عالمية الرسالة وخطاب القرآن

رياض أدهمي

 

تمثل قضية عالمية الرسالة معياراً منهجياً يساعدنا على وضع الأمور في نصابها عند مراجعة التراث ومحاولة الإستفادة منه في تحرير قضايا العقيدة و التشريع .  وقد عالجنا في عدد سابق من " الرشاد " قضية اللغة من أفق عالمية الرسالة وأشرنا إلى ضرورة تخليص لغة عرض  العقيدة وبيانها من العبء التاريخي لواقع المسلمين و المعارك الكلامية والخلافيات والجدل عبر العصور . وفي هذا المقال نحاول أن نطلّ مرة أخرى من أفق عالمية الرسالة لنرى بعض قضايا الخطاب القرآني من منظور جديد.

لقد تحدث العلماء و المفسرون و أطالوا في قضية إعجاز القرآن وذكر أكثرهم أن الإعجاز قد وقع - حصراً - بلغة القرآن وبيانه ونظمه وبلاغته ، وما زال العلماء والمفسرون لكتاب الله تعالى ينهلون من معين القرآن و بلاغته و روائع نظمه ويأتون في كل عصر بالعجيب من دقائق وعلو البيان وشرف المعاني ما يقصر عمر الإنسان عن الإحاطة به لسعته وكثرته . وكلما اطلع المرء على ما سطرته قرائح العلماء في هذا الباب ازداد حباً للقرآن الكريم وشغفاً بقراءته وشعوراً بالمنّة العظيمة والنعمة الكبيرة بمعرفة لغة القرآن .

ولكن التأمل في ما كتبه العلماء في هذه القضية و عند عرضه على معيار عالمية الرسالة يشير إلى أن هناك بعض الذهول عن أفق هذا المعيار يحتاج إلى التحرير و التنبيه لنخرج من مبالغات الإستغراق في خصوصيات عصر الرسالة و نزول الوحي و للعودة بالقضية إلى إطارها المطلق الذي رسمه القرآن الكريم .

لقد كان اختيار المكان والزمان لتنـزل الرسالة الخاتمة حكمةً إلهيةً باهرة ظهرت آثارها في طبيعة الإستجابة وعمقها وسرعتها وانتشارها وثباتها واستمرارها . وما كان ذلك ليحدث لولا أن طبيعة القوم الذين اختارهم الله سبحانه لحمل الرسالة وطبيعة لغتهم وظروفهم التاريخية لحظة تنزل الوحي تؤدي وفق سنن الله و قدره الغالب إلى مثل تلك النتيجة " الله أعلم حيث يجعل رسالته "

وقد تحدى القرآن الكريم العرب الذين عاصروا نزول الوحي أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بعشر سور مثله أو بسورة من مثله فحاولوا وعجزوا .  ولقد وصف العلماء حالة العرب ودهشتهم والروعة التي أخذتهم لما سمعوا القرآن وأجادوا في وصف ذلك بما لا يحتمل مزيد بيان .  وبين العلماء كذلك أن قليل القرآن وكثيره سواء في إثبات مخالفة بيان القرآن لما عهدته العرب في بيانها وتصاريف استعمالها للألفاظ والمباني وإقامة الحجة عليهم بالقرآن ومطالبتهم من أجل ذلك بالإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي هذا السياق بين العلماء أنه لا معنى لتحدي العاجز وأن التحدي يعني بداهة أن العرب الذين عاصروا نزول الوحي قد وصلوا في البيان والتفنن في ضروب المعاني والبلاغة إلى أعلى درجات الإمكان ومع ذلك فقد عجزوا وبهروا واستسلموا للتحدي غير قادرين على رده وكان شأوهم في هذا قول العاجز المستكبر : " قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ".      ومن هنا يقرر الإمام الجرجاني في " دلائل الإعجاز " أن الجهة التي قامت منها الحجة بالقرآن وبانت وبهرت هي أن كان على حد من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر ، وكان محالاً أن يعرف كونه كذلك إلا من عرف الشعر الذي هو ديوان العرب و عنوان الأدب ، ثم بحث عن العلل التي بها كان التباين في الفضل .

وقد كتب الأستاذ محمود محمد شاكر فصلاً قيماً ممتعاً في إعجاز القرآن وجعله تقديماً لكتاب الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي رحمه الله .  وفي هذا الفصل يقرر الأستاذ شاكر أن الشعر الجاهلي هو أساس مشكلة إعجاز القرآن فهو الشاهد والدليل على مكانة العرب في البيان ومن ثم فهو يدعونا كما دعا الإمام الجرجاني من قبل  إلى التعمق والمعايشة للشعر الجاهلي حتى نتلمس القدرة البيانية التي يمتاز بها أهل الجاهلية عمن جاء بعدهم و مستنبطين من ضروب البيان التي أطاقتها لغتهم و ألسنتهم ، فإذا تم ذلك فمن الممكن القريب يومئذ أن نتلمس في القرآن الذي أعجزهم خصائص هذا البيان المفارق لبيان البشر.

وهنا لابد أن نذكر أن المطابقة التامة بين التحدي القرآني وما اصطلح عليه علماء البلاغة باسم "إعجاز القرآن" بدلالته ومحتواه اللغوي البياني البلاغي حصراً ، هي مطابقة غير مسلّمة وهذا هو ما أريد أن أسجل فيه بعض الملاحظات و التي آمل من خلالها أن يفتح هذا الملف المهم و تعود القضية إلى أصلها القرآني بأفقها الواسع الممتد فيما وراء خصوصيات عصر الرسالة .

فإذا كان التحدي الذي أعلنه القرآن مستمر وقائم إلى قيام الساعة ، وأن هذا التحدي هو للبشر جميعاً في كل عصورهم و على اختلاف ألسنتهم و ألوانهم ، فأي معنى لهذا التحدي إذا كان الناس فيما وراء عصر النبوة غير قادرين على فهم و تذوق و معرفة لغة العرب، ومن ثم فهم غير قادرين على معرفة خصائص بيان القرآن وبلاغته والذي أصبح به القرآن معجزاً (حصراً ) حسب قول علماء البلاغة ؟ وأي معنى لتحدي الإنس و الجن أن يأتوا ببيان لا يعرفه و لا يفهمه عشر معشارهم ممن خلق الله من وراء أمة العرب ؟

لقد تحدى القرآن العرب ومن ورائهم الجن و الإنس أن يأتوا بمثل القرآن أو بسورة من مثله ، وجاءت الآيات التي ذكر فيها التحدي في سياق خطاب القرآن للناس كافة أو بصيغة العموم التي لا تفيد الحصر بأمة العرب خاصة . ففي سورة البقرة جاء قوله تعالى "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين" في سياق خطاب القرآن للناس كافة "يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم و الذين من قبلكم لعلكم تتقون" .  وقول الله تعالى في سورة يونس " أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين "  جاء في سياق قوله تعالى "وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله" . ومعلوم أن الدعوى بافتراء القرآن لم يتفرد بها مشركو العرب ، بل هي دعوى اليهود و النصارى وغيرهم من أمم الأرض عبر العصور .  وقول الله تعالى في سورة هود "أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين" جاء في سياق خطاب القرآن للإنسان اليؤوس الكفور والذي يشمل بالطبع من خاطبهم القرآن أول مرة ، و لكن صيغة العموم لا تنفي أن يكون المقصود بالتحدي كل من سولت له نفسه من المعاندين و المكابرين أن يدّعي افتراء القرآن و يتهم الرسول في صدق معجزته من ربه .  وآية سورة الإسراء " قل لئن اجتمعت الإنس و الجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً " هو خبر في معنى التحدي للإنس و الجن جميعاً متظاهرين . 

و الأمر الآخر الذي نلاحظه في آيات التحدي بالإضافة إلى عموم الخطاب هو أن الله سبحانه و تعالى تحدى المرتابين و المكذبين أن يأتوا بمثل القرآن أو بسورة من مثله و ترك هذه ( المثلية ) دون تحديد ليكون موضوعها ومجالها هو ما يختاره المرتابون وما يحددونه هم من مجالات يظنون أنهم يمتلكون فيها الخبرة و التفوق ومن أجل ذلك يستطيعون حشد الشهداء و الأعوان الأكفاء .

فعندما واجه القرآن العرب بهذا التحدي أول مرة لم يكن لهم مما يدلّون به و يعتقدون لأنفسهم فيه المكانة و الإبداع و التمكن إلا بيانهم و لغتهم و فصاحتهم و بلاغتهم ، فأعجزهم القرآن و بهرهم في شيء اعتقدوا  أنهم يمتلكون ناصيته . و من هنا فإن كل ما سطره العلماء في شرح و تفصيل بلاغة القرآن وروعة بيانه و مفارقته لبيان البشر و ما كان من شأن العرب لما سمعته أول مرة ، أمر مسلّم ينبغي ألا يكون موضع خلاف . و لكن المهم هنا أن حصر  المثلية التي وقع بها التحدي القرآني بالبيان و البلاغة هو حصر لا أرى عليه دليلاً و لا أراه إلا استغراقاً في خصوصية  ظروف عصر الرسالة حمل عليه الذهول عن أفق عالمية الرسالة.

لقد اختار الله سبحانه و تعالى العرب لحمل رسالته الخاتمة ، فواجههم بالقرآن و تحداهم به فبهروا وانقطعوا و استسلموا ، و لم تمض سنوات حتى أتم الله نعمته و أكمل دينه و دخل الناس في دين الله أفواجاً و تأسست قاعدة الدين في جزيرة العرب الذين انساحوا في الآفاق يحملون الهدى و يعلّمونه للناس . لقد كان إعجاز القرآن للعرب و خضوعهم له حقيقةً تاريخيةً ساطعة أبرزت لنا طرفاً من حكمة الله سبحانه في ما اختار لإرساء قاعدة رسالته الخاتمه فالذين يمارون في هذه الحقيقة لا يحملهم على الإنكار و الجدال إلا الجحود و الضيق بما تمّ من نعمة الله ، و لا أجد لهم جواباً إلا قوله تعالى "قل موتوا بغيظكم". أما أن يهولنا ما يقوله المفترون عن الشعر الجاهلي و نظن أن قضية الإعجاز هي في خطر ! !  فلا أحسب أن هذا من الحكمة في شيء فالحقيقة التاريخية التي مكنت للإسلام من الظهور و الاستقرار والانتشار هي أكبر من أن ينكرها أو يشكك بها عاقل . و سيبقى التحدي بالقرآن قائماً ولو قصر تذوق الناس لبلاغته وبيانه أو جهلوا وجه إعجازه اللغوي وسحر بيانه في عصر من العصور أو ثقافة أخرى غير الثقافة العربية فالتحدي مطلق شامل عام لا يختص بالعرب ولغتهم ثقافتهم .  ومع ذلك سيظل التمكن من لغة العرب ومعرفة بيانها وتصاريف استعمالها للمعاني شرطاً أساسياً لفهم القرآن و شرحه ومعرفة مراد الله منه .

و من جهة اُخرى فقد توجه كثير من الباحثين على مر العصور إلى القرآن يمحصون فيه كل ما يخطر في بالهم من قضايا في إطار اختصاصهم و ما تمرسوا فيه و أتقنوه، فما رجعوا إلا مستسلمين مذعنين.  ومن هنا ذكر كثير من العلماء أبواباً من الإعجاز للقرآن الكريم لا تنحصر في قضايا اللغة و البيان، فذكروا الإعجاز العلمي و الإعجاز الأخلاقي و الإعجاز النفسي و الإعجاز التشريعي و الإعجاز التاريخي. وفي كل هذه الأنواع من الإعجاز ذكر العلماء و أطالوا فيما يثبت أن نمط القرآن وطريقة عرضه وتناوله لهذه الأمور مختلف ومفارق لما عهده البشر في محاولاتهم للتدوين والتأليف في هذه الموضوعات والأبواب من المعرفة، و هذه هي عين القضية التي تناولها علماء البيان ليثبتوا مفارقة بيان القرآن لبيان البشر.

وقد فتح الله على المسلمين في هذا العصر من أبواب الفهم لعجائب القرآن و أسراره و مواطن التدبر فيه بما لم يخطر للأقدمين على بال مما لم يكن عندهم من الأدوات و الوسائل لمعرفته و البحث فيه . ومن الجدير بالذكر أن هؤلاء العلماء لا يبحثون في قضايا لغوية أو بيانية و إنما يدورون في فلك آخر يعتمد المعاني و القضايا و التوجهات ويصل الجميع إلى النتيجة الوحيدة والتي تنطق بها كل الشهادات وهي أن تحدي القرآن قائم وأن قدرة البشر  على الإستجابة ومقابلة التحدي بكل مجالاته أمر خارج عن الإمكان.