التحرير
يوافق صدور هذا العدد من
الرشاد موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي يترقب العالم نتائجها لتأثيرها
الواسع وليُموقع كلُّ نفسه تجاه الترتيبة الجديدة. ومما يلفت الانتباه خصوصاً التغيير الملحوظ في عقلية الجالية
المسلمة هنا في أمريكا ومواقفها النفسية تجاه المشاركة في الانتخابات. ويبدو من خلال الملاحظة العامة أنه رغم
بقاء جيوب تقول بعدم جواز المشاركة ، فإنه من الواضح أن المزاج العام متوجه نحو
وجوبها بل والتأكيد على ضرورتها.
والذي يلفت نظر الرشاد –
كمجلة فكرية – هو غياب أو تخلف القاعدة النظرية لهذه المشاركة. أي أنه هناك ارتياح
شعبي عام للمشاركة، ولكنه ليس هناك تصور مبلور أو موحد حول أهداف هذه المشاركة وموقعها في منظومتنا
الفكرية ومدى انسجامها مع مجمل السلوك الفردي والجماعي للوجود المسلم هنا.
وعندما يحاول المرء أن يسمع مواقف الناس في ذلك ويحللها فإنه يجد مزيجاً متعدداً من الآراء من المضيق إلى الموسع . فهناك الذي يشارك ويرى وجوب المشاركة للتأثير على السياسات الأمريكية، وبالخصوص الخارجية منها بالذات آملاً أنه سوف يكون له يوماً صوت مسموع في واشنطن يؤثر في القرارات الهامة التي تتخذها الإدارة الأمريكية تجاه بلاد المسلمين، وربما بالخصوص فلسطين. وهناك الذي يعتقد أن المشاركة تفيد في الدفاع عن حقوق المسلمين هنا في الولايات المتحدة. وتتلون الأحلام والآمال من وراء المشاركة تلوناً كبيراً وتتنوع الاعتقادات حول مدى الاستفادة من هذه المشاركة ومتى وكيف سوف تظهر النتائج.
إن التباين الشديد في هذه
الآمال والأفكار يؤكد ضرورة تشكل فهم ووعي سياسي عند عموم الناس حول نظرية الحكم
من طرف وحول فهم الواقع المخصوص من طرف آخر، وأن لا تكون مسألة المشاركة السياسية
مجرد إدلاء صوت ومتعة مثل أكل البطاطس المقلية التي تطلبها وأنت قاعد في سيارتك أو
التسوق في السوبرماركت..
ونرى أنه من الضرورة أن تشفع الرغبة في المشاركة بفهم
الديمقراطية ذاتها كمنظومة تتجاوز الأطر السياسية لتؤثر في على مجمل واقع الحياة .
بل إنه من الضرورة بمكان أن يُفهم كيف تطورت الديمقراطية، ولماذا وصلت إليها
الشعوب الأوربية عامة ، ولماذا أخذت أشكالاً متباينة بين الأقطار المختلفة. وبالذات فإنه من الضروري وعي أن مسألة
الديمقراطية هي أمر أوسع من قضية تغيير رئيس بآخر، بل أوسع من قضية نظام حكم،
وأنها طريقة لتنظيم الحياة عامة ونمط في إدارة الشؤون الجماعية وموقف عقلي ونفسي
حول مصدر القيم العملية والقوانين الإجرائية.
إن فهم الديمقراطية بهذا الشمول أو بهذا التدرج من
المستوى الظاهري المتعلق بالفعل المباشر إلى المستوى المستبطن المتعلق بالدوافع
والتصورات، هو الذي يؤهل لنضوج سياسي يتجاوز الممارسات الحالية التي تتميز بتسطيح
شديد، من البحث عن نصوص وفتاوى عن الجواز أو عدم الجواز إلى غياب رؤية سياسية
متكاملة مرتبطة بالرؤية المسلمة ومعبرة عن قيمنا الثقافية وأهدافنا العملية على حد
سواء.
إن الفراغ النظري الذي نشهده في الحس السياسي المسلم
(سواء داخل أمريكا أو خارجها) أمر يثير القلق لأنه ينعكس سلباً على السلوك السياسي
وعلى نمو المجتمع نمواً طبيعياً.
وهذا الفراغ ملحوظ على كل المستويات حتى على مستوى الأعمال المنظمة التي
تشجع الناس على المشاركة السياسية . ولا أقصد هنا غياب التخطيط بعيد المدى ( رغم
أن ذلك يبدو مفقوداً أيضاً ) ولكن أقصد الرؤية المتكاملة المنسجمة مع نفسها والتي تتجاوز قضية
مصالح.
إن ديمقراطية السياسية الأمريكية هي ثقافة وتجربة حياتية لها
جذورها القديمة ولها تأقلماتها الزمنية الحديثة والتي مرّ بها المجتمع الأمريكي .
ولقد تغيرت وتطورت هذه المفاهيم السياسية تغيراً كبيراً ووضعت عليها الأحداث
والظروف سمتها الخاصة، بدأً بالأرض البكر غنية الموارد قليلة الكثافة السكانية وما
رافق ذلك من نشاط اقتصادي مكثف وما رافق ذلك من استجلاب للعمالة والرقيق، ومروراً
بالحروب الخارجية التي أثرت كثيراً في تخيل موقع السلطة ودورها وطبيعة الاقتصاد
ودوره، ومروراً بالحركة الشعبية لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى تقاطع كل هذا مع
المنظومة الثقافية للقيم الخلقية.
إن كل هذا رصيد يقبع خلف ظاهر الديمقراطية السياسية التي نراها اليوم على
شكل قوانين وإجراءات وأصول تعامل.
![]()
وبعد فإن هذه مداخلة موجزة تشير إلى ضرورة تنمية ثقافة
مسلمة سياسية معاصرة تنسجم مع مخزوننا القيمي ، وضرورة الابتعاد عن تراشق النصوص
مع أو ضد الديمقراطية السياسية، وأن نبدأ فهمها على أنها نتاج بشري اجتماعي محض له
متعلقاته التاريخية وأنها ليست شيئاً صلداً خُطّ بجرة قلم، بل هي تجربة حياتية
كاملة . وإن هذه التجربة التاريخية
للأقوام الأوربية جديرة بالنظر والتحليل ولكن بعيداً عن منطق التقليد الأعمى
والنسخ طبق الأصل وبعيداً عن منطق الاستيراد الذي يُوهم بأن عملية نضوجنا السياسي
عملية سهلة ليس عليها إلا اتباع وصفة جاهزة معلبة في الأسواق . إن من مشاكل غياب
القاعدة النظرية للمشاركة السياسية والفهم المجتزأ لعالم السياسة أنه لا يستطيع أن
يجيب على التناقضات المريرة التي تقع فيها الديمقراطية الغربية – التي يصل بعضها
إلى حدّ العدوان السافر – والذي يوجه العقلية المسلمة باتجاهين غير محمودين:
الاتجاه
الأول: هو رفض الاستفادة من هذه التجربة البشرية والبقاء في دائرة العموميات
الاعتباطية والشعارات القِيَميّة التي لا تُفكر أبداً بأي آلية عملية قادرة على
إدارة وتنظيم الواقع البشري.
الاتجاه
الثاني: هو الدفع نحو المشاركة بنزعة انتهازية مصلحيه بحتة تخجل منها قيمنا
ومبادئنا ، وتنعكس سلباً على الوجود المسلم في أمريكا كجالية متميزة ثقافياً
وحضارياً.