وعادت
ابنتي البالغة من العمر السابعة من رحلةٍ إلى الشرق العربي واستقبلتها في المطار
وعانقتها ، وقالت كيف حالك يا أبي ؟.. ونطقت بالجواهر! لقد أجابتني بالعربية
واسترسلت تقصُّ لي بعض وقائع الرحلة بالعربية .
لقد تعجبت من رحلة
الشهر هذه وأثرها اللغوي . وللعلم فإني كنت أكلم ابنتي دوماً بالعربية ، ولغة
المنزل لغةٌ عربية ما خلا بعض المصطلحات الإنكليزية التي لا أعرف لها مقابلاً
أصلاً . ولقد بذلت عائلتنا جهدها في المحافظة على العربية وتذكيتها … فمنذ نعومة
أظفار الأولاد جلبنا لهم شرائط "افتح يا سمسم" وجلبنا لهم العديد العديد
من القَصص العربي ، وبعثناهم إلى مدارس نهاية الأسبوع لتعلم العربية والتوجيهات
الإسلامية . حتى أننا (الأم والأب) عدّلنا من لهجتنا العامية ونحاول ما استطعنا
استعمال كلمات فصحى أو أقرب للفصحى . ولكن .. ورغم هذا الجهد فإن ابنتي كانت تسمع
منا العربية وتستجيب بالإنجليزية .
ولقد حدث أن زارنا
صديق خلال سفر أولادي للمشرق واجتمع بأولاد
صديقٍ لي مهاجر حالُ أولاده يشبه حال أولادي ، فعاب عليهم أنهم يجيبون
بالإنكليزية ورأى في ذلك انسلاخاً عن الهوية الإسلامية المتمركزة حول لغة القرآن
ولام الأهل على تفريطهم ووعظَ وتفلسف . ولو رأى أولادي قبل سفرهم لنالني من
التعنيف مانال الصديق ولشعرت بالعار من قدمي إلى مفرق رأسي .
والذي أريد أن أشير
إليه هنا أن تقييماتنا الاجتماعية كثيراً ما تكون متعسفةً تنظر إلى الظاهر ولا
تراعي الظرف والواقع . من هنا فإنني أرى أن أي تقييم سلبي لأولادي (قبل اللمسة
السحرية والإجابة بالعربية) هو ظلمٌ لهم ولجهودنا العائلية في الحفاظ على عربيتهم
. وهذا ليس اعتذاراً عن أولئك المتفرجين الذين لا يهمهم إلا أن يرطن الولد
بالأعجمية ، فكما قدّمت نحن من الذين بذلوا جهدا لا بأس به في تثبيت اللغة ،
ولكننا حكما محدودون بالوسائل المتاحة من مدارس الجالية ومدى جودتها وفعاليتها
والقصص المبسط . محدودون بتوفر الكتب العربية و تعليمها لأولادنا ، ومحدودون
بالإنتاج المرئي والمسموع بالعربية . أي أن المسألة تتجاوز أفراد العائلات( وإن
كانت لا تنفي مسؤوليتها) لتكون مسألة أمة . والتقييم المتعسف هذا ليس مشكلاً من
باب أنه يظلم بعض العائلات ، بل لأنه يصرف النظر عن المهمة الجماعية المطلوب أن
تشارك في تحقيقها الأمة .
إن اللغة تُعتبر
بعداً حضارياً من أبعاد أمتنا لابد أن يرعى ويخدم ، والتحدي الحضاري اليوم لا يعكس
نفسه فقط في الاقتصاد والسياسة بل وفي اللغة أيضا . فاللغة هي الوعاء الثقافي الذي
يحتضن المشاعر والمفاهيم ويساهم في رسم نسق ثقافي للأمم ، وأحد زوايا مشكلة قوة
اللغة وبقائها وانتشارها هو التجديد فيها . وما يقال في الفقه عن ضرورة التجديد
يمكن أن يقال في اللغة . وربما لا يشعر أحدٌ بوطأة قصور التجديد في اللغة مثل
المهاجر الذي يسعى إلى تعليم العربية ، وذلك أنه تعترضنا في تعليم العربية كثير من
العقبات التي يمكن أن تذللـه الجهود الجماعية . فإذا كان هناك وجهٌ لغوي في لفظ أو إعراب يبسط اللغة
ويخفف مثلا من حالات الشذوذ ، ويُدرج عدداً أكبر من المسائل تحت قاعدة عامة… فإن
مثل هذا التجديد يسهل انتشار اللغة وبقائها . ومثل أي تجديد فإن هذا النوع من
التجديد يمكن أن يكون اعتباطياً يحرف اللغة وينقضها ، ويمكن أن يكون تجديدا مبصراً
يزيد في نماء اللغة .
أعود لتعنيف صاحبنا
علينا لأقول أن فيه أيضا إشكالاً من ناحية الحس الحضاري المعاصر ، ذلك أن تعدد
الألوان والألسن من آيات الله التي لا تمحى ولم يرد الإسلام نسخها من تاريخ
البشرية و واقعها . وإن الوعي الإسلامي المعاصر يجب أن يدرك هذا ، فالأمة
الإسلامية تمتد على شريحة واسعة من اللغات . والذي أقترحه هنا أن الإسلام لا يبغي
شنّ سياسة تعريب موازية لسياسة الفرنسة في الجزائر مثلاً ، وإنما الذي يبتغيه
الإسلام هو جعل العربية اللغة العالمية مع المحافظة على اللغات المحلية . بل إننا
إذا كنا في سياق مناقشة اللغات التي يتكلم بها العالم الإسلامي فإنه تبرز لنا
مفارقة جديرة بالاهتمام: إن اللغات المحلية الإسلامية أصبحت حاملةً لمعاني إسلامية
وجزءاً لا يتجزأ من هوية تلك البلاد الإسلامية. أي أن تصور تدمير هذه اللغات
(الأردية مثلا) فيه تدمير للهوية الإسلامية ذاتها .
أعود إلى حالة المهاجر
في الغرب لألفت النظر إلى نقطة يصعب على العرب تصورها . ذلك أن الهوية الإسلامية
للناشئ في الغرب ليست مرتبطة مطلقاً باللغة العربية ، بل هناك بالإضافة إليها لغة
إنكليزية – إسلامية (إن صحت التسمية) .. ولو زرت الجاليات المسلمة التي لا تتكلم
العربية لوجدت عندهم لغة محلية "إسلامية" . ولا أقصد هنا لغة متكاملة
وإنما أقصد أنها لغة بمعنى Lingo تشمل المفردات
الإنكليزية وتحتوي على مصطلحات وطرق تعبير خاصة يصعب على غيرهم من المتكلمين
بالإنكليزية فهمها . والذين يدرسون الجاليات من الأمريكان يقضون فترة حتى يتمكنوا
من فهم مرامي الكلمات وسياق المعاني . وبالطبع فإن هذه اللغة المحلية متأثرة
باللغات الإسلامية واللغة العربية بالذات . والذي أريده هنا هو أن هناك تحققاً
عميقاً للهوية الإسلامية عند الكثير رغم قلة البضاعة في العربية ، وليس كل خلوٍ من
العربية خلواً من الإسلام ، بل إن معاني الدين العامة يمكن أن تفهم بلغات أخرى (
وقد سبق أن نوقش هذا في هذه الدورية في مقال بعنوان "العربية وعالمية
الرسالة" للأستاذ رياض أدهمي)
ولكن توازن هذه المعاني ودقتها وطيف الآفاق التي يمكن أن تأخذها وتشير
إليها إنما هو مكنون في العربية ومصطلحاتها ، وهذا هو بالضبط إصرارنا على تعليم
اللغة العربية كلغة القرآن وليس كلغة محادثة محلية قومية أو إثنية .
وفي الختام فإنني
أتمنى أن يزورنا صاحبنا العربي في هذه الأيام المقبلة ويسمع كلام ابنتي العربي قبل
أن تمر بضع أسابيع وأشهر من معاشرة الأصدقاء غير العرب وينقلب لسانها مرة ثانية
للإنكليزية . وقبل أن تطالبني بأن أطرد هؤلاء الأصدقاء وألعنهم ، ألفت إليك النظر
أنهم مسلمون… وطيبون .