إلى أن نلتقي

ابن المقفع

 

﴿وإذ أوحى ربّك إلى النحل أن اتّخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ثم اسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس﴾. سمع ابن المقفع  رجلاً يفسر القرآن ويشرح هذه الآية ويقول : النحل هم بنو هاشم فهم الذين أُعطوا من العلم والفضل ما لم يعط سواهم ، وهم الذين يخرج منهم العلم و الحكمة.

فأجابه ابن المقفع بقوله :  يا هذا جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم.

لايصعب  على المتتبع للتراث و ما فيه من غثٍ و سمين أن يعثر على نماذج من التفسير الإشاري و التفسير الوجداني للآيات والأحاديث والتي تخرج عن قوانين المعاني و ما يعرفه المتكلمون بالعربية من أُصول لاشتقاق المعاني وتحديد المراد من الكلام . وقد بين العلماء أن القول بهذه المعاني قد يصل بالمرء إلى الكفر إن ظنّ أن هذه المعاني الخارجة عن قوانين اللغة  هي تفسير للقرآن لأنّ ذلك يبطل الشريعة من أصلها .  وقد لا يكون الأمر على مثل هذه الخطورة إن كان الأمر من باب " الشيء بالشيء يذكر " وأن هذه الأذواق والمواجيد يجدها القارئ في نفسه عند المرور بمعاني القرآن فينقلها من باب الأستطراد والتعقيب لا من باب التفسير و تقرير المعنى .

وعلى كل حال فالموضوع مشكل ويتعلق بما ابتليت به الأمة في تاريخها من فتنة الباطنية التي حرّفت الكلم عن مواضعه .  ويتمنى المرء أن ُيلهَم الحكمة والصواب من لا يزال يرى في هذه  الطريقة ما يغري بصرف الوقت ،  ولكن على  غير طريقة ابن المقفع .

هناك صنف من الناس لا يتجاوزون قوانين المعاني عند النظر إلى النصوص ، ولكن مصيبتهم أنهم يتجاوزون المنطق كلّه و العقل كله عند  نظرهم إلى الواقع و أحوال الدنيا .

تتغير الدنيا و يتغير الواقع و تتبدل الأعراف و الأحوال ومع ذلك  يظن بعض الناس أن هناك صورة واحدة لتطبيق الأحكام  لاتتبدل ولا تتغير عما كانت عليه الأمور في عهد النبوة .

تتناقل كثير من كتب الفقه أن لا زكاة في الخضار والفواكه لأنهم وجدوا آثاراً تدل على هذا المعنى، فحسبوا أن الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية والتي أملت هذا الفهم لا تأثير لها  ، وأن تغير وسائل النقل والإنتاج والتخزين لا علاقة له في تقدير الثروة وتقرير الغنى الذي تجب معه الزكاة.

سمعت مرة حواراً و مناقشة عن إثبات هلال رمضان ، وكان بعض الإخوة يسأل في عجب : لقد كانت رؤية الهلال هي الطريقة للإثبات في عهد النبوة فماذا حدث حتى نطلب التغيير ؟ و عندما سمع الأخ السائل أن تقدم وسائل الإتصال قد غير الحال ، فالرؤية كانت تؤمن الوحدة في المدينة الواحدة ولا يضيرهم أن مدينة مجاورة وصلت إلى قرار آخر لأنهم لا يعلمون بهم على أية حال.  أما الآن فقد أصبح العالم كله قرية صغيرة و لا يمكن كتمان انتشار الخبر من منطقة إلى أُخرى فكيف نصل إلى الوحدة مع هذا التغيير ؟  هزّ الأخ كتفه في تثاقل و كأن هذا الأمر لا يعني شيئاً  وكأنّ التفكير في مدى تأثير الواقع وما تغير فيه على النظر إلى النصوص وكيفية تنـزيلها لا يخصه ولا يعنيه.  

وكم يخوض الناس في أحاديث السياسة و مشكلات المجتمع وهناك تجد من الجهل بمعاني ما يجري على  أرض الواقع و دلالته على مواطن الضعف أو القوة، وتجد غياب المعرفة بعناصر المشكلات و المتغيرات فيها ،  و ترى من المنطق المصادم للواقع والفطرة  بتأثير هوىً أو مصلحة أو بتأثير انتماء حزبي أو اقـليمي أو طائفي ما تتمنى معه أن يستجاب دعاء ابن المـقـفع لصاحبه في جميع هؤلاء علهم يرجعون إلى صوابهم في معرفة الواقع و فهم ما يجري فيه.