تعتبر إشكالية الطرح السياسي للإسلام موضوعاً
شائكاً و معقداً لما فيه من مخاطر و مزالق كثيرة لأنه يتعرض للبنية الفكرية
للحركات الإسلامية المعاصرة . و قد ارتبط الطرح السياسي للإسلام بمرحلة ما بعد الخلافة
متمثلاً في التركيز على السياسة كمدخل للإصلاح ، أو فلنقل نظرية التغيير من أعلى ،
التغيير الاجتماعي من أعلى ، من الدولة و من خلال امتلاك السلطة و السيطرة على
النظام السياسي الذي يعد هو مفتاح التغيير في المجتمع .
وسوف نتناول هذا الموضوع بصورة متدرجة عبر خطوات أرجو أن تكون
منطقية في ترتيبها ، و أن تؤدي إلى الفهم الأمثل لهذه القضية دون التركيز فقط على
نقد الحركات الإسلامية المعاصرة أو نقد المدخل السياسي للإصلاح أو نقد الطرح
السياسي للإسلام . لأن النقد في ذاته لا يؤدي إلى وظيفة ما لم نحلل لماذا حدث ما حدث
و في أي ظروف حتى نتفهم أولا ثم ننتقد ثانيا .
النقطة الأولى: تعتبر الفترة من عهد
محمد علي إلى الآن فترةً ثقافية و
سياسية و اجتماعية مختلفة عما سبقها نظراً لحالة الانقطاع المعرفي و التاريخي مع التراث و بدأ حقبة و مرحلة
جديدة تختلف عن سابقتها اتسمت بالتقليد و الاقتداء و الافتتان بالغرب مما أدى إلى
ما أطلق عليه مالك بن نبي القابلية للاستتباع ، أو القابلية للاستعمار .
في هذه المرحلة اكتسبت العقلية الإسلامية مجموعة من الصفات منها:
1. أنها أصبحت عقليةً أحادية واحدة أو قطبية ثنائية ، أي أنها لا ترى في
الأمور إلا شيئاً واحدا . وأنها افتقدت القيمة الوسطية فلا ترى الأشياء إلا على
شكل حدّيات: مع أو ضد ، واحد أو الآخر ، و بدأت تنظر إلى أحد المداخل أو أحد
الحلول أو أحد الوسائل و تغفل عن الوسائل الأخرى ، مع أن المجتمع في ظواهره معقدٌ
و متشابك فلا يمكن الفصل ما بين السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي و
الديني ، إلا أن يكون الفصل بالتحليل بمبضع الأستاذ و في قاعة الدرس فقط . و قد
أدت هذه العقلية الواحدية الحدية الطرفية إلى فكرة الثنائيات المتناقضة ، فإما دين
أو دولة ، و إما أصالة أو معاصرة و إما حداثة أو تقليدية و إما سلفية أو صوفية ..
فهناك ثنائيات لا نهاية لها على الرغم من أن واقع الحياة ليس كذلك ، بل هو كلٌ متّصل .
2. وحدث خلل
آخر هو خلل في المفاهيم ، فالمفاهيم
التي أصبحت تستخدم في الواقع الإسلامي ، و العربي بصفة خاصة ، مفاهيم عربية المبنى
أو عربية اللفظ ، ولكنها غربية المحتوى . و حدثت عمليات من الملء و التفريغ لهذه
المفاهيم تستحق الدراسة و الرصد . و
أضرب مثالا بمفهوم الدين، فهو كما ورد في اللغة العربية و في اللغات السامية جميعا
يشمل السياسة و يشمل الاقتصاد كما في الإقراض و الاقتراض ، و يشمل الحساب و العقاب
كيوم الدين ، و يشمل الخضوع و الإذعان و يشمل الاستقرار كما في المدنية ، و يشمل
مجموعة من المعاني تعني نمطاً حياتياً متكاملاً فيه الاقتصادي و الاجتماعي و
الديني و الأخروي و العمراني و كل
ما هو داخل في المعنى اللغوي لمفهوم الدين .
هذا الفهم
للدين الذي كان يحيط بذلك المعنى الشامل تغير اليوم ، فأصبحنا الآن نتكلم عنه و
نضعه في صورة ثنائية الدين و السياسة، و أنهما اثنان ، بينما هو الأصل و فرعه ،
فالسياسة فرع عن الدين بمعناها الواسع .
و قد حدث لمفهوم السياسة مثل ما حدث للدين .
فالسياسة تعني كما يعرّفها ابن القيم "أخذَ الناس إلى الصلاح و إبعادهم عن
الفساد" أو هي " جلبُ المصلحة و درء المفسدة" . يقول ابن عقيل أحد
فقهاء الشافعية "لو أنك تقصد
أنه لا سياسة إلا ما نطق به الشرع
فهذا غلط و تغليط للصحابة . السياسة هي أي فعل يكون فيه الناس أقرب إلى
الصلاح و أبعد عن الفساد و لو لم يفعله الرسول و لو لم يرد فيه نص قرآني" .
هذه هي السياسة ، فهي فعل اجتماعي عام . السياسة أطلقت في التاريخ الإسلامي على كل
ما يتعلق بأمور التهذيب و التربية و الإصلاح و التكوين ، فنجد كتبا تتكلم عن سياسة
الخيل تعنى بأمور تدريب و تمرين
الخيل حتى تكون خيلاً مهذبة و مدربة ، و أطلقت على سياسة الصبيان و لابن سينا كتاب
عن سياسة الصبيان ، و هناك كتب أخرى تحمل عنوان "سياسة الموردين"
بالنسبة للطرق الصوفية . إلى أن كتب في القرن الماضي في مصر كتاب للدكتور مصطفى
كساب 1870 اسمه "سياسة البقر" يتكلم عن سلوكيات البقر في الطب البيطري
.
فلفظة السياسة كانت تعني هذا المعنى الواسع
المتسع الذي يشمل التهذيب و التربية و الإصلاح، و من ثم لم تكن السياسة هي الدولة
، وإنما كانت السياسة هي الفعل الاجتماعي أكثر من كونها هي الدولة .
و حدثت نفس العملية أيضا على كثير جداً من
المفاهيم . فلا نكاد نجد مفهوماً من المفاهيم المحورية في حياتنا الثقافية إلا و
قد عبث به هذا العبث الذي أحدثه
الفكر الأوروبي كمحتوى لثقافتنا المعاصرة رغم بقاء العربية كلغةٍ لتلك
الثقافة . فأصبح الإنسان العربي يتكلم
عن لفظة الدين أو السياسة أو الحضارة أو أية ألفاظ أخرى ، و في ذهنه يكمن
المعنى الأوروبي .
3. أننا كثيرا ما نقرأ التاريخ الإسلامي قراءة
غير صحيحة فنتهمه بالكثير و نحن لا نفهم مفاتيح و شفرات فك هذا التاريخ . نحن
نتعامل مع التاريخ الإسلامي وفي أذهاننا المجتمع بتنظيماته الحالية الآن . و لكن
المجتمع في ذلك الوقت كانت له معادلة أخرى ، عناصرها مختلفة ، والعلاقة بين
عناصرها تلك مختلفة ، ونسب تلك العناصر أيضاً مختلفة .
ولنأخذ مثلاً العلاقة بين الدولة و المجتمع .
نجد التاريخ الإسلامي يشهد حالة وجود دولة ضعيفةٍ جداً و مجتمع قويٍ جداً ، حيث
كان المجتمع هو المعمل الذي ينتج الحضارة و الدولة هي طبقة هامشية في المجتمع لا
تؤثر عليه كثيرا بمعنى أن نقاط التماس بين حياة الإنسان العادي و الدولة في حياته
اليومية نقاط قليلة ، فهو لا يحتكّ بالدولة إلا عندما يدفع الضريبة أو المكوس ، و
إلا عندما يقع في جريمة توقعه تحت القانون ، و ما عدا ذلك هو حر .
أما اليوم فإننا نعيش في دول تربط الإنسان من
جميع أعضاء جسده بخيوط تتعلق بها في النهاية بشكلٍ أو آخر ، فلا يأكل إلا بالجمعية
التعاونية ، و لا يشرب إلا بالتموين
، و لا يفكر و لا يتعلم و لا يتطبب
ولا أي شيء آخر إلا عن طريق الدولة . وهذه الصيغة لم تكن كذلك دائماً ،
فالمجتمع هو الذي كان ينشئ هذه المؤسسات التي تستحق أن يُركز عليها و تُفهم .
فالأوقاف مثلاً هي مؤسسةٌ إسلاميةٌ أساسية في
هذا المجتمع وكانت لها أنواع عديدة و متعددة غطّت كل الوظائف الاجتماعية ، وهذه
الأوقاف وُجدت و استمرت وكانت تعطي للمجتمع استقلالية في مواجهة الدولة و تجعل دور
الدولة هامشيا إلى أن ألغيت في مصر عام ( ) و في العراق و في الشام
عام 1960 أو قبلها و أصبحت ملكية الدولة .
والحسبة – كمثال آخر – انتشرت إلى أن
كان هناك 124 مؤسسة اجتماعية تطبق عليها الحسبة . و لكل مؤسسة تنظيم داخلي
شبيه بنمط الشركات و المؤسسات
المعاصرة والتي كانت تدار داخليا دون هيمنة من الدولة و تتعاون مع الدولة في نفس
الوقت ، فلكل حرفة شيخ للحرفة ينظم العمل بها ، و يضع قواعدها ، و يصبح وسيط تعاون
بين الدولة و بين الحرفة ، يطبق القواعد ، يعاقب المخالف ، يحافظ على الجودة و
استمرار كفاءة السلعة و قيمتها .. الخ. فالحسبة كانت تعتبر الهيئة الرقابية على
هذه الوظائف ، مما يعكس أن هناك 124 فرعاً و مؤسسة نقابية أو صنفاً من الأصناف
الاجتماعية في المجتمع لا تتدخل فيها الدولة ، لم تنشئه الدولة و لم تكن تديره الدولة
.
هذا بالإضافة إلى مؤسسات التعليم جميعاً و
بالإضافة إلى الفعل الاجتماعي العادي ، وبالإضافة إلى عدم ملكية الدولة لأي شيء في
المجتمع ، فلم تكن هناك ملكيات للدولة فيما يتعلق بالصناعة أو بالزراعة أو
بالتجارة .
و ظل النسق الاجتماعي الإسلامي محافظاً على نمطه
المتوارث ، و هو أنه دولة لها دور محدد هامشي جداً في المجتمع ، يقابلها مجتمعٌ
قويٌ صحيح في ذاته . فإذا انحدر و ضعف جسده فإن ذلك الضعف يكون تلقائيا وليس بعامل
قهر أو عن طريق إضعاف الدولة له . و لتأكيد هذه الفكرة نستطيع أن نقول أن لحظات انحدار الدول في التاريخ الإسلامي لم
يصاحبها انحدار في المجتمعات ، مما يعني أن كلا منهما له خطّ صيرورة و تطور مستقل
.
فعندما انحدرت دولة المماليك في مصر ، و انهارت
عسكرياً أمام الأتراك ، أخذ الأتراك الصناع المصريين لبناء حاضرة الدولة العثمانية
، فمعنى هذا أن المجتمع قوي رغم ضعف الدولة و انهيارها ، وهكذا . فإذا أردنا أن
نرصد تاريخ الإسلام لا ينبغي أن نرصد تاريخ الطبقة الحاكمة أو القصر السلطاني أو
القصر الأميري و من يحيط به كما فعل كل مؤرخي الإسلام من الطبري و ابن كثير و ابن
الأثير . بل إذا أردنا أن نفهم المجتمع لا بد أن ندرس تاريخا ثالثاً ، تاريخ
المؤسسات الاجتماعية و الاقتصادية في الإسلام ، و كيف كان يدار المجتمع اقتصاديا و
اجتماعيا ، و لعل ما أضافه الأمير شكيب أرسلان على كتاب (حاضر العالم الإسلامي )
يمثل مقدمةً في هذا الشأن ، ذلك أنه ركّز على التاريخ الوسيط ما بين تاريخ الطبقة
الدنيا و تاريخ الطبقة العليا ، وقدم تاريخ المؤسسات الاجتماعية أثناء الفترة
المحيطة بالحملة الفرنسية و ما قبلها و ما بعدها .
4. ومع عصر محمد علي بدأ استنبات مفهوم الدولة
الغربي في العالم الإسلامي ففي عام 1805 أُلغيت مؤسسة الحسبة إلغاء كاملا ، ثم
أُلغي المماليك كقوة اجتماعية ، ثم ألغيت نقابة الأشراف كقوة اجتماعية أيضا ، ثم
ألغي شيوخ الطوائف و ألغيت هيئة العلماء و طُرد شيوخ السادات إلى دمياط ، و حدث
نوعٌ من الاحتكار للسلطة في يد الدولة . ومنذ ذلك التاريخ بدأت الدولة تتغوّل على
المجتمع .
ففي عام 1812 تمّ وضع يد الدولة على جميع
الأراضي الزراعية ، حتى أصبحت الدولة تملك ملكية الرقبة و الفلاح يملك حق الانتفاع
، ثم بدأ محمد علي في بناء الصناعة المصرية التي تملكها الدولة و بدأ المدارس و
الكليات التي تملكها الدولة ، و بدأ ينشئ كلية الطب و المستشفيات التي تملكها الدولة
. بمعنى آخر ، بدأت تنشأ دولةٌ على شاكلة الدولة الغربية الرأسمالية التي
تتحكم في المجتمع بدرجةٍ أو أخرى ،
و تطورت بعد ذلك إلى نموذج و صورة من الدولة مختلفة عن النمط المتوارث تتبعها علاقة بين الدولة و المجتمع تختلف
عن النمط المتوارث و أصبح المجتمع ضعيفاً و الدولة قوية ، حتى تحكّمت الدولة في كل
شيء و خرجت عن نمط علاقتها السابقة بالمجتمع .
ومنذ ذلك الوقت بدأت الإشكالية التي نتكلم عنها
الآن و هي إشكالية الطرح السياسي ، أو أولوية المدخل السياسي للإصلاح أو اعتباره
المدخل الوحيد . و مع هذا النمط من انقلاب العلاقة ، بدأت تظهر في المجتمع المسلم
ظاهرة جديدة و هي أن الدولة تعني القوة ، وتعني السلطة و السيطرة و التحكم ، فأصبح
المفهوم أو التعريف الإسلامي للسياسة غير ذي معنى ، لأنها كانت عِلْمَ مصلحة و
أصبحت علم قوة .
و بدأت بعد ذلك تظهر في المجتمع المسلم أنماط من الحركات و المنظمات هي نسخ و
تقليد للحركات و المنظمات الغربية سواء على مستوى الدولة أو على مستوى المجتمع ،
فالدولة تنقل المؤسسات الغربية كما هي ، و المجتمع يفعل نفس المسألة حين يحاول أن
يقاوم هذا النقل بنقل ما يضاد هذه المؤسسات .
النقطة الثانية :
في ظل هذه الظروف نشأت الحركات الإسلامية ، أو نشأت حركات الإصلاح الإسلامي ،
فأصبحت حركات اجتماعية بكل ما لمعنى الحركة الاجتماعية في علم الاجتماع من معنى ،
أي أنها بنت هذا المجتمع ووليدة هذا المجتمع . إنها حركات تنطبق عليها صفات أي
حركة اجتماعية في أي مكان آخر ، تقوم بالإصلاح في ظل معادلة معينة . فأصبح لا يمكن
الفكاك أو الخروج من أسر الواقع الذي كانت فيه ، وهو واقعٌ يُعلي شأن السلطة و
القوة و الدولة ، ويجعل الدولة هي المدخل الأساسي أو المدخل الأصيل للإصلاح
الاجتماعي .
وهذه الحركات أخذت في تنظيمها الداخلي صورة
المؤسسة الغربية الهرمية ، من التدرج إلى النظام إلى انسياب الأمر من أعلى إلى
أدنى إلى الرئاسة ، ثم بعد ذلك أخذت صورةً أكثر قسوةً و شمولية ، و أصبحت حركات
مغلقة يترأسها شخص لا يخلع حتى يموت ، ليس فيها انتخابات داخلية أو ديموقراطية ،
وليس فيها تداولٌ للسلطة أو المسؤولية . أي أنه أصبحت تنطبق على الحركات أو
المنظمات الاجتماعية إسلاميةً كانت أو غير إسلامية ، نفس مواصفات المجتمع الذي
تعيش فيه ، ونفس الفلسفة التي تحكم المنظمات التي تديرها الدولة ، أو المنظمات
التي تدار في المجتمع بأكمله ، بحيث
أصبحت حركات يسري عليها نفس القانون الاجتماعي .
وشيئاً فشيئاً تحول المجتمع إلى نموذج آخر ،
حين أصبح النموذج الغربي هو النموذج المسيطر ، في داخل النموذج كهيكل و بنية ،
بينما أصبح الإسلام فقط هو المحتوى الذي يقدم البدائل الفكرية داخل هذه التنظيمات
ذات الطبيعة الغربية ، فالإسلام ليس أكثر من بدائل داخلية ، لكن طريقة التنظيم
طريقة غربية . وهذا لا يعني أنها مرفوضة و إنما يعني أننا ننبه إلى حدوث نوع من
الانقلاب الكلي أو التغيير الكلي الذي أدى إلى زحزحة منظومة قيمية معينة ، و نسق
معرفي ومؤسساتي معين ، وإحلاله بنسق آخر
مختلف عنه . هذا النسق الآخر هو نسق يقوم على فهم معين للسياسة و على وزن
معين للدولة و للمجتمع فوصلنا إلى ما يمكن أن يطلق عليه علمنة للمجتمع و علمنة
للحلول ، أي حلاً علمانياً في صورةٍ
إسلامية لأنه يقوم على نفس المعادلة
و نفس المسلمات ، و هي فكرة التنظيم و السلطة و القوة ، فكرة السياسة كمدخل
أساسي .
و منذ ذلك الوقت أصبحت المسألة مسألة حركات أو
منظمات أو جماعات تقوم على محاولة إحداث الإصلاح و التغيير في الدولة بنفس المنطق
الذي أصبح سائداً في الدولة ، فلم يُلتفت كثيراً إلى التغيير من أدنى ، و إنما
التُفت بصورة أكثر إلى التغيير من أعلى ، التغيير من الدولة ، أو من التنظيم
السياسي ، و بدأنا نشهد مجموعة ضخمة من الظواهر المتناقضة نتيجة وجود نسقين فكريين
متناقضين يتعايشان في مؤسسة واحدة : نسق إسلامي كمحتوى فكري ، و نسق غربي كبناء
تنظيمي وكمفهوم يدير الصراع الاجتماعي أو يتحكم في معادلة الصراع .
فوجود مفهوم القوة الغربي ، مع فكرة الشرعية في
الإسلام : شرعية الحكم ، أصبح يؤدي إلى ظاهرة ديكتاتورية مبررة نضعها في صورة
معادلة : ( مفهوم القوة الغربي + الشرعية الإسلامية = ديكتاتورية مبررة ) .
و انتهت الشرعية سواء كانت شرعية اتساق مع
الدين أو شرعية اتساق مع المجتمع ، أو رضى اجتماعي ، إلى استبداد جاهل ، و أقصد
بالاستبداد هنا الاستبداد الفكري قبل أن يكون الاستبداد السياسي ، لأن أخطر أنواع
الاستبداد هو استبداد امتلاك الحقيقة ، استبداد امتلاك الفكر . وأصبحنا نجد في كل فترة و أخرى ظهور من
يدعي أنه يملك الحقيقة كاملة و هو المنقذ في هذا المجتمع و أنه المصلح الأوحد الذي يجب على الأتباع أن يسيروا خلفه ..
و قد أدى نقل التنظيم الهرمي عن الغرب بصورته
الموجودة في الغرب مع فكرة الطاعة لولي الأمر إلى شمولية التنظيم و سلبية الأعضاء الذين غالبا لا يعرفون
الميثاق الذي ينظم المنظمة التي يعملون بها ، و عليهم السمع و الطاعة ، ومن شذّ شذ
إلى النار ، فالتنظيم مع الطاعة يؤدي إلى استبدادٍ قاتل ، فالطاعة هنا تختلف عن
الطاعة في صورتها البسيطة التقليدية القديمة التي لم تشهد مثل هذا النوع من
الهرمية و التدرج .
ومع انتشار عقلية التقليد و النقل في المجتمع و
الثقافة - و الحركات الإسلامية جزء منها - و مع التطورات المتلاحقة المتسارعة ،
ظهر تخليط شديد ، فمرةً نكون مع الاشتراكية ، و مرة مع الديموقراطية و مرة مع
الليبرالية ، و مرة مع الرأسمالية ، و نبرر كلاً من هذه الأشياء بتبريرات إسلامية
. وكم من الكتابات و الأفكار و القناعات انتشرت في الساحة ، لا تعبّر إلا عن أن
العقل فقد القدرة على الاجتهاد و النقد و المراجعة ، و هو يقع تحت ضغوط و تغيرات
هائلة في المجتمع حتى ينتهي إلى
التخبط ، مرةً إلى أقصى اليمين و مرة إلى أقصى اليسار .
و مع ترسخ الاعتقاد في السلطة كمدخل وحيد في
الإصلاح من خلال التطورات التي شهدها مفهوم السياسة و العلاقة بين الدولة و
المجتمع ، أصبح المصلح يعتقد أن السلطة هي المدخل الأساسي للإصلاح و في نفس الوقت
الذي يقتنع بذلك لا يملك إمكانية الوصول إلى السلطة ، لأن الوصول إلى السلطة يحتاج
إلى قوة عسكرية مسلحة أو التمكن من الفوز في صناديق الانتخابات ، فهو مقتنع
بالمستحيل ، مما يؤدي إلى عقلية برغماتية انتهازية .. إذ ماذا يفعل من يريد الوصول إلى السلطة و لا
يملك إمكانياتها ؟ تسود الانتهازية والبرغماتية ، و لدينا في مصر مثال واضح ، فالإخوان
في مصر تحالفوا مع حزب الوفد أولاً وهو حزب ليبرالي علماني ، ثم تحالفوا مع حزب
العمل وهو حزب اشتراكي يرأسه ماركسيين سابقين .فأصبحت الجماعة في مرتين متتاليتين
مرةً مع أقصى اليمين و مرة مع أقصى اليسار والهدف في كلا الحالتين الوصول إلى
البرلمان أو دخول البرطمان و ليس البرلمان .
لقد كان هدف هذه الحركات الإصلاح الاجتماعي
العام الذي يعني أخذ الناس أو تقريبهم إلى صورة أفضل من الإسلام مع استصحاب
التقليد . فعند فقدان المجدد ( وهنا
نعرف المجدد : هو الذي يحدث تجديدا نوعيا في البنية الفكرية ، والمصلح : هو القائد
الاجتماعي الذي يسعى إلى إصلاح حال المجتمع ) نصير إلى الانسحاق في الماضي ، و
ننفي صيرورة الزمان .. إننا نريد أن نصلح الحال الذي نعيش فيه ، وهو حال معقد جداً
ولكننا لا نملك إمكانية التجديد الفكري التي تتواكب مع هذا الزمان ، فماذا نفعل؟
إنه لا مفر إلا اللجوء إلى الماضي و محاولة البحث فيه عن بدائل أو عن إجابات
لأسئلة معاصرة ، وأن نحمل التاريخ همومنا ومشاكلنا ، ونسأل ابن تيمية مثلاً أن
يجيب على سؤال الحزبية والمشاركة السياسية ، ونستفتيه في دخول البرلمان والائتلاف
الحزبي ، وتداول السلطة ، والتعايش مع العلمانيين و الماركسيين في مجتمع واحد أو
سحقهم ، وابن تيمية لم يعاصر هذه الظواهر و لم تخطر له ببال ليجيب عليها .
ثم جاء اختزال الإسلام في السياسة والحكم ،
وعدم القدرة على تفعيل الجماهير ، ليؤدي إلى ظواهر مختلفة من تكفيرٍ ورفضٍ وعزلةٍ
و انحسار ، و حيث أن الجماهير سلبية فإنها إما أن تُكفّر ، وإما أن تُرفض . و
الجماعة إما أن تُعزل عن الجماهير ، وإما أن تنحسر فتصبح مثل جماعة التكفير و
الهجرة أو غيرها .
وكذلك
نرى التخبط الناجم عن اجترار تاريخ الإسلام كقوة دولية واحدة واستصحاب التراث الإسلامي الذي أُبدع و
أُنتج عندما كان الإسلام القوة الدولية الوحيدة ، أو إحدى القوى الدولية الكبرى
بالمقارنة إلى هزال وضعف الواقع الإسلامي المعاصر . وهذا التخبط هو التخبط في
العلاقات مع الآخر ، وانتقالها من النقيض إلى النقيض ، فتجد مثلا في دولنا العربية
، برغم المعارضة الشديدة لأمريكا ، أن البضائع الأمريكية هي السائدة ، و في ظل
محاربة فرنسا ، أن المدارس الفرنسية هي السائدة ، فنحن ننسحق أمامهم ثقافياً
واجتماعيا ، و نحاربهم سياسياً مما يدل على نوع من التخبط والانهزام الداخلي .
ثم نأتي إلى ظاهرة ضعف وزن المجتمع أمام الدولة
مع الاعتقاد بأولوية السياسة كمدخل للإصلاح . الأمر الذي أدى إلى ظاهرة نعايشها
جميعا وهي ظاهرة الانتحار المتكرر للحركات الإسلامية في مصر وسوريا و الجزائر ،
لأنها بنيت على اعتقاد القدرة على إحداث تغيير سياسي بمجتمع ضعيف و دولة تمثّل
الوحش والغول . فبينما لم تكن تلك الحركات تملك الماكينة اللازمة لإحداث أي توازن
مع هذه القوة ، إلا أنها كانت – وربما لم تزل - مقتنعةً أن السياسة هي المدخل
الأساسي للإصلاح مع أن الواقع يثبت عكس هذا الأمر مئات المرات .
فما العمل تجاه مثل هذه الظواهر ؟.
مجرد ست نقاط نطرحها للنقاش والتفكير والتأمل :
النقطة الأولى :
تهميش السلطة ذهنيا وثقافيا : لابد من إحداث حالة ثقافية في المجتمع تُهمّش السلطة
، وتبعدها عن الذهن و تتمثل في إشاعة عدم الاعتقاد في السلطة كوسيلة للإصلاح
أساسية ، أو كقوة أساسية .
النقطة الثانية : تقوية
الفعل الاجتماعي الطّوعي والتطوّعي من خلال التركيز على الأفعال الطوعية البسيطة ،
أو فيما يطلق عليه الآن في الموضة الحديثة المجتمع المدني .. وعلى الرغم أننا لسنا
في حاجة إلى هذا المجتمع لأن مجتمعنا منذ نشأته وهو يعمل بهذه الطريقة ، فإن هذا
يساعد على تفعيل المؤسسات الطوعية في المجتمع وإعطاءها دفعات حتى تهمش السلطة في
النهاية تهميشاً واقعياً بعد أن همُشت
تهميشا ذهنيا و ثقافيا .
النقطة الثالثة : بناء
مؤسسات الأمة ، وإعادة التفكير في بناء الأوقاف ، وإعادة التفكير في بناء المؤسسات
التي تخدم المجتمع بعيداً عن الدولة .