إشكالية الطرح السياسي لإسلام

 

د. نصر محمد عارف

تعتبر إشكالية الطرح السياسي للإسلام موضوعاً شائكاً و معقداً لما فيه من مخاطر و مزالق كثيرة لأنه يتعرض للبنية الفكرية للحركات الإسلامية المعاصرة . و قد ارتبط الطرح السياسي للإسلام بمرحلة ما بعد الخلافة متمثلاً في التركيز على السياسة كمدخل للإصلاح ، أو فلنقل نظرية التغيير من أعلى ، التغيير الاجتماعي من أعلى ، من الدولة و من خلال امتلاك السلطة و السيطرة على النظام السياسي الذي يعد هو مفتاح التغيير في المجتمع .

وسوف نتناول هذا الموضوع  بصورة متدرجة عبر خطوات أرجو أن تكون منطقية في ترتيبها ، و أن تؤدي إلى الفهم الأمثل لهذه القضية دون التركيز فقط على نقد الحركات الإسلامية المعاصرة أو نقد المدخل السياسي للإصلاح أو نقد الطرح السياسي للإسلام . لأن النقد في ذاته لا يؤدي إلى وظيفة ما لم نحلل لماذا حدث ما حدث و في أي ظروف حتى نتفهم أولا ثم ننتقد ثانيا .

النقطة الأولى:  تعتبر الفترة من عهد محمد علي إلى الآن  فترةً ثقافية و سياسية و اجتماعية مختلفة عما سبقها نظراً لحالة  الانقطاع المعرفي و التاريخي مع التراث و بدأ حقبة و مرحلة جديدة تختلف عن سابقتها اتسمت بالتقليد و الاقتداء و الافتتان بالغرب مما أدى إلى ما أطلق عليه مالك بن نبي القابلية للاستتباع ، أو القابلية للاستعمار .

في هذه المرحلة  اكتسبت العقلية الإسلامية مجموعة من الصفات منها:

1. أنها أصبحت عقليةً أحادية واحدة  أو قطبية ثنائية ، أي أنها لا ترى في الأمور إلا شيئاً واحدا . وأنها افتقدت القيمة الوسطية فلا ترى الأشياء إلا على شكل حدّيات: مع أو ضد ، واحد أو الآخر ، و بدأت تنظر إلى أحد المداخل أو أحد الحلول أو أحد الوسائل و تغفل عن الوسائل الأخرى ، مع أن المجتمع في ظواهره معقدٌ و متشابك فلا يمكن الفصل ما بين السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي و الديني ، إلا أن يكون الفصل بالتحليل بمبضع الأستاذ و في قاعة الدرس فقط . و قد أدت هذه العقلية الواحدية الحدية الطرفية إلى فكرة الثنائيات المتناقضة ، فإما دين أو دولة ، و إما أصالة أو معاصرة و إما حداثة أو تقليدية و إما سلفية أو صوفية .. فهناك ثنائيات لا نهاية لها على الرغم من أن واقع الحياة ليس كذلك ، بل هو  كلٌ متّصل .

2. وحدث خلل آخر هو خلل في المفاهيم ،  فالمفاهيم التي أصبحت تستخدم في الواقع الإسلامي ، و العربي بصفة خاصة ، مفاهيم عربية المبنى أو عربية اللفظ ، ولكنها غربية المحتوى . و حدثت عمليات من الملء و التفريغ لهذه المفاهيم  تستحق الدراسة و الرصد . و أضرب مثالا بمفهوم الدين، فهو كما ورد في اللغة العربية و في اللغات السامية جميعا يشمل السياسة و يشمل الاقتصاد كما في الإقراض و الاقتراض ، و يشمل الحساب و العقاب كيوم الدين ، و يشمل الخضوع و الإذعان و يشمل الاستقرار كما في المدنية ، و يشمل مجموعة من المعاني تعني نمطاً حياتياً متكاملاً فيه الاقتصادي و الاجتماعي و الديني و الأخروي و العمراني و كل  ما هو داخل في المعنى اللغوي لمفهوم الدين .

هذا الفهم للدين الذي كان يحيط بذلك المعنى الشامل تغير اليوم ، فأصبحنا الآن نتكلم عنه و نضعه في صورة ثنائية الدين و السياسة، و أنهما اثنان ، بينما هو الأصل و فرعه ، فالسياسة فرع عن الدين بمعناها الواسع .

و قد حدث لمفهوم السياسة مثل ما حدث للدين . فالسياسة تعني كما يعرّفها ابن القيم "أخذَ الناس إلى الصلاح و إبعادهم عن الفساد" أو هي " جلبُ المصلحة و درء المفسدة" . يقول ابن عقيل أحد فقهاء الشافعية  "لو أنك تقصد أنه لا سياسة إلا ما نطق به الشرع  فهذا غلط و تغليط للصحابة . السياسة هي أي فعل يكون فيه الناس أقرب إلى الصلاح و أبعد عن الفساد و لو لم يفعله الرسول و لو لم يرد فيه نص قرآني" . هذه هي السياسة ، فهي فعل اجتماعي عام . السياسة أطلقت في التاريخ الإسلامي على كل ما يتعلق بأمور التهذيب و التربية و الإصلاح و التكوين ، فنجد كتبا تتكلم عن سياسة الخيل  تعنى بأمور تدريب و تمرين الخيل حتى تكون خيلاً مهذبة و مدربة ، و أطلقت على سياسة الصبيان و لابن سينا كتاب عن سياسة الصبيان ، و هناك كتب أخرى تحمل عنوان "سياسة الموردين" بالنسبة للطرق الصوفية . إلى أن كتب في القرن الماضي في مصر كتاب للدكتور مصطفى كساب  1870 اسمه  "سياسة البقر"  يتكلم عن سلوكيات البقر في الطب البيطري .

فلفظة السياسة كانت تعني هذا المعنى الواسع المتسع الذي يشمل التهذيب و التربية و الإصلاح، و من ثم لم تكن السياسة هي الدولة ، وإنما كانت السياسة هي الفعل الاجتماعي أكثر من كونها هي الدولة .

و حدثت نفس العملية أيضا على كثير جداً من المفاهيم . فلا نكاد نجد مفهوماً من المفاهيم المحورية في حياتنا الثقافية إلا و قد عبث به هذا العبث الذي أحدثه   الفكر الأوروبي كمحتوى لثقافتنا المعاصرة رغم بقاء العربية كلغةٍ لتلك الثقافة . فأصبح الإنسان العربي يتكلم  عن لفظة الدين أو السياسة أو الحضارة أو أية ألفاظ أخرى ، و في ذهنه يكمن المعنى الأوروبي .

3. أننا كثيرا ما نقرأ التاريخ الإسلامي قراءة غير صحيحة فنتهمه بالكثير و نحن لا نفهم مفاتيح و شفرات فك هذا التاريخ . نحن نتعامل مع التاريخ الإسلامي وفي أذهاننا المجتمع بتنظيماته الحالية الآن . و لكن المجتمع في ذلك الوقت كانت له معادلة أخرى ، عناصرها مختلفة ، والعلاقة بين عناصرها تلك مختلفة ، ونسب تلك العناصر أيضاً مختلفة .

ولنأخذ مثلاً العلاقة بين الدولة و المجتمع . نجد التاريخ الإسلامي يشهد حالة وجود دولة ضعيفةٍ جداً و مجتمع قويٍ جداً ، حيث كان المجتمع هو المعمل الذي ينتج الحضارة و الدولة هي طبقة هامشية في المجتمع لا تؤثر عليه كثيرا بمعنى أن نقاط التماس بين حياة الإنسان العادي و الدولة في حياته اليومية نقاط قليلة ، فهو لا يحتكّ بالدولة إلا عندما يدفع الضريبة أو المكوس ، و إلا عندما يقع في جريمة توقعه تحت القانون ، و ما عدا ذلك هو حر .

أما اليوم فإننا نعيش في دول تربط الإنسان من جميع أعضاء جسده بخيوط تتعلق بها في النهاية بشكلٍ أو آخر ، فلا يأكل إلا بالجمعية التعاونية  ، و لا يشرب إلا بالتموين ، و لا يفكر و لا يتعلم و لا يتطبب  ولا أي شيء آخر إلا عن طريق الدولة . وهذه الصيغة لم تكن كذلك دائماً ، فالمجتمع هو الذي كان ينشئ هذه المؤسسات التي تستحق أن يُركز عليها و تُفهم .

فالأوقاف مثلاً هي مؤسسةٌ إسلاميةٌ أساسية في هذا المجتمع وكانت لها أنواع عديدة و متعددة غطّت كل الوظائف الاجتماعية ، وهذه الأوقاف وُجدت و استمرت وكانت تعطي للمجتمع استقلالية في مواجهة الدولة و تجعل دور الدولة هامشيا إلى أن ألغيت في مصر عام (        ) و في العراق و في الشام عام 1960 أو قبلها و أصبحت ملكية الدولة .

والحسبة كمثال آخر انتشرت إلى أن كان هناك 124 مؤسسة اجتماعية تطبق عليها الحسبة . و لكل مؤسسة تنظيم داخلي شبيه  بنمط الشركات و المؤسسات المعاصرة والتي كانت تدار داخليا دون هيمنة من الدولة و تتعاون مع الدولة في نفس الوقت ، فلكل حرفة شيخ للحرفة ينظم العمل بها ، و يضع قواعدها ، و يصبح وسيط تعاون بين الدولة و بين الحرفة ، يطبق القواعد ، يعاقب المخالف ، يحافظ على الجودة و استمرار كفاءة السلعة و قيمتها .. الخ. فالحسبة كانت تعتبر الهيئة الرقابية على هذه الوظائف ، مما يعكس أن هناك 124 فرعاً و مؤسسة نقابية أو صنفاً من الأصناف الاجتماعية في المجتمع لا تتدخل فيها الدولة ، لم تنشئه الدولة و لم تكن تديره الدولة .

هذا بالإضافة إلى مؤسسات التعليم جميعاً و بالإضافة إلى الفعل الاجتماعي العادي ، وبالإضافة إلى عدم ملكية الدولة لأي شيء في المجتمع ، فلم تكن هناك ملكيات للدولة فيما يتعلق بالصناعة أو بالزراعة أو بالتجارة .

و ظل النسق الاجتماعي الإسلامي محافظاً على نمطه المتوارث ، و هو أنه دولة لها دور محدد هامشي جداً في المجتمع ، يقابلها مجتمعٌ قويٌ صحيح في ذاته . فإذا انحدر و ضعف جسده فإن ذلك الضعف يكون تلقائيا وليس بعامل قهر أو عن طريق إضعاف الدولة له . و لتأكيد هذه الفكرة  نستطيع أن نقول أن لحظات انحدار الدول في التاريخ الإسلامي لم يصاحبها انحدار في المجتمعات ، مما يعني أن كلا منهما له خطّ صيرورة و تطور مستقل .

فعندما انحدرت دولة المماليك في مصر ، و انهارت عسكرياً أمام الأتراك ، أخذ الأتراك الصناع المصريين لبناء حاضرة الدولة العثمانية ، فمعنى هذا أن المجتمع قوي رغم ضعف الدولة و انهيارها ، وهكذا . فإذا أردنا أن نرصد تاريخ الإسلام لا ينبغي أن نرصد تاريخ الطبقة الحاكمة أو القصر السلطاني أو القصر الأميري و من يحيط به كما فعل كل مؤرخي الإسلام من الطبري و ابن كثير و ابن الأثير . بل إذا أردنا أن نفهم المجتمع لا بد أن ندرس تاريخا ثالثاً ، تاريخ المؤسسات الاجتماعية و الاقتصادية في الإسلام ، و كيف كان يدار المجتمع اقتصاديا و اجتماعيا ، و لعل ما أضافه الأمير شكيب أرسلان على كتاب (حاضر العالم الإسلامي ) يمثل مقدمةً في هذا الشأن ، ذلك أنه ركّز على التاريخ الوسيط ما بين تاريخ الطبقة الدنيا و تاريخ الطبقة العليا ، وقدم تاريخ المؤسسات الاجتماعية أثناء الفترة المحيطة بالحملة الفرنسية و ما قبلها و ما بعدها .

4. ومع عصر محمد علي بدأ استنبات مفهوم الدولة الغربي في العالم الإسلامي ففي عام 1805 أُلغيت مؤسسة الحسبة إلغاء كاملا ، ثم أُلغي المماليك كقوة اجتماعية ، ثم ألغيت نقابة الأشراف كقوة اجتماعية أيضا ، ثم ألغي شيوخ الطوائف و ألغيت هيئة العلماء و طُرد شيوخ السادات إلى دمياط ، و حدث نوعٌ من الاحتكار للسلطة في يد الدولة . ومنذ ذلك التاريخ بدأت الدولة تتغوّل على المجتمع .

ففي عام 1812 تمّ وضع يد الدولة على جميع الأراضي الزراعية ، حتى أصبحت الدولة تملك ملكية الرقبة و الفلاح يملك حق الانتفاع ، ثم بدأ محمد علي في بناء الصناعة المصرية التي تملكها الدولة و بدأ المدارس و الكليات التي تملكها الدولة ، و بدأ ينشئ كلية الطب و المستشفيات التي تملكها الدولة . بمعنى آخر ، بدأت تنشأ دولةٌ على شاكلة الدولة الغربية الرأسمالية التي تتحكم  في المجتمع بدرجةٍ أو أخرى ، و تطورت بعد ذلك إلى نموذج و صورة من الدولة مختلفة عن النمط المتوارث  تتبعها علاقة بين الدولة و المجتمع تختلف عن النمط المتوارث و أصبح المجتمع ضعيفاً و الدولة قوية ، حتى تحكّمت الدولة في كل شيء و خرجت عن نمط علاقتها السابقة بالمجتمع .

ومنذ ذلك الوقت بدأت الإشكالية التي نتكلم عنها الآن و هي إشكالية الطرح السياسي ، أو أولوية المدخل السياسي للإصلاح أو اعتباره المدخل الوحيد . و مع هذا النمط من انقلاب العلاقة ، بدأت تظهر في المجتمع المسلم ظاهرة جديدة و هي أن الدولة تعني القوة ، وتعني السلطة و السيطرة و التحكم ، فأصبح المفهوم أو التعريف الإسلامي للسياسة غير ذي معنى ، لأنها كانت عِلْمَ مصلحة و أصبحت علم قوة .

و بدأت بعد ذلك  تظهر في المجتمع المسلم أنماط من الحركات و المنظمات هي نسخ و تقليد للحركات و المنظمات الغربية سواء على مستوى الدولة أو على مستوى المجتمع ، فالدولة تنقل المؤسسات الغربية كما هي ، و المجتمع يفعل نفس المسألة حين يحاول أن يقاوم هذا النقل بنقل ما يضاد هذه المؤسسات .

النقطة الثانية : في ظل هذه الظروف نشأت الحركات الإسلامية ، أو نشأت حركات الإصلاح الإسلامي ، فأصبحت حركات اجتماعية بكل ما لمعنى الحركة الاجتماعية في علم الاجتماع من معنى ، أي أنها بنت هذا المجتمع ووليدة هذا المجتمع . إنها حركات تنطبق عليها صفات أي حركة اجتماعية في أي مكان آخر ، تقوم بالإصلاح في ظل معادلة معينة . فأصبح لا يمكن الفكاك أو الخروج من أسر الواقع الذي كانت فيه ، وهو واقعٌ يُعلي شأن السلطة و القوة و الدولة ، ويجعل الدولة هي المدخل الأساسي أو المدخل الأصيل للإصلاح الاجتماعي .

وهذه الحركات أخذت في تنظيمها الداخلي صورة المؤسسة الغربية الهرمية ، من التدرج إلى النظام إلى انسياب الأمر من أعلى إلى أدنى إلى الرئاسة ، ثم بعد ذلك أخذت صورةً أكثر قسوةً و شمولية ، و أصبحت حركات مغلقة يترأسها شخص لا يخلع حتى يموت ، ليس فيها انتخابات داخلية أو ديموقراطية ، وليس فيها تداولٌ للسلطة أو المسؤولية . أي أنه أصبحت تنطبق على الحركات أو المنظمات الاجتماعية إسلاميةً كانت أو غير إسلامية ، نفس مواصفات المجتمع الذي تعيش فيه ، ونفس الفلسفة التي تحكم المنظمات التي تديرها الدولة ، أو المنظمات التي تدار في المجتمع بأكمله ، بحيث  أصبحت حركات يسري عليها نفس القانون الاجتماعي .

وشيئاً فشيئاً تحول المجتمع إلى نموذج آخر ، حين أصبح النموذج الغربي هو النموذج المسيطر ، في داخل النموذج كهيكل و بنية ، بينما أصبح الإسلام فقط هو المحتوى الذي يقدم البدائل الفكرية داخل هذه التنظيمات ذات الطبيعة الغربية ، فالإسلام ليس أكثر من بدائل داخلية ، لكن طريقة التنظيم طريقة غربية . وهذا لا يعني أنها مرفوضة و إنما يعني أننا ننبه إلى حدوث نوع من الانقلاب الكلي أو التغيير الكلي الذي أدى إلى زحزحة منظومة قيمية معينة ، و نسق معرفي ومؤسساتي معين ، وإحلاله بنسق آخر  مختلف عنه . هذا النسق الآخر هو نسق يقوم على فهم معين للسياسة و على وزن معين للدولة و للمجتمع فوصلنا إلى ما يمكن أن يطلق عليه علمنة للمجتمع و علمنة للحلول ،  أي حلاً علمانياً في صورةٍ إسلامية لأنه يقوم على نفس المعادلة  و نفس المسلمات ، و هي فكرة التنظيم و السلطة و القوة ، فكرة السياسة كمدخل أساسي .

و منذ ذلك الوقت أصبحت المسألة مسألة حركات أو منظمات أو جماعات تقوم على محاولة إحداث الإصلاح و التغيير في الدولة بنفس المنطق الذي أصبح سائداً في الدولة ، فلم يُلتفت كثيراً إلى التغيير من أدنى ، و إنما التُفت بصورة أكثر إلى التغيير من أعلى ، التغيير من الدولة ، أو من التنظيم السياسي ، و بدأنا نشهد مجموعة ضخمة من الظواهر المتناقضة نتيجة وجود نسقين فكريين متناقضين يتعايشان في مؤسسة واحدة : نسق إسلامي كمحتوى فكري ، و نسق غربي كبناء تنظيمي وكمفهوم يدير الصراع الاجتماعي أو يتحكم في معادلة الصراع .

فوجود مفهوم القوة الغربي ، مع فكرة الشرعية في الإسلام : شرعية الحكم ، أصبح يؤدي إلى ظاهرة ديكتاتورية مبررة نضعها في صورة معادلة : ( مفهوم القوة الغربي + الشرعية الإسلامية = ديكتاتورية مبررة ) .

و انتهت الشرعية سواء كانت شرعية اتساق مع الدين أو شرعية اتساق مع المجتمع ، أو رضى اجتماعي ، إلى استبداد جاهل ، و أقصد بالاستبداد هنا الاستبداد الفكري قبل أن يكون الاستبداد السياسي ، لأن أخطر أنواع الاستبداد هو استبداد امتلاك الحقيقة ، استبداد امتلاك الفكر .  وأصبحنا نجد في كل فترة و أخرى ظهور من يدعي أنه يملك الحقيقة كاملة و هو المنقذ في هذا المجتمع  و أنه المصلح الأوحد الذي يجب على  الأتباع أن يسيروا خلفه ..

و قد أدى نقل التنظيم الهرمي عن الغرب بصورته الموجودة في الغرب مع فكرة الطاعة لولي الأمر  إلى شمولية التنظيم و سلبية الأعضاء الذين غالبا لا يعرفون الميثاق الذي ينظم المنظمة التي يعملون بها ، و عليهم السمع و الطاعة ، ومن شذّ شذ إلى النار ، فالتنظيم مع الطاعة يؤدي إلى استبدادٍ قاتل ، فالطاعة هنا تختلف عن الطاعة في صورتها البسيطة التقليدية القديمة التي لم تشهد مثل هذا النوع من الهرمية و التدرج .

ومع انتشار عقلية التقليد و النقل في المجتمع و الثقافة - و الحركات الإسلامية جزء منها - و مع التطورات المتلاحقة المتسارعة ، ظهر تخليط شديد ، فمرةً نكون مع الاشتراكية ، و مرة مع الديموقراطية و مرة مع الليبرالية ، و مرة مع الرأسمالية ، و نبرر كلاً من هذه الأشياء بتبريرات إسلامية . وكم من الكتابات و الأفكار و القناعات انتشرت في الساحة ، لا تعبّر إلا عن أن العقل فقد القدرة على الاجتهاد و النقد و المراجعة ، و هو يقع تحت ضغوط و تغيرات هائلة في المجتمع  حتى ينتهي إلى التخبط ، مرةً إلى أقصى اليمين و مرة إلى أقصى اليسار .

و مع ترسخ الاعتقاد في السلطة كمدخل وحيد في الإصلاح من خلال التطورات التي شهدها مفهوم السياسة و العلاقة بين الدولة و المجتمع ، أصبح المصلح يعتقد أن السلطة هي المدخل الأساسي للإصلاح و في نفس الوقت الذي يقتنع بذلك لا يملك إمكانية الوصول إلى السلطة ، لأن الوصول إلى السلطة يحتاج إلى قوة عسكرية مسلحة أو التمكن من الفوز في صناديق الانتخابات ، فهو مقتنع بالمستحيل ، مما يؤدي إلى عقلية برغماتية انتهازية .. إذ ماذا  يفعل من يريد الوصول إلى السلطة و لا يملك إمكانياتها ؟ تسود الانتهازية والبرغماتية ، و لدينا في مصر مثال واضح ، فالإخوان في مصر تحالفوا مع حزب الوفد أولاً وهو حزب ليبرالي علماني ، ثم تحالفوا مع حزب العمل وهو حزب اشتراكي يرأسه ماركسيين سابقين .فأصبحت الجماعة في مرتين متتاليتين مرةً مع أقصى اليمين و مرة مع أقصى اليسار والهدف في كلا الحالتين الوصول إلى البرلمان أو دخول البرطمان و ليس البرلمان .

لقد كان هدف هذه الحركات الإصلاح الاجتماعي العام الذي يعني أخذ الناس أو تقريبهم إلى صورة أفضل من الإسلام مع استصحاب التقليد . فعند فقدان المجدد  ( وهنا نعرف المجدد : هو الذي يحدث تجديدا نوعيا في البنية الفكرية ، والمصلح : هو القائد الاجتماعي الذي يسعى إلى إصلاح حال المجتمع ) نصير إلى الانسحاق في الماضي ، و ننفي صيرورة الزمان .. إننا نريد أن نصلح الحال الذي نعيش فيه ، وهو حال معقد جداً ولكننا لا نملك إمكانية التجديد الفكري التي تتواكب مع هذا الزمان ، فماذا نفعل؟ إنه لا مفر إلا اللجوء إلى الماضي و محاولة البحث فيه عن بدائل أو عن إجابات لأسئلة معاصرة ، وأن نحمل التاريخ همومنا ومشاكلنا ، ونسأل ابن تيمية مثلاً أن يجيب على سؤال الحزبية والمشاركة السياسية ، ونستفتيه في دخول البرلمان والائتلاف الحزبي ، وتداول السلطة ، والتعايش مع العلمانيين و الماركسيين في مجتمع واحد أو سحقهم ، وابن تيمية لم يعاصر هذه الظواهر و لم تخطر له ببال ليجيب عليها .

ثم جاء اختزال الإسلام في السياسة والحكم ، وعدم القدرة على تفعيل الجماهير ، ليؤدي إلى ظواهر مختلفة من تكفيرٍ ورفضٍ وعزلةٍ و انحسار ، و حيث أن الجماهير سلبية فإنها إما أن تُكفّر ، وإما أن تُرفض . و الجماعة إما أن تُعزل عن الجماهير ، وإما أن تنحسر فتصبح مثل جماعة التكفير و الهجرة أو غيرها .

وكذلك نرى التخبط الناجم عن اجترار تاريخ الإسلام كقوة دولية واحدة  واستصحاب التراث الإسلامي الذي أُبدع و أُنتج عندما كان الإسلام القوة الدولية الوحيدة ، أو إحدى القوى الدولية الكبرى بالمقارنة إلى هزال وضعف الواقع الإسلامي المعاصر . وهذا التخبط هو التخبط في العلاقات مع الآخر ، وانتقالها من النقيض إلى النقيض ، فتجد مثلا في دولنا العربية ، برغم المعارضة الشديدة لأمريكا ، أن البضائع الأمريكية هي السائدة ، و في ظل محاربة فرنسا ، أن المدارس الفرنسية هي السائدة ، فنحن ننسحق أمامهم ثقافياً واجتماعيا ، و نحاربهم سياسياً مما يدل على نوع من التخبط والانهزام الداخلي .

ثم نأتي إلى ظاهرة ضعف وزن المجتمع أمام الدولة مع الاعتقاد بأولوية السياسة كمدخل للإصلاح . الأمر الذي أدى إلى ظاهرة نعايشها جميعا وهي ظاهرة الانتحار المتكرر للحركات الإسلامية في مصر وسوريا و الجزائر ، لأنها بنيت على اعتقاد القدرة على إحداث تغيير سياسي بمجتمع ضعيف و دولة تمثّل الوحش والغول . فبينما لم تكن تلك الحركات تملك الماكينة اللازمة لإحداث أي توازن مع هذه القوة ، إلا أنها كانت – وربما لم تزل - مقتنعةً أن السياسة هي المدخل الأساسي للإصلاح مع أن الواقع يثبت عكس هذا الأمر مئات المرات .

فما العمل تجاه مثل هذه الظواهر ؟.

مجرد ست نقاط نطرحها للنقاش والتفكير والتأمل :

النقطة الأولى : تهميش السلطة ذهنيا وثقافيا : لابد من إحداث حالة ثقافية في المجتمع تُهمّش السلطة ، وتبعدها عن الذهن و تتمثل في إشاعة عدم الاعتقاد في السلطة كوسيلة للإصلاح أساسية ، أو كقوة أساسية .

النقطة الثانية : تقوية الفعل الاجتماعي الطّوعي والتطوّعي من خلال التركيز على الأفعال الطوعية البسيطة ، أو فيما يطلق عليه الآن في الموضة الحديثة المجتمع المدني .. وعلى الرغم أننا لسنا في حاجة إلى هذا المجتمع لأن مجتمعنا منذ نشأته وهو يعمل بهذه الطريقة ، فإن هذا يساعد على تفعيل المؤسسات الطوعية في المجتمع وإعطاءها دفعات حتى تهمش السلطة في النهاية تهميشاً واقعياً بعد أن همُشت  تهميشا ذهنيا و ثقافيا .

النقطة الثالثة : بناء مؤسسات الأمة ، وإعادة التفكير في بناء الأوقاف ، وإعادة التفكير في بناء المؤسسات التي تخدم المجتمع بعيداً عن الدولة .