود ويسترشد الكل بالكل فلا يضن أحد باستفراغ جهده خوف ملامة أو تقريع أو استهجان، أو لظنه أن مسؤولية التغيير والإصلاح والبناء تقع على عاتق أفراد هنا وهناك "فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ، ويسع الجميع أن تستقر قاعدة التواصل والتعارف والتعاون على كلمة سواء من الإنصاف والاحترام وحسن الظن والانتماء إلى هوية الأمة ودينها وثقافتها.

إن نقطة البداية للخروج من كل ما تتورط به الأمة من مخالفات وما تقصر به من واجبات يبدأ من استقرار قيمة حرية التفكير في أولويات برامج الاصلاح والتغيير وعند أهل الفكر والبحث والنظر وعند من أقامه الله في كفايات التعليم والتوجيه قبل أي فئة أخرى ليعطوا من أنفسهم القدوة والمثال للأمة لتقدير أهل الكفاية فيها، وليس هناك من بداية أخرى ليستقر المعروف معروفاً ويشتهر المنكر بنكارته واعوجاجه وتستقر القيم الحاكمة كما أرادها الله تعالى في كتابه وسنة نبيه.

 وفي هذا العدد من " الرشاد " يقدم لنا الأخوة الكتاب جولة ممتعة في آفاق من الفكر والنظر تفتح الأعين والبصائر على توجهات عملية من هدي القرآن الكريم ... يحدثنا الدكتور المقرئ أبو زيد الإدريسي عن (منهج الحوار في القرآن) فيضع يده على موضع الداء في طرف من حياتنا الثقافية ويقدم النظرة القرآنية في التعامل مع الفكر الآخر في وقت غلب على فصائل الأمة أحادية التفكير وأحادية التمحور والفكر التصادمي الذي لايرى للآخر إلا الإقصاء والتجاهل... وعلى هذا المنحى يحدثنا الدكتور أنس الزرقا عن (الموضوعية) ليلتقي مع ما بدأه  الدكتور الإدريسي من ضرورة الانفتاح والاستماع دون خوف ودون أن يكون في الالتزام بالقيم الصادرة عن الوحي ما يعارض الموضوعية والاعتراف بالحقائق.. ويحدثنا الأستاذ رياض أدهمي عن أفق (عالمية الرسالة) ، ويتناول هذه المرة قضية إعجاز القرآن ويأتي في الحديث عن هذا الموضوع بما يلفت النظر إلى خلود تحدي القرآن خارج خصوصية الثقافة العربية... هذا بالإضافة إلى بعض التقارير عن بعض النشاطات الفكرية وبعض ما نشر في المجلات مما له علاقة برسالة "الرشاد".

ونأمل أن يجد القارئ الكريم في مواد هذا العدد وفاء للخط الذي انتهجته "الرشاد" في التجديد والاجتهاد وإعادة طرح القضايا من منظور جديد كفيل بإعادة التوازن والحيوية إلى علاقتنا بالتراث.  والله المستعان.