أحمد الطيب
يندر
أن يفكر الإنسان في مجالٍ يؤثر في أطفال هذا العصر – وربما في بالغيه أيضاً - بنفس
القوة التي تؤثر بها الصور الحيّة التي يشاهدها الطفل على شاشة التلفاز أو السينما
. ذلك أن قوة الرسائل التي يلتقطها الطفل أمام الشاشة تنبع من اشتراك حاسّتي البصر
والسمع في تلقّي تلك الرسائل ، على عكس كثيرٍ من المجالات الأُخرى التي يغلب أن
يقتصر فيها تلقّي الرسائل على إحدى الحاسّتين دون الثانية .
كانت
هذه الأفكار تدور في الذهن ونحن في طريقنا لحضور العرض الافتتاحي للفيلم الكرتوني
"سلام والملكة الذهبية"* ، والذي
قامت بإنتاجه شركةٌ يقوم عليها بعض المسلمين ممن عملوا في هذا المشروع انطلاقاً من
أهدافَ تتجاوز تحقيق الربح المحض في الولايات المتحدة.
وفي
القاعة المخصصة اجتمع حشدٌ من المسلمين بينهم عددٌ كبيرٌ من الأولاد والبنات
لمشاهدة هذا المنتج "الإسلامي" الجديد في يوم عيد الأضحى المبارك . ولم
تمض دقائق إلا والأنوار تُطفأ ، لتظهر على الشاشة المشاهد الأولى من الفيلم ،
وتكاد تسمع معها قلوب الآباء والأمهات تدقُّ بعنفٍ وسرعة متوجسةً من نوعية الفيلم
وجاذبيته وحُسن إخراجه ، وفي القلوب تساؤلٌ واحد : هل سيخرج الأولاد من القاعة
متذمرين قائلين أن هذا الفيلم سمجٌ وشاحبٌ وأنكم يا أيها الأهل أفسدتم علينا بهجة
عيدنا بهذه التجربة الفاشلة ، أم تراهم سيخرجون فرحين وقد علت البسمة الشفاه
والوجوه؟
والحقيقة
أن الفيلم من بدايته لم يخيّب آمال الصغار والكبار ، فقد كان منذ بدايته شيّقاً
يشدُّ المشاهد الصغير والكبير على حد سواء ، ابتداءً من رسومه الشيّقة المُتقنة ،
مروراً بالموسيقى التصويرية اللطيفة والحوار الرصين البعيد عن الجفاف ، وانتهاءً
بحبكة القصّة التي تتصف بالخبرة والاحتراف . ليخرج الأولاد من صالة العرض مبتهجين
ويخرج الأهل مسرورين ليس فقط بسبب جودة الفيلم ، وإنما أيضاً لعودة الثقة بأن
الجهد المسلم يمكن أن يقدّم إنتاجاً فنياً على هذا المستوى الراقي على جميع
المستويات .
وبعد
انتهاء الفيلم قام بعض الحضور بتقييم الفيلم ، وذكرت عبارةٌ فحواها بأن ما رأيتموه
هو "النسخة غير الإسلامية"
من هذا الفيلم ! لتصبح هذه العبارة
لغزاً بدأ البعض يحاول حلّه من خلال الحوار. فقد كان الفيلم مليئاً بالمعاني
الإسلامية ، وكان محور القصة يدور حول مجموعةٍ من الأولاد الذين يقعون في ورطةٍ
تتأبّى على الحل الفردي ، الأمر الذي يدعوهم للعمل المشترك تحت شعار التعاون
والتنسيق وصولاً إلى تحقيق الهدف الواحد . وقد جاء تسلسل الأحداث في إطارٍ مليءٍ
بالملاحظات التربوية البنّاءة وفي سياقٍ أخلاقيٍ رفيع المستوى ، لم يتمكن الحضور
معه من حلّ لغز عدم "إسلامية" النسخة . وأخيراً تطوّع الأخ صاحب العبارة
للتوضيح شارحاً أن الفيلم لا يستفتح باسم الله وليس فيه لفظة "السلام
عليكم" و "إن شاء الله" .. وما إلى ذلك من الأمور .
والحقيقة
أن هذه النظرة تحتاج إلى شيءٍ من البحث والتدقيق . فمما لا شكّ فيه أن أي مسلم
عاقل سيشعر بالسرور حين يسمع عبارات الآداب الإسلامية تلك في أي فيلم ، إلا أن هذا
لا يعني أن يكون وجود مثل تلك العبارات محور تقويمنا لمثل هذه الأعمال ، أو على
الأقل أن لا تكون المحور الوحيد لمدى "إسلاميتها" ، وذلك لسببين : الأول
، أن مثل هذه العبارات يمكن أن تُستخدم بسهولة لتكون غطاءً لتدني المستوى
التقني للعمل ، ويجري تبرير سطحية الفيلم وسذاجته وأخطائه بدعوى احتوائه
على تلك العبارات. وهذا ما يحدث أحياناً للأسف ، بسبب استغلال البعض للعقلية
الشائعة في بعض مجتمعاتنا الإسلامية ، وهي العقلية التي تؤكد بشدّة على المظاهر
الإسلامية الخارجية ، وتجعل هذه المظاهر محور الحياة ومحور التعامل مع الأشخاص
والمواقف والأحداث . بينما تطرح المنهجية في الفهم أن أهم ما في القصة والأدب
والفن إنما هو المعاني والقيم التي تحتوي عليها وتدعو إليها ، وبالتالي أثر
تلك المعاني والقيم التي تتولد في النفوس بعد رؤية أو سماع أو قراءة الأعمال
الفنية والأدبية .
وكم
يكون الفرق واضحاً بين هاتين الطريقتين في التفكير والتقويم والتحليل عندما نقارن
هذا الفيلم على سبيل المثال بمسلسل كرتون تجاريٍ شائعٍ في بلاد المسلمين ، لم يعمل
أصحابه سوى على إضافة أمثال تلك العبارات الإسلامية إلى حواره ، بينما العمل مليءٌ
بمعاني الشر والانتقام والأساطير والخرافات وبشكلٍ يتجاوز الحدود . وما زلت أذكر
أسئلة أبنائي يوم كانوا صغاراً يشاهدون ذلك المسلسل عن بطله الذي وضعوا على رأسه
عمامةً تشبه عمامة العلماء .. عن كثيرٍ من المشاهد والأحداث التي تخالف ما نشأوا
عليه . وذلك بحكم الارتباط بين العربية والإسلام والذي تشكّل في أذهانهم بحكم
الحياة في بلاد الغرب ، وبحكم ورود كلمات مثل "إن شاء الله" في ذلك
المسلسل ، الأمر الذي أكّد الانطباع لديهم بأنه "إسلامي" ، بينما كان
فيه الكثير من المعاني غير الإسلامية على الإطلاق ، وهو ما استدعى كثيراً من
الحوار والتوضيح .
والعجيب
أن يعيش البعض في هذا العصر الذي يُفترض أن يكون الوعي الإسلامي فيه قد انتشر في
أصقاع الأرض ، ثم تنطلي عليه مثل هذه الأحابيل والخدع ، لينطلق من عقلية
التركيز على الظواهر ويحكم بأن هذا المسلسل "إسلامي" وأن ذلك الفيلم
القيم هو فيلمٌ "غير إسلامي" .
أما
السبب الثاني الذي يدعو – ربما – إلى عدم المبالغة في إيراد العبارات
التعليمية المباشرة الصريحة فيكمن في أن السرّ الأكبر في التأثير الأدبي والفني في
النفوس والعقول هو في أنه تأثيرٌ غير مباشر. ومعروفٌ في معظم مدارس وحقول الأدب
والفن أن النفس البشرية تتأثر بالمعاني المضمرة الخفية المبثوثة بإتقان واحتراف
في الأعمال الأدبية والفنية ، أكثر بكثير من تأثرها برسائل الوعظ المباشر الواضح
الموجودة في تلك الأعمال .
إضافةً
إلى هذا فإن الحقيقة الخطيرة التي يجب أن لا نغفل عنها تتمثل في أن هذه النسخة
"غير الإسلامية" ربما تكون وسيلةً رائعةً للخطاب العالمي الذي لا يعرف
الحدود ، وأنها ربما تكون الأصلح لخطاب الناس كافة . وإن المرء ليتساءل إن كان
يضيرنا أو يضير الإسلام في شيء أن يشاهد أطفال العالم أفلاماً أخلاقيةً مليئةً
بالمعاني الإسلامية؟ خاصةً وأننا نعلم ، إذا أردنا أن نكون واقعيين ، أن وجود
اللافتة الإسلامية الواضحة ربما يكون عاملاً في الصّدّ عن مشاهدة الفيلم ابتداءً
عند الكثيرين ممن لم يسمعوا عن الإسلام غير الشبهات . ولقد آن لنا أن ندرك أن واجب
المسلمين اليوم هو التصدي لخطاب الناس كافة بعموميات الإسلام وأهدافه الكبرى قبل
الحديث في تفاصيل شرائعه وقوانينه ، ذلك أن دخول الناس أفواجاً يتم بالتدريج الذي
يوفره المدخل الأول ولا يوفّرهُ المدخل الثاني ، ولا سيما إذا اختزُلت شرائع
الإسلام إلى العقوبات والاحترازات والمحظورات كما يحصل كثيراً للأسف ، بدلاً من
التأكيد على روح الشرائع ومقاصدها التي تحرس قيم العدل والسلام والمساواة والحرية
..
تبقى
نقطةٌ في "لا إسلامية" هذا الفيلم ، ربما يؤكد عليها بعض من يرى الحرمة
الشاملة للموسيقى ، وذلك بسبب وجود الموسيقى التصويرية المصاحبة كما ذكرنا سابقاً
. وحيث أن هذا ليس مجال الحوار والبحث المفصل في هذه المسألة ، فإن كل صاحب اهتمام
مدعوٌ للبحث في هذه المسألة ، خاصةً وأن ذلك التحريم الشامل أصبح قيد البحث والتحقيق
من قبل علماء أفاضل كثيرين في الأمة، يجب أن تتم دراسة ومراجعة ما ذكروه في هذا
الباب من ابن حزم في الماضي إلى الغزالي والقرضاوي في هذا العصر الحديث.
وختاماً
، فإن المرء لا يستطيع إلا أن يشيد بهذا الجهد الإسلامي المتميز، والذي يحاول استعمال
لغة العصر وأدواته في ممارسة عملية البلاغ المبين المتعينة على المسلمين . على
أملٍ بأن يزداد اهتمام المستثمرين وأصحاب الأموال من أبناء الأمة بمثل هذه
المشاريع المبدعة ، وبأن يكون الأثر الذي سيتركه هذا الفيلم دافعاً لمزيدٍ من
الإبداع الأدبي عند أدباء المسلمين ، ولمزيدٍ من الإبداع الفني عند مخرجي الفيلم
ممن كان دورهم في غاية التميز ، وعند بقية أبناء أمتنا ليدركوا أهمية هذه المجالات
ويعطوها ما تستحق من الاهتمام والجهد والوقت . سائلينه تعالى أن يبارك بالـ
"النسخة الإسلامية" التي قد تصدر لهذا الفيلم .. وبالنسخة العالمية التي
تصلح لخطاب النوع الإنساني في كل مكان .