ابن المقفع
كان أحد القصاص يتحف جلساءه من أهل محلته بشيء من بضاعة مزجاة من نقولٍ ورواياتٍ وحكايات ، وكان على قلة علمه ودرايته دائم المحاولة ليثبت لكل من يحدثه أنه من أهل بيت عريق بالعلم والأدب والفضل ، فكان يكثر من قوله : حدثني أبي ، وروى أبي، وسمعت من أبي. . . . مع أن أباه أُميٌُ مستور الحال ليس مما ينسبه إليه ابنه المتفاصح في عير ولا نفير .
فلما أكثر صاحبنا من ادعائه وتبجحه أصرً
جلساؤه على أن يجتمعوا بأبيه لعلهم ينالوا حظهم من علمه وفضله و بركته ، فأسقط في يد صاحبنا القصاص واعتذر
لجلسائه بكل عذر فما أفلح في صرفهم عن طلبهم .
فكًر صاحبنا في الأمر ثم اهتدى إلى حيلة تحفظ
ماء وجهه وتنقذه من هذه الورطة و لقَن أباه جملة تنم عن علم وسعة اطلاع يرددها
كلما واجهه الناس بسؤال و اضطر إلى الإجابة: في المسألة قولان قول نسيته وقول
تجدونه في المطولات .
جاء الزائرون بلهفة وتحلقوا حول القصاص وأبيه
في جوٍ من الهيبة والإحترام ، و أتقن الأب دوره وردد عبارته الفصيحة عدداً من
المرات بوقارٍ وتثاقل. أحسً أحد
الحاضرين بالأمر وأراد أن يكشف السر فسأل الأب المسكين: يا سيدنا أفي الله شك ؟
فبدأ يردد العبارة كعادته : في
المسألة قولان...! فاستدارت أعين الحاضرين عجباً ودهشوا لما سمعوا ، فانبرى القصاص
البارع ليتدارك الموقف قائلاً : "نعم هذا صحيح يقصد والدي من ناحية
الإعراب" .
ما أكثر الذين يمضون حياتهم في التبرير ،
يحافظون على رصيد من خيال ويدافعون عن أمجاد من أوهام ، ولا يملكون الجرأة لمواجهة
الواقع بصدق، فيهربون إلى الأمام بالمزاودة واللهاث وراء السراب .
قد يملكون رصيداً هائلاً من ذكريات طيبة
وعواطف نبيلة واُمنيات كبيرة ، ولا ضير في أن يعتزوا بها ويفتخروا بالإنتماء إليها ، ولكن هذا الرصيد الجميل إذا
تضخم ليدعي أنه البديل لكل فقرنا وقصورنا وتخلفنا عن امتلاك أسباب الفهم وإتقان
آليات التأثير عاد هذا الرصيد أغلالاً وعبئاً وبكاءً على أطلال الحبيب.
ما أجمل أن يكون رصيد الذكريات والعواطف و
الأمنيات باعثاً على استشعار المسؤولية وزاداً ومعيناً لاقتحام الصعوبات ومعالجة
الأزمات . وما أجمل الصدق في رسم
الخط الفاصل بين الماضي بكل ما فيه من
إدراك للهويه وتحديد للتوجه ومعرفة للذات ، وبين الحاضر الذي يفرض علينا
مسؤولية معرفة الواقع والإمكانات والظروف والملابسات .
فإذا عجزنا عن واجب الوقت الذي يفرضه الحاضر
وآثرنا العيش مع رصيد الأحلام ، فلنردد مع جوقة التبرير والتزوير كلما طالعتنا
الأيام بما لا نجد له مساغاً . . . . . (يقصد والدي من ناحية الإعراب) .