قراءة في دستور الولايات المتحدة

التحرير

نحب في هذه العجالة إعطاء لمحة سريعة عن دستور الولايات المتحدة الأمريكية الذي يعتبر أهم وثيقة قانونية في أمريكا.  ولا يخفى أن المناقشة الوافية لهذا الموضوع تطول فقد كُتبت عليه دراسات مطولة من قبل المؤرخين والقانونيين ومتخصصي السياسة... ولكن هناك بعض الملاحظات الهامة التي تجب الإشارة إليها.

لقد وضعت هذه الوثيقة عقب ما سمي " الثورة الأمريكية" والتي رفضت فيها مستعمرات المنطقة الشرقية ( والتي تشكل أمريكا يومذاك ) الهيمنة البريطانية وقرارات التاج البريطاني، بما في ذلك الضرائب على التجارة.  وبعد نشوب الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب وانتصار الشمال الذي يدعو للانفصال، تبين بوضوح أنه قد صاغ الزمان من الوافدين شخصية جديدة لها أحلامها وآمالها المتباينة عن أصولها والتي كان لا بد لها وأن تتجسد في تعبير سياسي يضبطه دستور قانوني.

وإن أهم ما يميز هذا الدستور على المستوى الإجرائي هو صغر دور الحكومة المركزية والفصل بين السلطات الثلاثة التنفيذية والتشريعية والقضائية .  وتظهر جلياً في طبيعة الدستور بصمات الواقع الحقيقي الذي عاشه الناس في ذلك الزمان.  أي أن الكيان الأمريكي كان قد تكون من جراء هجرات فردية والتي عاشت في تجمعات سكانية متفرقة في الأرض الجديدة الواسعة والتي لم تشعر حكماً بضرورة وجود جهاز حكم مكثف، وإنما اعتمدت على مجرد جهاز تنسيق بين أقسامها المختلفة . وحيث أنها كانت أرض تتابعت إليها الهجرات، فإن الاعتماد على الجمعيات المدنية والتعاونيات الصغيرة التي يشارك فيها معظم الناس كان سمة بارزة جداً سجل عنها بإفاضة المؤرخ الاجتماعي الفرنسي المشهور توكفيل.

ولكن لم يكن اجتماع الولايات على الدخول في اتحاد فيدارالي سهلاً أبداً لأنه كان لكل ولاية أولويات ومصالح متعارضة.  ولقد تأزمت آنذاك مشكلة التمثيل هل تكون على أساس عدد السكان أم على عدد الولايات  المشترِكة.  ووصلوا أخيراً إلى ما يسمى التسوية الكبرى (The Great Compromise) والذي تمّ بموجبه تأسيس مجلسين اثنين، مجلس الشيوخ والذي يتساوى فيه تمثيل الولايات، ومجلس النواب والذي يعكس عدد سكان كل ولاية.  والمفارقة أنه رغم أن الجنوب هو الذي كان متمسكاً بنظام الرق الذي يرتكز عليه اقتصاده، إلا أن الشمال هو الذي عارض إدخال عدد الرقيق في التمثيل لكي لا ترجح كفة الجنوب، وأخيراً اُعتبر كل عبد مساوٍ في العدّ لثلاثة أخماس المواطن العادي.

أما تقسيم السلطات الثلاثة -الأمر الذي يستجلب ثناء أكثر الدارسين- فإنه كان ضرورة ظرفية يصعب تصور غيرها .  وذلك أن أساس الشرعية القديمة قد انهار، وليس هناك مصدر شرعية منافس يجمع شتات هؤلاء الوافدين .  ورغم أن الدين كان حاضراً بقوة في حياة الناس ، فإنه لم يكن يُتصور للنصرانية أن تنفرد بالشرعية السياسية بسبب تاريخ الكنيسة وقصور الطرح النظري السياسي النصراني مقابل طروحات عصر التنوير العلمانية.  ورغم أن مبدأ تقسيم السلطات مبدأ قديم معروف ولاسيما بين السلطات التنفيذية وغيرها من السلطات، إلا أن التجربة الأمريكية بخلفيتها البرغماتية وبتحررها النسبي من تراث ملزم نجحت بوضع آليات عملية واقعية أثبتت قدرة كبيرة على التنسيق وتسيير الأمور وحفظ كثير من التوازنات.  ولا يخفى أنه لما كانت دوافع الوافدين دوافع اقتصادية بشكل رئيسي، ولما كانت الأرض غنية غناء خيالياً .. فإن قناعة إمكان الاستغناء عن الآخرين والتأكيد على الفردية كانت تجربة حياتية انعكست بشكل ظاهر في هذا الدستور.

وإذ كان الدستور وثيقة ناجحة فإنه بنفس الوقت لم يستطع البت في قضايا فاصلة مثل قضية الرقيق وغيرها من المشاكل التي ينبني عليها اقتصاد الولايات.  واندلعت الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب (1819-1865) لتعيد تقاسم ثروات العالم الجديد في الفترة التي كان الاستعمار الأوربي يتقاسم العالم القديم وفي الفترة التي كان كارل ماركس يُنظّر للثورة الحمراء وينشر "الإعلان الشيوعي" في 1848.

والمفارقة أنه رغم حرص أمريكا الجديدة على إبعاد أي ظلِّ تحكم من الخارج (بريطانيا) فإنها صادقت على التحكم الدنيء بملايين الرقيق والعمالة المستجلبة.  وشكل هذا طبيعة الدستور المستقبلية وطبيعة المجتمع الأمريكي ككل.  وذلك أنه لم يعترف بأدنى حقوق للآخرين إلا بعد نضال مرير على كل المستويات، الأمر الذي استقطب المجتمع حول المجموعات العرقية واللونية.  أي أن الفشل المبدئي في الاعتراف الأخلاقي بالمجموعات غير الأوربية أزّم هذا الاستقطاب وأصّله في الحياة الأمريكية.  ومن جهة أخرى فإن تحرك المستغَلين من الملونين وغير الملونين ونجاحهم في إضافة التعديلات الدستورية مَحْوَرَ العقلية الأمريكية حول مفهوم الحقوق وأزّم هذه الحقوق وطرحها على أنها تُنتزع انتزاعاً، ولا سيما أنه دُعم بالفكرة الفلسفية لمفهوم "الحق الطبيعي" الفردي.  وترتّبت هذه الحقوق بالتالي موازيةً للانقسامات الإثنية والعرقية، وكلما طُولب بحق -ولو كان معقولاً- كلما زاد التشرذم الفئوي، ويعتبر هذا الأمر سمة لازبة للوجود الأمريكي وتناقض داخلي مبني في أصل هذا الكيان.

وهكذا تشكل الدستور الأمريكي في ظرف تاريخي خاص استمد مادته من مصادر متنوعة من الفلسفة الإنكليزية المحافظة إلى نقيضها الأوربي في فكر عصر التنوير ، ومن التأويلات التقليدية للرؤية القانونية الرومانية إلى التأويلات المعاصرة لمزارعين استقروا في بلد جديد يغمرهم شعور الإنجاز والتعالي على الآخرين.  وتعتبر أعمال الفيلسوف (لوك) الذي قال بأن شرعية الحكم مودعة في الأفراد لا في الحكّام، وأعمال المفكر الفرنسي (مونتسكيه) الذي قال بمبدأ فصل السلطات من أهم المؤثرات الفكرية التي تأسس عليها الدستور.

   واكتسب الدستور قيمته الكبرى من التعديلات التي أضيفت إليه ومن التأويلات اللاحقة التي أتت تحت ضغط ومطالبة المظلومين.  حتى أن المعلّقين يتساءلون أحياناً فيما إذا كان لهذا الدستور القيمة الكبيرة لولا ما أفصحت عنه الجهود الضخمة التي جابهت النظام المهيمن وتحدته.  ولولا هذه الجهود لبقي الدستور ديمقراطية نظرية تخدم فئة غالبة فحسب.

ولا يمكن أن يفوت الدارسين الطريقة التقليدية التي تعالج فيها الأمور الدستورية والدرجة التي تحول فيها الدستور البرغماتي الذي تجنب الدين إلى نوع من نص مقدس ينفرد في تأويله تسعة أشخاص ( كلهم ذكور الى فترة قريبة ) يقلّبون الأوجه ويخرجون بفتوى جماعية بعد تصويت يعكس الميل الأيديولوجي لكل من أعضاء المحكمة الدستورية العليا هؤلاء.