مأدبة فكرية

المؤتمر السنوي لجمعية علماء الاجتماع المسلمين  1999

 

جمعية الإجتماعيين الإسلاميين معلم من معالم الوجود الإسلامي في أمريكا كما أki نه وجه من وجوه التيار الإسلامي العالمي الذي يعكس نفسه بعدة أوجه : وجه المراكز الإسلامية تارة ووجه المدارس تارة أخرى أو وجه الحركة الفكرية تارة ثالثة . وأحب أن نعرض تقريرنا عن المؤتمر ضمن هذا السياق لأنه أصدق تعبيرا عن واقعه من أن نقيمه ضمن صورة مؤتمر فكري بحت تعرض فيه بعض الأوراق البحثية .

ولتحديد هذا السياق لابد من استحضار حقيقة أنه مؤتمر يجمع اختصاصات متعددة وليس مؤتمراً يناقش مساحة اختصاصية محدودة . فجمعية الاختصاصيين الاجتماعيين هذه تقبل أوراقاً تبحث  في العلوم السياسية والاقتصاد والاجتماع بالإضافة إلى اختصاصات التاريخ وعلم النفس واختصاصات مجاورة أخرى . وقارن هذا مثلا بمؤتمر يجمع أوراقاً في علم الطب من اختصاصات داخلية و القلب والجراحة والأطفال لتصبح صورة هذا المؤتمر وطبيعته أقرب إلى الذهن .

والمسألة التي تطرح نفسها حكماً بالتالي هي المحور العام الذي يجمع هذه الاختصاصات . وانطلاقاً من كون الجمعية مؤسسة إسلامية فإن هذا يجعل "الإسلام" المحور العام بطبيعة الحال .. ولكن هذا المحور شديد العمومية لا يمكن دعوة الأوراق حوله بهذه العمومية . أي أن المؤتمر يمكن أن يركز على الإسلام ومفاهيمه وشريعته وتفارقه عن باقي الأديان ، أو أنه يمكن أن يركز على الكيفية التي يعالج فيها الإسلام الواقع البشري ، أو أن المؤتمر يمكنه أن يركز على واقع المسلمين أنفسهم .

ونستسمح القارئ الذي يتوقع أن نلخص هنا سجل طروحات المؤتمر بهذا الاستطراد الذي سنتوسع فيه لأننا نريد لفت النظر إلى قضية مهمة جدا وهي أن نتاجنا الفكري وإبداعنا وتجديدنا وإسهاماتنا لا يمكن أن يكون منفصلا عن الشروط الموضوعية التي نعيشها كأفراد ولا الشروط الموضوعية التي تحتضننا كمجتمع وجالية ولا الشروط الموضوعية التي تأسست حولها المؤسسة .

لقد تفرعت مؤسسة علماء الاجتماع المسلمين من منظمة المجتمع الإسلامي في أمريكا الشمالية والتي بدورها نمت عن وحدات منظمة الطلبة المسلمين . ولقد كانت بدايات الوجود الإسلامي للمرحلة المعاصرة مرتبطة بالطلاب الذين أتوا للدراسة في هذه البلاد وشكلوا جمعيات طلابية في الجامعات لتحمي هؤلاء الطلاب من الانحراف في تيار المجتمع  الأمريكي الدافق ولتفعيل العناصر الإسلامية في الجامعات . ولما تقدم العمر بهؤلاء الطلاب وعدلوا عن فكرة الرجوع لبلادهم الأصلية وعزموا على الهجرة إلى الأرض التي عاشوا فيها سنيناً طلبةً ووجدوا أن إمكانية الحفاظ على الهوية الإسلامية في أمريكا كبيرة جدا وأن خدمة الإسلام في أمريكا أمرٌ واردٌ جداً ، بل لعله في بعض وجوهه أفعل من خدمته في بلاد الأصل الإسلامي . نقول ، لما تفاعلت هذه الظروف مع الآمال الإسلامية وتزوج هؤلاء الطلاب وأنجبوا الأولاد كان لابد  للجمعيات الجامعية أن تغير من نفسها ومن طبيعة نشاطها واهتماماتها ، فكانت ولادة   منظمة المجتمع الإسلامي في أمريكا الشمالية كمؤسسة تهدف إلى خدمة الجالية الإسلامية وحاجاتها ، وكأي مؤسسة جامعة في أمريكا فإنه من الطبيعي أن يتفرع عنها "جمعيات" تدور في فلكها ولكن لتخدم حاجات مخصوصة لمجموعات محددة داخل ذلك الغطاء المؤسسي الكبير . وهكذا تفرع عنها جمعيات الأطباء المسلمين الأمريكيين والمهندسين المسلمين الأمريكيين ، والاجتماعيين المسلمين الأمريكيين . وبشكل طبيعي فإن اهتمامات هذه المنظمة سوف تنصب على واقع المسلمين لأنفسهم ، فما أعضاؤها إلا الطلاب من حركيي الأمس الذين استوطنوا ، ولكن واقع هؤلاء الخريجين لا ينحصر بمشاكل الجالية ، بل إن التحدي الأكبر للذين يدرسون العلوم الاجتماعية هو تناقض مسلمات العلوم التي تعلموها مع المعطيات الإسلامية، بل ومع معطيات أي دين لأن العلم الاجتماعية كانت وليدة العلمانية الأوروبية الثائرة على الدين بشكل أساسي .

وهكذا كان على مثل هذه المؤسسة أن تطرح بعض المعالجات الفكرية ولا تقتصر على دراسة الواقع لأن أي خطة لمعالجة ذلك الواقع سوف ترتبط حكما ببعض الأسس الفكرية التي تعلمها هؤلاء الاجتماعيون وسوف يقومون بتطبيقها أو تطبيق غيرها أو المزج والتخير .

ولكن التحدي الفكري الذي تقدمه العلوم الاجتماعية الغربية يصعب مواجهته من قبل جمعية ناشئة صغيرة كهذه . وبالخصوص لأن الارتباط المؤسسي لها بالمؤسسة العمومية الشعبية كان لابد له أن يحصر جهودها باهتمامات  المنظمة الأم وأن يحجبها عن معالجات فكرية جادة على المستوى الذي يواجهه أفرادها في جامعاتهم .

ومع  الزمن كانت الأقدار قد انطوت على تأسيس مؤسسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي التي بدأت تخطو خطوات واسعة في تحليل أعمق للفكر الغربي وإشكالات علومه الاجتماعية ، فكان الانضواء الفكري لمؤسسة علماء الاجتماع المسلمين المبتدئة تحت المظلة الفكرية الأرسخ للمعهد العالمي أمراً طبيعياً يفرضه الكمون الفكري المتفاوت حكماً ، وتجسد بنوعٍ من الزواج المؤسسي حيث صارت الدورية العلمية لجمعية علماء الاجتماع تصدر بالاشتراك مع المعهد العالمي وكذا المؤتمر السنوي .

وهكذا دخلت الجمعية في مدار فكريٍ آخر أو ربما من الأدق القول بأنه صار لها مصدرين للجاذبية المصدر التاريخي الذي يرتكز على معالجات جزئية لبعض المواضيع التي "تهم" أعضاء هذه الجمعية القدماء وبين تيار فكري جديد دافق بالإضافة إلى واقع جديد ضاغط .. فما هي هذه العناصر الثلاثة؟

أما الاهتمامات القديمة فتنقسم إلى قسمين ، قسمٌ يعالج معالجات فكرية جزئية ما كان لها أن تصمد لأنها كانت دفاعية بشكل رئيسي وسرعان مايتراجع عنها بعض أصحابها أنفسهم بعد أن يقنعهم الواقع بتفاهتها ، وقسم يتركز اهتمامه حول بلد الأصل الأم وبعض المسائل العلمية التطبيقية حوله . وبجكم اللغة الانجليزية للمؤسسة  وبحكم نوعٍ من التركيز على الشؤون الباكستانية من قبل أمريكا ونظراً لنسبية انفتاح المنظومة الباكستانية (مقارنة بالعربية) فإن مشكلة الباكستان تطفو بين الحين والآخر كواقع هام وحاسم في حياة الأمة لا يمكن إلا أن يستجيب له أهل هذه المناطق بحرارة كبيرة .

              

ولعل عندنا نحن العرب نوعاً من تبلد الحس عن هذا الهم الآسيوي الجنوبي إلى درجة تهميش كبيرة ، فما دامت جمعية علماء الاجتماع المسلمين مؤسسة تتوجه نحو الواقع فكيف لا تعالج مسألة كتلة إسلامية ضخمة تأسست دولتها على فكرة الإسلام كرابطة لمواطني الدولة والتي ترافقت مع تضحيات وآلام وصراع وحرب مع المنافس الهندي . كيف يمكن نسيان هذا الواقع الذي يبلغ سكانه اليوم 300 مليون (لو لم تنفصل باكستان الشرقية عن الغربية) والذي يتصل بهم 150 مليون مسلم  آخرين في الهند وملايين  أخرى تجاورهم في أفغانستان وتشاركهم المصير ، مع النزيف المستمر في كشمير الذي كان جزءاً من نتائج الانفصال عن الهند .

هل يمكن الانفصال عن هذا الواقع الذي يضغط على الأعصاب بأحداثه والذي صاغ ويصوغ العقول وطريقة فهمها للإسلام ، كما صاغت القضية الفلسطينية والردود الإسلامية والقومية عقول المنطقة العربية المشارقية . وكأي مؤسسة فإن الجمعية سوف تبقى فيها اهتمامات فترة التأسيس وتعاد فيها الحياة بين الفينة والأخرى ، وكلما حدث فراغ وتقصير عن مواجهة  الواقع المعاصر تفتح تلقائيا ملفات الماضي أو كلما كان هناك أحداث فاصلة في تلك المنطقة لا يمكن تجاهلها .

أردت بهذا التفصيل إيضاح الخلفيات التي دعت أن يكون هناك ندوة نقاش وأوراق حول المشكلة الباكستانية .. والمعذرة أن التقديم لهذا استغرق صفحات عدة .

أما العنصر الأساسي في هذا المؤتمر فكان يتعلق بواقع المسلمين في أمريكا . ومن أحسن الحلقات حلقة حول الكيفية التي تعكس فيها هوية المرأة المسلمة . ومن أجمل ما تم لفت النظر إليه أن النشاط النسائي في أمريكا قوي ويشمل مساحات واسعة من التدريس إلى المشاركة السياسية ، ويتواجد هذا الواقع جنبا إلى جنب مع التخيلات الغربية من أن أي التزام بلباس إسلامي محتشم هو حبس في البيوت وتهميش للحياة .

ومن الأمور التي يجدر ذكرها المشروع القيم الذي عرضته المحاضرات وهو مشروع بعنوان " نكتب عن أنفسنا" .. ذلك أن أكبر ما كتب عن المرأة في الإسلام بالإنجليزية معالجات دفاعية متصلة بشكل كبير بالفقه والأحكام ، وهناك كتابات متحاملة من خارج المنظومة الفكرية الإسلامية . أما هذا المشروع فإنه يهدف إلى الكتابة ليس "عن" المرأة المسلمة بل "بها" حيث تقص المرأة المسلمة نفسها وتجربتها وآمالها وآلامها بلا فلسفة ، أو في الحقيقة بفلسفة تنطلق من رؤية صادقة وغير مصطدفة.

فهذا هو العنصر الثاني في المؤتمر عنصر الواقع الإسلامي الأمريكي .. ولا يخفى عليك بعد عرضه أنه واقعٌ وأنه فكرٌ وأنه أمريكي وأنه مسلم وأنه عالمي .. ويمسّ كل مسلمة على وجه هذه الأرض .

أما العنصر الثالث والأخير في هذا المؤتمر والذي قدمت بأنه جزء من مكوناته فهو البعد المنهجي الذي نبت بانجذاب جمعية علماء الاجتماع إلى العملاق الفكري المعهد العالمي .

فلقد امتدت الجذور الفكرية التي غرسها المعهد العالمي في عقل مثقفي الأمة الإسلاميين ، ولا يفتأ الإنسان يفاجأ بمعالجات في غاية العمق من قبل شباب في آخر طور في دراستهم العليا هضموا اختصاصهم الذي درسوه في الجامعات الأمريكية كامل الهضم الأمر الذي مكنهم أن ينتقلوا من نتائجه الجاهزة إلى تفحص مبتدءاته ومسلماته . وكان من نوع هذا الطرح طالب يدرس بآن واحد في الجامعة الحديثة التي تفرعت عن المعهد العالمي والتي اسمها " جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية" وفي جامعة جورج تاون الأمريكية الشهيرة ، ليقدم نقداً في غاية العمق للنظرية الـ "نيوكلاسيكية" الاقتصادية ومتعلقات ذلك الحياتية .

وأخيراً فلابد من ذكر ورقة قدمها باحثٌ غير مسلم يحاول تبيين الأسباب الفلسفية التي دعت الغرب المسيحي أن يتبنى الربا بينما لم يتبناه الإسلام . فالربا كان محرماً في الغرب المسيحي بناء على وصفة الإنجيل وعلى الرأي الأرسطي في أن المال ليس له قيمة بحد ذاته . ولما تغيرت النظرة نحو الحقبة الموضوعية حول المال تسرب الربا وأصبح مقبولاً.. أما في الإسلام (كما يقول هذا الباحث) فإن التحريم ارتبط بالعلائق الاجتماعية التي يورثها حيث يحول المجتمع إلى دائن ومدين تتباعد شرائحهم الاجتماعية قليلا فقليلا فكان ذاك التشريع المتفوق (على حد قوله) والذي ربط ببراعةٍ الحكم بمآلاته الاجتماعية (أو ما نسميه بمقاصد الشريعة) ليتمكّن الإسلام بهذا من أن ينجو من الإقرار بالظلم الاجتماعي المتأتي عن طريق معاملاتٍ مالية تدعي الحياد.

ولقد أغدق هذا الباحث على المؤتمر الفكري صفة "الرائع" ووصفه بأنه "مأدبة فكرية" .. والحقيقة أنه كان مأدبةً ملونةً جمعت شيئاً من المغذّي المركّز الذي يملأ ويقيت ، وشيئاً من الأطباق الجانبية التي تُفكّهُ وتُسيغ شيئاً من الحركة بين الموائد يساعد على الهضم  ويحفز على التفكّر.. الأمر الذي دعانا لاختيار وصفته وجعلها عنواناً لهذه التغطية .