كلمة التحرير
ما من أمرٍ أكثر روعةً في هذه
الحياة من مجاورة أهل العلم والوعي والبصيرة ، وعلى وجه التحديد منهم السابقين في مسيرة
الفكر المستنير المتوازن الذي يحمل لواء الوسطية الإسلامية .. لأن مثل هذا الجوار
لا يمكن أن يكون إلا مصدر خيرٍ متجددٍ ينهل المرء من ينابيعه العذبة يوماً بعد يوم
.
وفي جلسةٍ من هذا النوع مع
الأستاذ الدكتور فتحي عثمان ذكر حفظه الله عبارةً للخليفة المأمون وردت في كتاب
"عيون الأخبار" لابن قتيبة يقول فيها : "ولو شاء الله أن ينزل
كتبهُ لا تحتاج لتفسيرٍ لَفعَل ، ولكننا لا نرى شيئاً من الدين والدنيا دُفِعَ لنا
على الكفاية . ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة وذهبت المسابقة والمنافسة
ولم يكن تفاضلٌ ، وليس على هذا بنى الله عز وجل الدنيا"..
يقرأ المرء هذه العبارة ولا
يملك إلا أن يفكر في حال فريقين متقابلين من "مسلمي" هذا الزمان : فريقٌ
يصرُّ على أن يعيش في التاريخ ، أو في أحسن الأحوال في بطون كتبه ، وهو يُشهرُ على
كل من يدعو إلى الاجتهاد والتجديد سيفاً مصنوعاً من حديد التقليد ومصقولاً من معدن
الآبائية ، كُتِبَ عليه بالخط العريض (عندنا كل شيء ولا نحتاج شيئاً) لأن (الأوائل
لم يتركوا شيئاً للأواخر) .. وفريقٌ آخر يصرُّ علينا بدعوته للانسلاخ من الهوية
والتاريخ والخصوصيات الثقافية لأنها نتاج وبضاعة (الأوائل) التي - إن كان فيها
شيءٌ أصلاً – فإنه لا يناسب سوى زمانهم ومكانهم و واقعهم المعين ..
والواضح أن أهل الفريقين لم
يقرءوا ما كتبه أولئك (الأوائل)، وأنهم بالتأكيد لم يقرءوا كلام المأمون في حالٍ
من الأحوال .. والواضح أكثر – بعد ذلك – أن هذه الأمة تغرق في موجات من التشرذم
والخلاف والفرقة والتخلف والتبعية موجةً تترى في إثر موجة ، عطفاً على منهجٍ في
التفكير السطحي الساذج ، الذي ينبني على قراءةٍ مُختزلةٍ يمارسها الفريقان لكل
مقومات وجودنا الحضاري والثقافي بدءاً من النص ، مروراً بالتاريخ والتراث ،
وانتهاءً بالواقع الاجتماعي والفكري والسياسي المعاصر .
والغرابة كل الغرابة تتمثل في
أن أولئك الذين يريدون منا أن نعيش في التاريخ من جهة ، وإخوانهم الذين يريدون منا
أن نبيع ذلك التاريخ بأسره من جهةٍ ثانية ، يعلنون ليل نهار أن التراث الكامن في
أحشاء التاريخ هو المصدر الأول وراء دعاواهم ودعواتهم الملحَّة والمتكررة. وهم
يحلفون الأيمان المُغلّظة بأن دراستهم وتحليلهم لذلك التراث ، وبأن معرفتهم
الشاملة وفهمهم الكامل له ، هما منبع قضيتهم العتيدة . في مفارقةٍ كارثيةٍ عجيبة
ما برحت نتائجها السلبية تنصبُّ على هذه الأمة وأهلها كأنما هي لعنةٌ أبدية أو
قدرٌ من الأقدار .
هذا على الصعيد النظري ، أما
المفارقة المأساوية على الصعيد العملي فإنها تتمثل في أن أهل الفريقين على أتمّ
الاستعداد ليكون ذبحُ حاضر الأمة وإعدامُ مستقبلها ثمناً بخساً لهذه القضية
الخاسرة بجميع المقاييس منذ اللحظة الأولى . بل إن كثيراً من الممارسات التي
يشهدها واقعنا المعاصر لتعطي أوضح الدلالات على حجم (الهَوَس) الذي أصاب الفريقين
، والذي ما انفكّ يتصاعد ويضطّرد تطرفاً وعناداً وتصلّباً وإصراراً على المواقف
والآراء مهما كانت صارخةً في مخالفتها لأبسط مقتضيات منطق الشريعة ومبادئها ، ولمقتضيات
منطق العقل ومحدّداته ، ولمقتضيات منطق العلم ومنهجه ، بل ومهما كانت النتائج
العملية لذلك الهوس ، فُرقةً وتضارباً ودماءً ودماراً للعباد والبلاد .. وبالتالي
مزيداً من الانكسار السياسي والاقتصادي ومن التبعية والاستعباد في زمن (العولمة)
الذي تحطّمت فيه الحدود والحواجز واستعرَتْ فيه نارُ المنافسة الحضارية الشاملة ..
والمفارقة أن التفكير في هذه
الظاهرة ومحاولة تحليلها من مدخل الحكم على ( نيّات ) أهل هذا الفريق أو ذاك
أمرٌ غير ذي جدوى ولا يقود إلا إلى فراغ.
فالمُتأمِّلُ المتابعُ الخبيرُ في وقائع حياتنا
الراهنة عامةً ، وفيما يصدر عن أهل الفريقين من مواقف وأفعال على وجه التخصيص ، لا
يملك إلا أن يستخلص بوضوحٍ مما يراه من شدّة الحماسة وحجم الجهد والمتابعة وحرارة
التعبير ، إلا أن الفريقين (مخلصان) أشدّ الإخلاص ، كلٌ فيما يراه (القضية) التي
ستكون مفرق الطريق في اتجاه (الحلم المشترك) .. خروج الأمة من وهاد التخلف والذل
والهوان ، وشيوع قيم العدل والخير والحرية ..
تلك هي المفارقة .. وأي
مفارقةٍ (تراجيديةٍ) تلك التي يتم فيها قتل حاضر أمة .. و يجري فيها وأدُ مستقبلها
.. على مذبح (الإخلاص) .. وعلى مذبح النيات الطيبة ..
وأمام هذا المشهد (السوريالي)
المتناقض العجيب ، يقف الإنسان مشدوهاً حائراً متسائلاً عن الحل . فلا يرى غير بصيص
أملٍ في وقفةٍ فكريةٍ ثقافيةٍ شجاعة ينبري لها أرباب الثقافة المتوازنة
الحقيقية. وقفةٍ للمراجعات الكبرى
تنبني على إعادة قراءة مقومات وجودنا الحضاري والثقافي بدءاً من النص ، مروراً
بالتاريخ والتراث ، وانتهاءً بالواقع الاجتماعي والفكري والسياسي المعاصر .
ولكن مثل تلك الوقفة يجب أن
تكون هذه المرّة وقفةً متأنيةً منهجيةً متعمّقةً تتجاوز كل القراءات الاختزالية
السريعة السطحية التي غلبت على حياتنا الثقافية في العقود الأخيرة ، فلم ينتج عنها
سوى تمزيق عقل الأمة ووجدانها في ثنائيات لا يوجد بينها التقاء من النص والعقل إلى
العلم والدين إلى الأصالة والمعاصرة إلى التميز والانفتاح .. وغير ذلك من
الثنائيات المعروفة والمشهورة .
وبوقفةٍ كهذه ، ربما تبدأ
الأمور في العودة إلى نصابها الصحيح ، وأول خطوةٍ في هذا السبيل أن يعود
المثقفون الحقيقيون لممارسة دور القيادة للجماهير ، بعد أن فقد الجميع الأمل أو
كادوا ، فيمن كان يُعتقد أنه يجب أن يقود ..
وبوقفةٍ كهذه ، يعود الفكر
الواعي ، ويعود العلم المنهجي ، وتعود الثقافة الحقيقية ، لتكون جميعها (إمام
العمل) ومحرّك الواقع والحياة . وتعود (اقرأ) لتكون المفصل الجوهري الذي أُريدَ
لها أن تكون.. ليس فقط في حياة العرب والمسلمين ، وإنما في حياة وحاضر ومستقبل
النوع الإنساني على امتداد مساحة الزمان والمكان .
*
*
*
وعودةً إلى مواد هذا العدد ،
نستضيف في مقالته الأولى المفكر المغربي الدكتور "المقرىء أبو زيد
الإدريسي" ليعرض لنا الحلقة الأولى من موضوعه الهام "منهجية
التفكير كما يعرضها القرآن الكريم" ، مركّزاً فيه على المقاصد من وراء
ربط الحالة الإيمانية بالحالة الفكرية ، ليس فقط في كثيرٍ من آيات القرآن العظيم ،
وإنما أيضاً في المنهج النبوي الذي يُعتبر مصداقاً وتفسيراً عملياً لآيات القرآن .
لافتاً بهذا النظر إلى الخطأ المنهجي والشرعي الذي ترتب على الاستجابة لدعوة من
يريدون إلغاء العقل وتحقير دوره وتعطيل استثماره بدعوى الحفاظ على الدين ،
ومبيناً الإشكاليات العملية الكبرى التي ترتبت على مثل تلك الدعوة في تاريخ الأمة
وواقعها المعاصر .
ثم يمضي الدكتور "نصر
محمد عارف" ليحدثنا في موضعٍ آخر عن مسألة حساسةٍ للغاية على المستويين
النظري والعملي تتعلق بمسألة أو "إشكالية الطرح السياسي للإسلام"
. وفي هذه المقالة المتكاملة يعرض علينا الكاتب تحليلاً دقيقاً للظروف والملابسات
التاريخية والثقافية التي خلقت تلك الإشكالية ، موضحاً صيرورة وتطور العلاقة بين
الدولة والمجتمع في التاريخ العربي والإسلامي ، وكيف تفاعلت تلك الصيرورة مع
التأثيرات الفكرية القادمة من التجربة الغربية، لينتج عنها هذا الواقع ومن ضمن
معالمه الإشكالية موضع البحث .
وفي مقالةٍ ثالثة ، يستضيف
العدد مثقفةً مغربيةً هي الأستاذة "عتيقة الملوكي" لتفتح ملفاً
قديماً جديداً يتعلق بالمرأة و "التحديات التي تواجه المرأة المسلمة"
، ولتطرح رؤيتها في التحديات الذاتية وتحديات الواقع والتحديات الحضارية التي
تواجه المرأة في هذا العصر، ولتسلّط الضوء بكل قوة على أمرين في غاية الأهمية
أولهما حقيقة كون النسق التصوري عند المرأة ، تماماً كما هو عند الرجل ، منطلق
المشكلة ومفتاح الحل ، مؤكدةً ضرورة عمل المرأة على تطوير "منظومةٍ تحكم
رؤيتها و نسيجٍ فكري يضبط تصورها" ، الأمر الذي تفتقده بشكلٍ أو بآخر .
والأمر الثاني يتمثل في التبعة الملقاة على المرأة المسلمة بأن تكون نقطة انطلاقها
مسؤوليتها الخاصة في المقام الأول قبل إلقاء اللوم على الظروف الخارجية أياً كان
اسمها .
وعودةً إلى موضوع العلاقة بين
"عالمية الدعوة وقضية اللغة" يطرح علينا الأستاذ "رياض
أدهمي" رؤيته في المداخل والمقدمات التي يجب الاتفاق عليها بغية الوصول
إلى نتائج عملية في هذا الباب ، بما يضمن مكانة ومنزلة ودور اللغة العربية في رؤية
المسلمين لدينهم وإدراكهم وتفاعلهم المتجدد معه ، ويكفل مع ذلك تحقيق المقاصد
الشرعية من وراء عالمية الدعوة الإسلامية وقدرتها على التواصل مع بني البشر على
اختلاف لغاتهم وأجناسهم وألوانهم .
أما الأستاذ "مازن
هاشم" فإنه يعود ليعالج مسألة "الوجود الإسلامي في الغرب وعلاقات
الأقليات" . وهي مسألة حساسةٌ أيضاً على الصعيدين النظري والعملي ، ورغم
ذلك فإن من النادر أن توجه إليها جهود البحث العلمي المتعمق الذي يفهم الظاهرة
ويحاول أن يطرح تصوراً أقرب للصحة للتعامل معها . وانطلاقاً من تفاعلاتٍ تحدث عند
أبناء الجالية المسلمة بين بعدي النية الطيبة والثقة بالهوية، يرسم لنا الكاتب
صورةً دقيقةً عن التقسيمات التي يتوزع عليها أبناء تلك الجالية ، بشكلٍ يلقي أضواء
تفسيرية على مواقفهم وقراراتهم وخياراتهم الثقافية والحياتية .
وتأتي بعد ذلك مجموعةٌ
متنوعةٌ من المساهمات التي تتعرض لجوانب وظواهر من حياتنا المعاصرة بالنقد
والتحليل والمراجعة ، في أثواب متنوعة من التعبير والبيان ، نأمل أن تحوز على
انتباه قارئنا الكريم واهتمامه ، وأن يكون فيها الحافز على التواصل المستمر
والدائم معنا في هذه التجربة الثقافية التي نأمل أن تسهم في عملية إعادة تشكيل
العقل التي ينادي بها العقلاء اليوم في كل مكان .
ولا يسعنا في هذا المقام إلا
أن نلفت النظر إلى الاستجابة الطيبة والكثيفة التي تلقاها هذه الدورية الثقافية في
المغرب ، والتي ربما يُعبّر عن شيءٍ منها الوجبة الفكرية الدّسمة التي يقدمها
باحثان كريمان من هذا البلد العزيز على القلوب والنفوس . آملين أن يكون في هذا
الكلام أقوى الحوافز لمزيدٍ من المشاركات والتعليقات على أي مستوىً وفي أي مجالٍ
من المجالات ، من المغرب الذي يشهد حركةً ثقافيةً متميزةً على وجه الخصوص ، ومن أي
بقعة أخرى تصل إليها هذه الكلمات في أرض الله الواسعة .