الاجتهاد والتجديد بين المقاصد والقوالب

وائل مرزا

إن من محاور عملية الاجتهاد الأصيلة ، التي تنبثق من الفقه العميق للرسالة الخاتمة ، وتعتبر مدخلاً حيوياً مستمراً لعملية التجديد ، وجودُ تلك العقلية التي ترتبط بالقيم و الأصول و المقاصد ، لا بالقوالب و الأشكال ...

وإن من آفات العقل المسلم الخطيرة ذلك الارتباط و الالتصاق بالقوالب و الأشكال التي يُحسبُ أنها حقَّقت القيم و المقاصد في زمان معينٍ و مكان معين. و هذه ممارسةٌ غالباً ما تكون دوافعها - في مراحلها المبكرة - الارتباطَ بالقيمة أو المقصد ، حتى إذا ما مرَّ الزمان و ضعفت فعاليةُ العقل المسلم و انخفضت درجة تحفُّزهِ ، وبالتالي قدرتهُ على ملاحقة و فهم تغير الظروف و الأحوال ، ضعف الارتباط بتلك القيمة و ذلك المقصد شيئا فشيئاً ، و بقي الارتباطُ قوياً ومباشراً فقط بالشكل أو القالب الذي كان يحققهما في يوم من الأيام ، حتى يُصبح أخيراً الارتباط بالقالب الأثر الوحيد المتبقي من استحضار القيمة أو المقصد .

وبهذا .. يَتركُ المسلم - عن غير إرادةٍ منه - لقوانين المصادفة مهمة تحقيق أو عدم تحقيق القيمة و المقصد الأصلي تبعاً لزمان و مكان جوده ، فمرةً يكون في بقعةٍ من الزمان و المكان تتحقق فيها القيمة بذلك القالب دون أن يطغى ذلك على تحقيق قيمةٍ أخرى أكثر وجوبا ، وفي مرةٍ أخرى يكون في بقعةٍ تتحقق فيها القيمة بذلك القالب ولكن على حساب قيمةٍ أخرى أخطر شأناً وأكثر وجوبا ، و في مناسبةٍ ثالثة يكون في بقعةٍ لا تتحقق فيها تلك القيمة بذلك القالب ابتداءً ، و في مناسبةٍ أخيرة يكون في بقعة يتحقق فيها ما يخالفُ و يعاكس تحقيق القيمة عند محاولة تحقيقها بذلك القالب …

وهكذا ، تمضي الحياة العملية للأمة في أطوار من الجمود والسبات الطويل ، عطفاً على منهجٍ في التفكير و التنزيل لا يمتلك القدرة على استنباط قوالب وأشكال حيوية متجددة تتحقق بها القيم والمقاصد الأصيلة التي تحكم الوجود البشري وترشده نحو الخير المتجدد … ويمتدُّ ذلك الأمر ليصبغ مساحةً ممتدةً من مناشط الحياة على مستوى الفرد والجماعة سواء . من أمثلتهِ ارتباطٌ مُقدَّس يُلاحظ هنا و هناك في الأمة بزيٍ معينٍ للمرأة لا يُحققُ غيرُهُ - في رأي أصحابه - قيمة (السَّتر) للمرأة المسلمة ، وارتباطٌ مقدسٌ آخر - يُلاحظ أيضاً في الأمة - بشكلٍ معين للنظام السياسي في الإسلام (هو الخلافة في صورتها التاريخية) . بحيث يرى أصحاب هذا الارتباط أن غير هذا القالب لا يُحققُ قيم (العدل والحرية والشورى) التي تُعتبر - مع قيمٍ أخرى - من مقاصد ذلك النظام وأصوله المكينة .. وأمثلةٌ أخرى كثيرة على الارتباط بالقوالب التي كانت تحقق المقاصد في الماضي ولو ابتعدت عن تحقيقها الآن ، من مثل أنواع الأموال التي قال الفقهاء بوجوب الزكاة فيها ، والتي لو اقتصر الناس على تطبيقها بالحرف اليوم لما دفع كثيرٌ من الأغنياء والتجار قرشاً من زكاة … أو   العِوَض الذي يُدفعُ للأجير بدلَ عملهِ وجهده ، بقياس الأجرة على مُدِّ القمح بدعوى أن هذا كان يكفيه كما قال الفقهاء …

وبدل ترك الباب مفتوحاً أمام أشكال أو قوالب أخرى تحقق مقاصد الإسلام في سَترِ المرأة ، ومقاصد الإسلام في النظام السياسي ، ومقاصد الإسلام في فريضة الزكاة .. وتنطلق من فهمٍ عميق لمتغيرات الزمان والمكان والظروف .. يصرُّ البعض - ليس فقط على التمسك بالأشكال التاريخية المألوفة ، فهذا حكمُ تخصيصٍ ارتضوه لأنفسهم - بل وعلى إلزامِ جميع المسلمين في كل زمان ومكان بهذه القوالب والأشكال ، معتبراً كل رؤيةٍ أُخرى غير تلك التي يراها فسقاً أو نفاقاً أو معصيةً أو غير ذلك من الأحكام التي لا يمكن أن تُعتبر في ميزان العدل إلا شكلاً من أشكال الافتراء .

إن عملية الارتباط النفسي و العملي بالقالب و الشكل يُعتبر - ولاشك - وسيلةً أسهلَ على العقل البشري ، يستخدمها بِدَعوى الارتباط بالقيمة الأصلية، و ما هذا إلا بسبب الإلف و العادة من ناحية و بسبب صعوبة تفكيك النظام الاجتماعي و الأخلاقي و الثقافي الذي بُني مع الأيام حول ذلك القالب من ناحيةٍ ثانية .. الأمر الذي يتطلب جهداً ، ومن ثم حضوراً ، عقلياً وثقافياً واجتماعياً متواصلاً ومتحفزاً إلى أبعد الدرجات ..

ولاشك أن هناك عاملين حاسمين يلعبان دوراً في هذه المفارقة العقلية الشرعية ، سنحاول أن نشرحهما ونناقشهما في السطور القادمة:

العامل الأول : هو ذلك (الخوف) الذي يصيب (البعض) على دين الله و شرعه و حُرُماته و تعاليمه .. الخوف من (أنفسهم) أو من (الأمة) .. الخوف من (فتح) باب العقل و الحكمة و الفقه الذي يجعل الطريق سالكاً أمام إبداع (قوالب) و أشكال متجددة على الدوام مع تجدد الظروف و الأحوال ، بحيث يحقق كل منها القيمة و المقصد بالشكل الذي يناسب الظرف و الحالة . الأمر الذي يرى فيه هؤلاء مدخلاً و مُنزلَقاً لمختلف معاني التميع و الانفلات و الانحراف ... فيكون خيارهم (الأحوطَ في رأيهم) مواربةُ ذلك الباب ، بل و إغلاقُهُ بالقفل و المفتاح إن كان إلى ذلك سبيل ، (حفاظاً) على (الحد الأدنى) الذي يعتقدون أنه محققٌ من قيم الشريعة و مقاصدها الأصيلة بالقوالب و الأشكال المألوفة …

مناقشة العامل الأول : إن التفكير بهذه الطريقة ربما يليق (على أنه حكم تخصيص) (بأفرادٍ) هنا و هناك .. يرضون من هذه الشريعة بإشعاعٍ خافت لا يتجاوز بقعاً محدودةً من الزمان و المكان .. إلا أنه لا يليق (حكماً عاماً) (بأمةٍ) تفهم هذا الدين على أنه جهادٌ مستمرٌ و متطاولٌ عبر مراحل الزمان و المكان ، يهدف أساساً لحفظ التوازن و التواصل بين قدرتين أصيلتين في النفس البشرية ، تتمثلان في القدرة على التمسك بحبل الله المتين من جهة ، و على السير في الأرض و إعمارها إبداعاً و تنويعاً و تفاعلاً مع متغيرات الحياة من جهة أخرى. إن عملية الصراع و الجهاد النّفسي تلك هي التي تُولِّدُ احتكاكاً و شرراً يُشعلُ فتيل النور الباهر لهذا الدين ، و هي التي تحفظُ له رونقهُ و تألُّقهُ و لمعانه الأصيل، وهي التي تؤكد خلوده وصلاحيَّتهُ لكل زمانٍ ومكان ، و هي التي تدفعهُ دفعاً لأن يمارس دوره و مهمته في هذه الدنيا ، فيبثَّ الروح في هذه الحياة الإنسانية و يطلق في النفس البشرية الطاقات الجبارة التي تليق بصلتها و نسبها إلى نفخة الروح الإلهية فيها .

إن هناك نَسَباً وعلاقةً بين خلقِ الإنسان ووجودهِ و بين نفخة الروح الإلهية التي تهبهُ الحياة و القدرة على الفعل و الحركة . وإن من معاني ذلك النَّسب الذي اقتضتهُ إرادةُ الله ، امتلاكُ الإنسان لِمقادير محدودة – كمّاً وكيفاً - من بعض الصفات التي يتّصفُ بها الله جلَّ ثناؤه . فهو سبحانهُ الذي قضى بأن يمتلك الإنسان درجاتٍ من القدرة و الإرادة ، والأمر و النهي ، والعلم و الحكمة ، والفهم والفقه ، والعطاء و المنع ، والقبض و النشر ، والرحمة و الوُدّ ، والكرامة و العِزّ ، والصفح و الغفران ، و الإنشاء و الختم … وإذا لم تكن هذه الصفات من معاني نسبة الإنسان إلى خالقه فلا ندري ماذا يكون من معانيها… هذا إضافةً بطبيعة الحال إلى ما اختصَّ به الإنسان من معاني النسبة إلى قبضة الطين ضعفاً و قصوراً و نقصاً و جهلاً ،  مما يتنزَّهُ الله سبحانه و يتعالى عنه علواً كبيرا .

إن الصَّغارَ الذي يستحقه إنسانٌ يظن أنه (القادر) (المريد) [بأل التعريف] ليَصدقُ بالدرجة نفسها على إنسانٍ يقعدُ به فهمه و تقعدُ به همّتهُ و احترامه لكرامته و لنسبته إلى نفخة الروح الإلهية عن أن يظنَّ في نفسه (قدرةً) و (إرادةً) و (فعلاً) بدعوى التسليم و الإجلال لمقام الله سبحانه . إنما الاحترام للنسبة إلى نفخة الروح يقتضي أن (يريد) الإنسان و (يفعل) و (يقدر) إلى أقصى طاقةٍ يبلغها جهدهُ ، و هو مؤمنٌ إلى أقصى درجات الإيمان أن ذلك إنما هو أثرٌ و امتدادٌ و فرعٌ عن قدرة الله و فعله و إرادته الشاملة الطليقة يهبها حين يشاء و يمنعها حين يشاء ابتداءً ، وقد اقتضت مشيئتهُ تعالى أن يهبها بتلك النسبة و الطبيعة و الحدود لتكون سنةً ثابتةً تعينُ المخلوق على أداء مهمته في الحياة . و هذا تصورٌ لابُدّ من وضوحه في العقل المسلم ، يمنحه الراحة و المرونة اللازمة للفعل و الإبداع و التغيير و التجديد المتواصل دوراناً مع القيم و الأصول و المقاصد ، دونما خوف (يمليه جهلٌ أو كسلٌ و إيثارٌ للراحة) مما قد يحسبُهُ – واهماً - تعدّياً ليس فقط على حقوق الله و تعاليمه بل على صفاته و خصائصه .

العامل الثاني : أما العامل الثاني الذي يلعب دوراً في ارتباط العقل المسلم بالقوالب و الأشكال دون القيم و المقاصد ، فإنما يتمثل في ذلك الخلط النفسي و المنهجي بين (العقائد) و (العبادات) من جهة و بين (المعاملات) من جهة أخرى عند التفكير في علاقة القوالب بالمقاصد …

مناقشة العامل الثاني : إن عظمة هذا الدين و روعته و كماله إنما تتجلى في تمييز ذلك التوزيع الرائع لأدوار كل من (العقائد) و (العبادات) و (المعاملات) في حياة المخلوق البشري و حركته على هذه الأرض ، و في علاقة ذلك التوزيع بالوقت و الجهد الذي تأخذه كل واحدةٍ من تلك المعاني الثلاث في حياة الإنسان . فالإنسان الذي تريد الشريعة تكوينه هو ذلك الإنسان الذي تحكمُ حركَتَهُ ابتداءً على هذه الأرض رؤيةٌ محددةٌ يرسمها خالقٌ ، يعلم طبيعةَ مخلوقاته . وتلك الرؤية تُحدِّدُ العلاقة بين الخالق و الإنسان ، ثمَّ بين الإنسان والزمان و المكان و عالم الغيب و عالم الشهادة ، تلك الرؤية هي (العقائد) وهي المحرك الداخلي الأساسي لحركة الإنسان . ثم إن هذا الإنسان بِحُكمِ (إنسانيته) و ما يتفرع عنها من محدوديةٍ و ضعفٍ و قصور يحتاج في حركته إلى محطاتٍ زمانية و مكانية للوقود و الشحن ، أو الصقل و التهذيب و التذكير ، وهنا يأتي دور (العبادات) بتنوعها و حكمتها التي تليق بخالقٍ يعلم أحوال مخلوقه في كل أطوار ضعفه و قوته لتكون دوماً زاداً على الطريق …

لهذا ، تمتدُّ مساحةُ الآيات في المصدر الأول للشريعة لتقارب كامل مجموع الآلاف الستة من آي القرآن و هي تؤكدُ على طرح كل ما له علاقة بـ (العقائد) و (العبادات) قيماً و أشكالاً ، مقاصدَ و قوالبا ، طرحَ تحديدٍ و شرحٍ و تدريبٍ و تفصيلٍ إلى أبعد الحدود ، عبر القصص و الدروس و العبر على امتداد مساحات الزمان و المكان . ثم تأتي بعد ذلك الآيات الـ (228) الخاصة بالمعاملات (كما ذكر الفقهاء) بنسبةٍ لا تتجاوز الخمسة بالمئة من آي القرآن الحكيم ، فتبسط القيم و الأصول و المقاصد الكبرى للشريعة فيما يتعلق بـ (المعاملات) التي تشغل جُلَّ حياة الإنسان و تستهلك أغلب وقته على هذه الأرض . و تأتي كذلك السنة المطهرة بحجمها الضخم لتشرح في هذا المجال و تُفصِّلَ و تُوضِّح ، ثم لتطرح الاحتمالات و الأوجه والأمثلة التي تحقق القيم و المقاصد ، و تشير إلى تنوعها و تعددها من خلال تنوع و تعدد الروايات التي تنسب الأفعال و الأقوال للرسول صلى الله عليه و سلم في مختلف الظروف و الأحوال .

ويتساءل الإنسان هنا: لماذا خُصِّصت هذه النسبة الضئيلة من آيات القرآن لجانب المعاملات في حياة الإنسان مع أنَّ هذا الجانب يأخذ أكثر حياة الإنسان على الأرض؟ إن اختصاص هذه النسبة الضئيلة من آي القرآن بأنواع المعاملات لم يكن له أن يكون (و الله أعلم و لا نتألّى عليه سبحانه) تهويناً و تحقيراً من شأن هذا الجانب من حركة الإنسان المتمثل في (المعاملات) ، كيف و هو جانبٌ اقتضت مشيئة الله سبحانه ، و ليست مشيئة البشر ، أن يستهلك أكثر وقت وجوده البشري على هذه الأرض . وكيف وعدلُ الله أكبرُ من أن يترك الإنسان بدون بيانٍ وتفصيلٍ للمنهج الذي يتبعُهُ في نشاطات حياته الأخرى جميعا .

و كذلك فإن اختصاص ذلك الحيّز الضخم من آيات القرآن بالعقائد و العبادات ، و هي إما أن تكون حركةً في الضمائر و القلوب لا تستغرق الأوقات عملياً (العقائد) ، أو أن تكون أفعالاً معينةً لا تستهلك عملياً سوى نسبةٍ ضئيلة من عمر الإنسان (العبادات) ، نقول: إن هذا الأمر ليس هزلاً وعبثاً لا داعي له ، جديرٌ بنا أن ننزِّهَ الله سبحانه عنه . و إنما نلمح الحكمة (و الله أعلم) حين ننظرُ إلى التوزيع لا على أنه خطورةُ جانبٍ في حياة الإنسان وحقارةُ جانب ، بل على أنه تحديدٌ دقيقٌ للأدوار في حياة الإنسان . فالقيادة الفكرية والروحية (متمثلةً في العقائد و العبادات) وظيفتها هي تمكين الإنسان من أداء دوره (متمثلاً في المعاملات و ما ينتج عنها من إعمار الأرض) .

إنه ليس من طبيعة (العقائد) و (العبادات) أن تعمر الأرض وحدها ، وإنما اقتضت مشيئة الخالق سبحانه أن يعمرها الإنسان الذي تصيغُ عقلهُ وقلبهُ وروحهُ تلك العقائد والعبادات ، بغرض تمكين الإنسان من أداء (دوره) و تحقيق الغاية من وجوده الإنساني ، متمثلاً في كل ما ينتج عن عالم (المعاملات) من إعمارٍ و إنجاز و حضارة .

و من هنا كانت الأهميةُ البالغة في أن تكون (العقائد) و (العبادات) منظوماتٍ كاملة و نهائية و قاطعة من القيم (أي المقاصد) و القوالب (أي الأشكال) التي لا مجال و لا حاجة للعقل البشري إلى تجديدٍ و اجتهادٍ فيها بحكم مصدرها العليم بصلاحها لما وُضِعت له ، و في أن يكون كل ما له علاقة بـ (المعاملات) مجموعةً من القيم و الأصول و المقاصد ، تنبثق من التصور الأساسي (من العقائد) ، وتستمد زاداً متجدداً على الطريق (من العبادات)، ثم تتفاعلُ في طلاقةٍ و حرية ، و احترامٍ لنسبتها إلى نفخة الروح و ما تعنيه تلك النسبة ، مع متغيرات الزمان و المكان و الأحوال و الظروف ، عمارةً للأرض ، و (تحقيقاً) لغاية الوجود الإنساني ، و إتماماً لنور الله بين المشارق و المغارب ، و تلخيصاً لقصة الوجود البشري على هذه الأرض و في هذه الحياة .

والمحظورُ الخطير الذي يجب الانتباه إليه وتجاوزهُ في هذه القضية هو ذلك الإرهابُ الفكريُّ المعنوي والمادي الذي يمكن أن يُمارس على كلّ من يتحرك وفق هذا الفهم الأصيل . ذلك أن تغيير القوالب والأشكال بِغرضِ تحقيق المقاصد والقيم – حتى على مستوى حياة الإنسان الشخصية – يمكن أن يَظهرَ بشكل تغييرٍ في بعض مواقف الإنسان وأفعاله ، أو حتى في مظهره وهيئته ، الأمر الذي يمكنُ أن يوصف فوراً بأنه (انهزاميةٌ) أو (ذَوَبانٌ) أو (ضعفٌ و رِقّةٌ في الدين) بغض النظر عن التقويم الحقيقي لذلك التغيير . إن هناك فرقاً هائلاً بين مسألة (الثَّبات على المبادىء) وبين مسألة (عدم التغيير) التي يُصرُّ عليها العقل المسلم في كثيرٍ من الأحيان . وهذا الخلط بين الأمرين خطأٌ منهاجيٌ كبير يؤدي إلى كثيرٍ من الإشكاليات ، ليس أقلُّها الوقوع في براثن الجمود والتقليد والتحنُّط ، ومنع كل نسائم التجديد والتطور .. وتجاوز هذه العقلية أو مواجهتها يحتاجان إلى الكثير من الشجاعة والصبر واليقين القاطع بأن هذا النوع من الغربة هو سبيلُ الحق وبأنه بذاتهِ دليل الصواب …

وأخيراً ، فإن هذا الطرح لا ينبغي أن يُفهمَ على أنه يندرج في إطار التنظير المجرّد ، ولذلك فإنه لا يتوجّهُ إلى هواة التنظير والكلام ، ولا إلى من يدَّعون نَسَباً إلى معاني الاجتهاد والتجديد ، ممن يجتزئون قيم الإسلام الجامعة ، ويختزلون معانيه الكبرى ، ليحصروها فيما يوافق هواهم ومصالحهم الفردية من الأمور ، وما أكثر هؤلاء في هذه الأيام .. وإنما نتوجّهُ به إلى من يتحرك في ميادين الحياة أنّى كانت ، بروح المُجاهد الرابض على الثغور ، وخاصةً منهم أصحاب الاختصاصات المتنوعة ، عسى أن ينطلقوا في مجالاتهم بكل القوة والإخلاص والجهد من مقاصد الإسلام وأصوله وقيمه ، ليفقهوا هذا المعنى ويعملوا على إبداع قوالب مختلفة وأشكال جديدة تُحقق تلك المقاصد والأصول والقيم ، وتُبيِّنَ حقيقةً وبشكلٍ عمليّ – وليس ادِّعاءً على المستوى النظري فقط - شمولَ الإسلام وخلود رسالته المُعجزة وصلاحيّتها المُطلقة لكل زمانٍ ومكان .