الأرض ..
والإنسان: نظرة في علم الجغرافيا
د.
فتحي عثمان
كثيراً
ما يؤكد المهتمون بشأن الأمة على أهمية التخصص كعاملٍ لا يمكن بدونه امتلاك الفهم
المنهجي لظواهر الحياة ، حتى أن ذلك التأكيد ربما أصبح مثيراً للضجر والملل عند البعض
ممن يرون أنه آن الأوان لتجاوز الحديث في هذه القضية . غير أن رصد الواقع العربي
والإسلامي يُفرز مؤشرات عديدة تَطرحُ أهمية الاستمرار في تحرير هذا المصطلح ، بحيث
يلعب حقيقةً دوره الفعال في عملية الاستعادة الحضارية المُنتظرة . فالتخصص الذي
نتحدث عنه ليس هو قضاء سنوات في الجامعات أو مجرد حمل شهادات الماجستير والدكتوراة
في فرعٍ من فروع المعرفة ، وإنما هو امتلاك القدرة على إظهار معنى شمول الإسلام
كنظام حياةٍ كامل من خلال مجال التخصص المعين للمتخصص ، وهو امتلاك القدرة على
توظيف التخصص في سبيل تحقيق الغاية من الوجود الإنساني على هذه الأرض. إنه القدرة
على الانطلاق من أصول ومقاصد الدين وربطها بملامح التخصص وصولاً إلى تفجير ينابيع
الخير والعطاء و نشر مساحات النور والضياء وزرع معاني الحق والعدل والرحمة بين
الناس في كل مكان . وكم في أمتنا من "حَمَلَةِ شهادات" لا يستحق الواحد
منهم ثمن الحبر المخطوط على شهادته بمقياس المعاني السالفة . وفي المقالة التالية نجد منهجاً في فهم
علم الجغرافيا يندر أن يفكر فيه "متخصصونا" في الجغرافيا فضلاً عن غيرهم
من المثقفين ، نأمل أن يكون في ملامحه بيانٌ وعبرةٌ للمعتبرين .
"يا
عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعةٌ ، فإياي فاعبدون" (العنكبوت/ 56) .
هذه نظرة الإسلام إلى الأرض ، إنها واسعةٌ فسيحة الجنبات لا تتفاضل إلا حيث تتميز
نقاطٌ معينةٌ منها تُشدُّ إليها الرحال مثل المسجد الحرام بمكة المكرمة ومسجد
الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالمدينة المنورة والمسجد الأقصى ببيت المقدس
الشريف.. وبعد ذلك كل الأرض سواء ،
والعبرة بما يجري عليها من الخير والعمل الصالح …وقد جُعلت الأرض كل الأرض مسجداً
وطهورا . وأرض الله واحدةٌ مهما امتدت أرجاؤها وانبسطت جنباتها وتباينت سهولها
ووديانها وصحاريها وجبالها ، وهي مُذلّلةٌ ليطويها الإنسان من أقصاها إلى أقصاها
بكل ما سخر الله له من وسائل الانتقال " والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع
… ولكم فيها جمالٌ حين تريحون وحين تسرحون . وتحمل أثقالكم إلى بلدٍ لم تكونوا
بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوفٌ رحيم . والخيل والبغال والحمير لتركبوها
وزينة ويخلق ما لا تعلمون . وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم
أجمعين" (النحل/5-9) "و هو الذي سخر البحر …
وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم
تشكرون . وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهاراً وسُبُلاً لعلكم تهتدون .
وعلامات وبالنجم هم يهتدون" (النحل/14-16) .
وهكذا
وجَّهَ الله الإنسان إلى الضرب في أرجاء الأرض لابتغاء فضل الله لا تصدُّهُ حواجز
وعراقيل طبيعية أو بشرية أو سياسية "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً
فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور" (الملك/15) .
والمؤمن
مُطالبٌ بأن يضرب في الأرض في سبيل الله ، فراراً من الظلم أو رغبةً في نشر الهدى
في فجاج الأرض حتى يُعبد فيها الله ويذكره خلقهُ على اختلاف ألسنتهم وألوانهم .. والمؤمن
منهيٌ عن التثاقل إلى الأرض التي ألِفها والركون إلى الروابط المادية والنفسية
التي تشُّدهُ إلى جزءٍ معين منها "ياأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم
انفروا في سبيل الله اثَّاقلتم إلى الأرض ، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ، فما
متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل" (التوبة/38) . "ومن يُهاجر في
سبيل الله يجد في الأرض مُراغماً كثيراً و سَعَة ، ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى
الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيما"
(النساء/100) .وفي سبيل تلك الهجرة الواجبة إلى الله ورسوله وفي سبيل الجهاد لنصرة
دينه خفف الله عن المؤمن في السفر وعند الخوف من أحكام الصلاة وهي ركن الإسلام
الركين التي من أقامها أقام الدين ، فالعبرة بذكر الله بمختلف الصور والأشكال كما
أمر الله . وبذلك كان الإسلام دعوة"الحركة" الدائبة في
"العالم" كله منذ أن جاء إلى الوجود "فإذا ضربتم في الأرض فليس
عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ، إن الكافرين
كانوا لكم عدواً مبينا" (النساء/101) .
هكذا
كان الإسلام عالمياً في نظرته إلى الأرض ، بل إنه كان "كوكبياً" أو
"كونياً" في النظر إلى الوجود كله التي
ليست الأرض إلا ذرةً منه في محيطٍ ضخم من كواكب ونجوم ومجرات "فالق الإصباح
وجعل الليل سكّناً والشمس والقمر حُسبانا ذلك تقدير العزيز العليم . وهو الذي جعل
لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ، قد فصّلنا الآيات لقومٍ
يوقنون" (الأنعام 96-97). "هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نزراً
وقدّرهُ منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق ، يفصل
الآيات لقومٍ يعلمون" (يونس/5) .
وكما
يوجه الإسلام المؤمنين إلى أن يرنوا بأبصارهم ومشاعرهم نحو كل موجودات الكون فإنه
يوجِّههم إلى أن يتعاطفوا مع كل سلالات البشر "يا
أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً
كثيراً ونساء .." (النساء/1) "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى
وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم
خبير" (الحجرات/13) . وهداية الأرض يجب أن تبلغ جميع من في الأرض وكل جماعات
البشر ، ودعوة الحق والخير غالبةٌ لأي سلطة متجبرة "إن الأرض لله يورثها من
يشاء من عباده والعاقبة للمتقين" (الأعراف/128) "ولقد كتبنا في الزبور
من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون . إن في ذلك لبلاغاً لقومٍ عابدين .
وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين" (الأنبياء/105-106) . وكل البشر على
اختلاف سلالاتهم وثرواتهم وأوطانهم سواء أمام رب الناس ملك الناس إله الناس ،
وكلهم مدعوون إلى دينه الذي يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن البغي والمنكر
ويُقرر مساواة البشر وتكافلهم في أعماق النفوس بعقيدة التوحيد قبل أحكام التشريع ،
فكلهم مخلوقون وكلهم عباد ، والله وحده الكبير المتعال المتكبر الجبار الذي ليس
كمثله شيء ولم يكن له كفواً أحد ، والناس كلهم أشباهٌ وأنداد "تبارك الذي نزل
الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا" (الفرقان/1) "وما أرسلناك إلا
كافةً للناس بشيراً ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (سبأ/28) . ومن هنا يتقدم
دعاة الإسلام إلى كل أرجاء الأرض يحملون هداية الله إلى كل أمةٍ أو شعب أو قبيلة
دون استعلاء ولا رهبة ، وهم واثقون من كمال دينهم وسلامة حجتهم ، كما أنهم
واثقون من عقل الإنسان المنصف ووجدانه الحساس المرهف "فأقم وجهك للدين حنيفا
فطرة الله التي فطر الناس عليها ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون"
(الروم/30) لذلك تراهم مقبلين أبداً على الإنسان مهما عتى وطغى وتجبَّر ، لعلهم
بصلون إلى غوره ويُوفقون إلى لمس مركز التغيير ومفتاح التحويل "وكذلك جعلناكم
أمةً وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" (البقرة/143) .
فإن يستعصي فردٌ أو جماعةٌ على هداية الإيمان ، فالمستقبل دائماً للحق والخير ،
ولعل الله يخرج من أصلاب هؤلاء أو من صلب ذاك من يعبده "هو الذي أرسل رسوله
بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا" (الفتح/28) .
و
صاغ هذا التوجه الإسلامي عقول المؤمنين ، فتآلفوا مع الكون و تفتحت أبصارهم و
بصائرهم على تدبِّر ظواهره ، و منهم من شُغِل بالنفاذ إلى أغواره … وكان من هؤلاء
من تخصص في بحث "البلدان" وما يمهد لذلك من بحوث عن وضع الأرض في الفلك
وعن غيرها من الكواكب . وقد استفاد الجغرافيون المسلمون من توجيه القرآن مع
عنايتهم بالرحلة وتسجيل المشاهدات الشخصية المباشرة فضلاً عن نقل روايات أهل
البلاد موضع الدراسة . وقد أورد الجغرافي أبو علي أحمد بن عمر بن رسته من القرن
الثالث الهجري في صدر كتابه "الأعلاق النفيسة" آيات القرآن التي
تلفت النظر إلى بديع صنع الله في الكون في صفحتين من الكتاب تحت عنوان "ما
جاء في ذكر الفلك وعجيبه وحركته وكيفيته وظهور لطيف حكمته تعالى وعجيب قدرته في
صفته وتركيبه" .
ولم
ينحصر فكر المسلمين الجغرافي في تتبع آيات الكتاب الكريم التي تناولت الكون وتفسير
دلالاتها اللفظية ، بل إنهم اتجهوا إلى الاعتماد على المشاهدة بشكلٍ مباشر أو غير
مباشر . يقول أحمد بن أبي يعقوب بن واضع الكاتب المعروف باليعقوبي في سنة 284
هـ (897 م) في تقديم كتابه (البلدان)
"إني عنيت في عنفوان شبابي وعند احتيال سنِّي وحدة ذهني بعلم أخبار
البلدان ومسافة ما بين كل بلد وبلد ، لأني سافرت حديث السن واتّصلت أسفاري ودام
تغربي ، فكنت متى لقيتُ رجلاً من تلك البلدان سألته عن وطنه ومِصره فإذا ذكر لي
محلَّ داره وموضع قراره سألته عن بلده ما هي وزرعه ما هو وساكنيه من هم من عربٍ أو
عجم وشرب أهلهم حتى أسأل عن لباسهم ودياناتهم ومقالاتهم والغالبين عليه ومسافة ذلك
البلد وما يقرب منه من البلدان ثم أثبتُّ كل ما يخبرني به من أثق بصدقه وأستظهر
بمسألة قومٍ بعد قوم حتى سألت خلقاً كثيراً وعالماً من الناس في الموسم وغير
الموسم من أهل المشرق والمغرب وكتبت أخبارهم ورويت أحاديثهم وذكرت من فتح بلداً
بلداً وجنَّد مِصراً مِصراً من الخلفاء والأمراء ومبلغ خراجه وما يرتفع من أمواله
. ولم أزل أكتب هذه الأخبار وأؤلف هذا الكتاب دهراً طويلاً وأضيف كل خبرٍ إلى بلده
وكل ما أسمع به من ثقات أهل الأمصار إلى ما تقدَّمت عندي معرفته وعلمت أنه لا يحيط
المخلوق بالغاية ولا يبلغ البشر النهاية … فجعلنا هذا الكتاب مُختصراً لأخبار
البُلدان … فلم نقصد أن يُحيط بكل شيء ولكن معرفة ما لا يسع جهلُهُ … وقد ذكرت
أسماء الأمصار والأجناد و الكور وما في كل مصر من المدن والأقاليم و الطساسيج ومن
يسكنُه ويغلب عليه ويترأسه من قبائل العرب وأجناس العجم ومن فتحه من قادة جيوش
الإسلام وتأريخ ذلك في سنته وأوقاته ومبلغ خراجه وسهله وحبله وبره وبحره وهوائه
وشدة حره وبرده ومياهه وشربه" .
وكان المقدسي الذي كتب حوالي سنة 375
هـ (985 م) كتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" أوضحَ وأقطعَ
في وجوب اعتماد الدراسة الجغرافية على المشاهدة المباشرة ونقد النقل من الأشخاص
والكتب دون تمحيص واستيثاق ، فقد ذكر في تقديم كتابه " … فرأيتُ أن أقصد
علماً قد أغفلوه وأنفرد بفنٍ لم يذكروه إلا على الإخلال ، وهو ذكر الأقاليم
الإسلامية و ما فيها من المفاوز والبحار والبحيرات والأنهار ووصف أمصارها المشهورة
ومدتها المذكورة ومنازلها المسلوكة
وطرقها المستعملة وعناصر العقاقير والآلات ومعادن الحمل والتجارات واختلاف أهل
البلدان في كلامهم وأصواتهم وألسنتهم وألوانهم ومذاهبهم ومكاييلهم وأوزانهم
ونقودهم وصروفهم وصفة طعامهم وشرابهم وثمارهم ومياههم ومعرفة مفاخرهم وعيوبهم وما
يُحمل من عندهم وإليهم وذكر مواضع الأخطار في المفازات وعدد المنازل في المسافات
وذكر السباخ والصلاب والرمال والتلال والسهول والجبال ومعادن
السعة والخصب ومواضع الضيق والجدب وذكر المشاهد والمراصد والخصائص والرسوم والممالك
والحدود … والتحاليف والزموم والطساسيج والتخوم والصنائع
والعلوم . وعلمت أنه بابٌ لا بد منه للمسافرين والتجار ولا غنى عنه للصالحين والأخيار .. ما تمَّ لي جمعه
إلا بعد جولاتي في البلدان ودخولي أقاليم الإسلام ولقائي العلماء وخدمتي الملوك
ومُجالستي القضاة ودرسي على الفقهاء واختلافي إلى الأدباء والقُراء وكَتَبة الحديث
ومخالطتي الزهاد والمتصوفين وحضور
مجالس القُصاص والمذكرين ، مع لزوم التجارة في كل بلد والمعاشرة مع كل أحد
والتفطُّن في هذه الأسباب
ثم استطرد المقدسي بباب "مقدمات
وفصول لا بدّ منها" عرض فيه منهجه في جمع معلوماته وتأليف كتابه فقال :اعلم
أني أسستُ هذا الكتاب على قواعد مُحكمة ... فأعلى قواعدهُ ما شاهادتهُ وعقِلتُهُ
... ومن قواعده أيضاً وأركانه سؤال ذوي العقول من الناس عن الكور والأعمال في
الأطراف التي بعدتُ عنها ولم يتقدر لي الوصول إليها ، فما وقع عليه اتفاقهم
أثبتُّهُ …وما لم يكن لي بدٌّ من الوصول إليها قصدتهُ ، وما لم يقرَّ في قلبي ولم
يقبلهُ غقلي أسندتهُ إلى الذي ذكره أو قلت زعموا .. وكل من سبَقَنا إلى هذا العلم
لم يسلك الطريق التي قصدتُها …" وقد انتقد المقدسي كل من يعتمد في جمع
معلوماته على المشاهدة المباشرة فقال عن أبي عبد الله الجيهاني الذي يرجع إلى
آخر القرن الثالث الهجري تقريباً وقد أعقبَ ابن خرداذبة وردد كلامه "إنه كان
وزير خراسان وكان صاحب فلسفةٍ ونجوم وهيئة ، فجمع الغرباء وسألهم عن الممالك
ودخلها وكيف المسالك إليها وارتفاع الخنّس منها وقيام الظلّ فيها ، ليتوصل بذلك
إلى فتوح البلدان ويعرف دخلها ويستقيم له علم النجوم ودوران الفلك . ألا ترى كيف
جعل العالم سبعة أقاليم وجعل لكل إقليم كوكبا؟ … ورأيتهُ ذكر منازل مجهولة ومراحل
مهجورة ولم يُفصل الكور ولا رتب الأجناد ولا وصف المد ولا استوعب ذكرها …"
كما انتقد المقدسي أبا زيد البلخي في كتابه "الأمثلة وصورة الأرض"
لأنه "اختصر ولم يذكر الأسباب المفيدة ولا أوضح الأمور النافعة في التفصيل
والترتيب وترك كثيراً من أمهات المدن فلم يذكرها …" أما بالنسبة لابن
الفقيه الهمذاني فقد كان نقد المقدسي له أنه "لم يذكر إلا المدن العظمى ولم
يرتب الكور والأجناد وأدخل في كتابه ما لا يليق به من العلوم" . وعنده أن
كتابي الجاحظ وابن خرداذبة "مختصراتٌ لا يحصل منهما كثير فائدة " . وقد
أبان المقدسي بعض خصائصه وفرائده في مصطلحاته وألفاظه ثم أكّد حرصه على المشاهدة
المباشرة في جميع معلوماته بقدر الإمكان فقال: "وقد ذكرنا ما رأيناه ، وحكينا
ما سمعناه … واعلم أن مع هذه الوثائق والشروط لم أُظهِرهُ حتى بلغتُ الأربعين
ووطئت جميع الأقاليم وخدمتُ أهل العلم والدين واتفق وفاء ذلك بمصر وفارس في دولة
أمير المؤمنين أبي بكر عبد الكريم الطائع لله وعلى المغرب أبو منصور نزار العزيز
بالله أمير المؤمنين سنة 375 هـ … ولقد سُمِّيت بستة وثلاثين اسماً دُعيتُ
وخوطبت بها مثل: مقدسي وفلسطيني زمصري ومغربي وخراساني وسلمي ، ومقرىء وفقيه
وصوفي وولي وعابد وزاهد ، وسياح ووراق ومُجلِّد وتاجر ومذكر ، ، وإمام ومؤذن وخطيب
، وغريب وعراقي وبغدادي وشامي ، وحنيفي ومتأدب ومتفقه ومتعلم وفرائضي وأستاذ وشيخ
، وراكب ورسول ، وذلك لاختلاف البلدان التي حللتها وكثرة المواضع التي دخلتها … فقد
تفقهت وتأدبت ، وتزهدت وتعبدت ، وفقَّهت و أدَّبت و خطبت على المنابر و أذَّنت على
المنائر ، و أقمت في المساجد و ذكرت في الجوامع واختلفت إلى المدارس ، ودعوت في
المحافل وتكلمت في المجالس وأكلت مع الصوفية الهرائس ومغ الخانقائيين الثرائد ومع
النواتي العصائد ، وطردت في الليالي من المساجد ، وسحت في البراري وتهت في الصحاري
… وملكت العبيد حملت على رأس الزنبيل ، وأشرفت مراراً على الغرق وقُطع على قوافلنا
الطرق ، وخدمت القضاة والكبراء وخاطبت السلاطين والوزراء ، وبعت البضائع في
الأسواق ، وسُجنت في الحبوس وأُخذتُ على أني جاسوس ، وعاينت حروب الروم في الشواني
و ضرب النواقيس في الليالي ، وجلَّدتُ المصاحف بالكراء واشتريت الماء بالغلاء…"1
وكان أبو الريحان البيروني (المتوفي
440 هـ /1048 م) مبرزاً بحق في اعتماده على المشاهدة المباشرة حين ألف كتابه
الممتع عن الهند "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو
مرذولة" . ثم أخرج ياقوت الحموي (المتوفي 626 هـ / 1228م) معجمه
الجغرافي الجامع للبلدان ، ولم يجعله مقصوراً على التعريف الجغرافي أو
الطبوغرافي بالبلدان والجال والبحار والبحيرات والأنهار بل كان موسوعةً تضيف إلى
ذلك بحثاً لغوياً في تسمية المكان ، وتأريخاً للفتح ودخول الإسلام إليه ، وتعريفاً
بمشاهير الأشخاص المنسوبين إلى ذلك المكان . وقد اختصره عنه المؤمن بن عبد الحق
البغدادي (المتوفي 739 هـ / 1338م) بحيث يكون مقصوراً على "ما لابدّ منه مما
يُحتاج إليه في معرفة الأسماء … بحيث يتمكن القارىء لها من ضبط الأسماء ويعلم
جهاتها ومواقعها من أقطار الأرض" …
وهكذا نما الفكر الجغرافي عند المسلمين
، يضيف اللاحق إلى علم السابق ويُمحِّص و يصحح ويؤصل القواعد ويحدد المناهج …
ولكلٍ أجرٌ أو أجران ، وكلاً وعد الله الحسنى .
ولم
يكن تراث المسلمين الجغرافي مقصوراً على المشاهدة والوصف ، بل حاولوا استنباط
السنن والنواميس الكونية والبشرية ، فلقد رسخ في أذهانهم من قراءة قرآنهم أن لله
سنناً لا تتبدل ولا تتحول بل هي مطّردةٌ أبداً "لا الشمس ينبغي لها أن
تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكلٌ في فلكٍ يسبحون" (يس / 40) "فلن
تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلا" (فاطر / 43) . وقد علَّمهم
رسولهم عليه الصلاة والسلام أن آيات الله الكونية ومنها الشمس والقمر لا تحدث
لعوارض موت شخص مهما عظم قدره أو حباته وإنما تجري مطردةً مرتبةً على أسبابها .
وهكذا
وجدنا عبد الرحمن بن خلدون يحاول أن يتوصل إلى شيء من هذه النواميس في
"طبائع الكائنات" فهو يقول في صدر مقدمته عن "فضل علم التاريخ
وتحقيق مذاهبه والإلماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط وذكر شيء من أسبابها"
أن فن التاريخ "محتاجٌ إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبت
.." ثم يقول "فإذن يحتاج صاحب هذا الفن إلى العلم بقواعد السياسة وطبائع
الموجودات واختلاف الأمم والبقاع والأعصار في السير والأخلاق والعوائد والنِّحل
والمذاهب وسائر الأحوال والإحاطة بالحاضر من ذلك ومماثلة ما بينه وبين الغائب من
الوفاق أو بون ما بينهما من الخلاف وتعليل المتفق منها والمختلف .."2 وقد التزم الكاتب أن يشرح في كتابه
"من أحوال العمران والتمدُّن وما يعرض في الاجتماع الإنساني من العوارض
الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها ويعرفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها
…" . وهو يرى أن من الأسباب المقتضية للأخبار [الخاطئة] "الجهلُ
بطبائع الأحوال في العمران ، فإن كل حادثٍ من الحوادث ذاتاً كان أو فعلا لا بُدّ
له من طبيعةٍ تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله ، فإذا كان السامع عارفاً
بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك على تمحيص الخبر وتمييز
الصدق من الكذب .. فالقانون في تمييز الحق من الباطل في الإخبار بالإمكان
والاستحالة أن ينظر في إمكان وقوعه البشري الذي هو العمران ونميز ما يلحقه من
الأحوال لذاته وبمقتضى طبعه وما يكون عارضاً لا يُعتدُّ به وما لا يمكن أن يعرض له
…"
وبعد المقدمات عرض
ابن خلدون في كتابه الأول "لطبيعة العمران في الخليقة وما يعرض فيها من البدو
والحضر والتغلب والكسب والمعاش والصنائع والعلوم من الأرض والإشارة إلى بعض ما فيه
من الأشجار والأنهار والأقاليم" وبيَّن "أن الربع الشمالي من الأرض أكثر
عمراناً من الربع الجنوبي" و ذكر السبب في ذلك ، وساقه ذلك إلى "تفصيل
الكلام على هذه الجغرافيا" حسب تعبيره . ثم خلص في إحدى مقدماته التي جعل
عنوانها "في المعتدل من الأقاليم والمنحرف وتأثير الهواء في ألوان البشر
والكثير من أحوالهم" . ثم أورد ابن خلدون فصلاً "في أن ابتغاء الأموال
من الدفائن والكنوز ليس بمعاش طبيعي" وكان مما جاء في هذا الفصل "اعلم
أن الأموال من الذهب والفضة والجواهر والأمتعة إنما هي معادن ومكاسب مثل الحديد
والنحاس والرصاص وسائر العقارات والمعادن والعمران يظهرها بالأعمال الإنسانية
ويزيد فيها أو ينقصها ما يوجد منها بأيدي الناس فهو متناقل متوارث وربما انتقل من
قطر إلى قطر ومن دولةٍ إلى أخرى بحسب أغراضه والعمران الذي يستدعي له …" وثمة
فصل "في أن الفلاحة من معاش المتضعين وأهل العافية من البدو" وفصل
"في أن خلق التجار نازلةٌ عن خلق الأشراف والملوك" … ويرى ابن خلدون
أن الفلاحة أقدم وجوه المعاش وأنسبها إلى الطبيعة ، وأما الصنائع فهي ثانيتها
ومتأخرةٌ عنها لأنها مركبة وعلمية تُصرف فيها الأنظار والأفكار ولهذا لا توجد إلا
في أهل الحضر وهو متأخر عن البدو . وهو بالنسبة إلى التجارة يبدو متحفظاً بعض
الشيء إذ يقول "وأما التجارة وإن كانت طبيعية في الكسب فالأكثر من طرقها
ومذاهبها إنما هي تحيّلاتٌ في الحصول على ما بين القيمتين في الشراء والبيع لتحصل
فائدة الكسب من تلك الفضلة" ويرى ابن خلدون أن الشرع إنما أباح المكاسب
باعتبار أنها "ليست أخذاً لمال الغير مجاناً ومن هنا فقط كانت
مشروعيتها"3… وقد وُفِّق ابن خلدون في كثيرٍ مما خلص إليه من
نتائج ، وتأثر بمنهجه تقي الدين المقريزي (المتوفي 845 هـ / 1441 م) في
دراسته لظاهرة المجاعات المتعاقبة في تاريخ مصر بكتابه "إغاثة الأمة بكشف
الغمة" .