إشكالية
منطق "المؤامرة" في تفسير الأحداث والتاريخ
قسم
الأبحاث
لا
تكاد تمر أزمةٌ من الأزمات المتلاحقة التي تحلُّ بالمسلمين في مختلف بقاع الأرض
إلا ويظهر منطقٌ في تفسير تلك الأزمة يؤكد على أن ما يجري إنما هو
"مؤامرة" ، سواء كان ذلك مُتعلقاً بأسباب الأزمة أو وقائعها أو نتائجها
العملية . وربما يختلف حجم القناعة بذلك المنطق والإصرار عليه من موقعٍ لآخر ومن
جهةٍ لأخرى ، لكن المؤكد أن هذا المنطق لا يزال يتحكّمُ في طريقة تفكير شرائح
واسعة من العرب والمسلمين في قضاياهم ، خاصةً حين يتعلق الأمر بالقضايا
السياسية التي تمس وجود المسلمين في هذه البقعة أو تلك من العالم ، وما أحداث
كوسوفا الأخيرة إلا مثالٌ واحدٌ في هذا المجال .
والمشكلة في هذه العقلية لا
تكمن بطبيعة الحال في ما يمكن أن ندعوه الاجتهاد الخاطىء في تفسير الأحداث
والتاريخ ، وإنما هو أعمق من ذلك بكثير لأنه يمثل خطأً في منهجية وطريقة التفكير
والتحليل من الأساس ، على عكس الاجتهاد الخاطىء الذي ينبني على منهجية تفكيرٍ
سليمة ولكنه يُنتجُ الخطأ بسبب نقصٍ في المعلومات أو غير ذلك من العوامل . والخطأ
في منهجية التفكير أمرٌ بالغ الخطورة لأنه يضع الأفراد والجماعات على
"السِّكة" الخطأ منذ اللحظة الأولى ، بحيث لا يعود هناك بعدها مجالٌ
للتصحيح و التصويب ، وبحيث يصبح هذا الخطأ الأساسي الخطوة
الأولى في سلسلةٍ متتاليةٍ من الأخطاء على صعيد اتخاذ المواقف والقرارات وغيرها من
ردود الأفعال النظرية والعملية .
ولكن
.. هل يعني هذا الرفض لاستعمال منطق "المؤامرة" في تفسير الأحداث
والقضايا أن نقع بالمقابل في فخ السذاجة الفكرية والطفولة السياسية التي تفترض
أن تلك القضايا تقعُ وأن أحداثها تتالى بِمَحضِ العفوية الكاملة دون أن يكون
وراءها تخطيطٌ وتدبير؟ لا بالتأكيد .. فمنطق "المقابَلَة" و
"المتعاكسات" و "الثنائيات" هو بحدّ ذاته خطأٌ آخر بل وشكلٌ
آخر من أشكال الإصابة الفكرية التي يتخبط فيها أحياناً العقل العربي والمسلم في
هذا العصر ، هذا المنطق الذي لا يرى إلا وجهين لكل قضيةٍ ومسألة ، فإذا نفيتَ له
أحد الوجهين قفز إلى استنتاجٍ مؤكدٍ بأنك بالضرورة تُثبتُ الوجه الآخر وتؤكدهُ
وتوافقُ عليه .
و
مفرق الطريق للخروج من هذه الإشكالية إنما يتمثل في تحرير الفرق بين معنى
"المؤامرة" بالشكل والتعريف الذي يُصاحبُ استخدام المصطلح عند العقل
العربي والمسلم خاصةً وعند الإنسان أياً كان ، وبين مسألة التخطيط والتدبير
كما يمكن فهمها وتعريفها بناءً على الرؤية الموضوعية لهذه المسألة .
أما
منطق المؤامرة فإنه يمتدُّ على مستويين للتفكير ، أحدهما عامٌّ كُلِّي والآخر
جزئيٌ محدد . فعلى المستوى الأول ينظر المرء إلى الأحداث الكبرى التي تقع
من حوله فلا يجد تفسيراً لها إلا أن وراءها مجموعةً من العوامل التي تتفاعل و
تُحرِّكُ الأحداث بأشكالٍ عجيبةٍ و طُرُقٍ مُعجزةٍ تستعصي على الفهم والإدراك .
وبتحليل مثل هذه الرؤية ، نجد في خلفيّتها أشخاصاً يتحركون في الظلام كالأشباح
، ونجد جهاتً خفيّةً مجهولةً تمسك بالخيوط وتحركها مباشرةً من وراء السُتُرِ
الكثيفة لتصل إلى غاياتٍ لا فكاك ولا مهرب منها وكأنها قدرٌ من الأقدار . من
هنا تأتي مصطلحاتٌ وتعابير من مثل "المخططات الجهنمية" وما إليها ..
لتختصر وتختزل المعاني السابقة وتُعبّر عنها في لفظٍ أو لفظين ، بحيث يصبح من
السهل استدعاءُ تلك المصطلحات من الذاكرة الثقافية واللغوية واستعمالها في أي وضعٍ
تنطبق عليه الرؤية السابقة . الأمر الذي لا يترك أي فرصةٍ لمحاولة التفكير في
الحدث الجديد بُغية تحليله بشكل منهجي و موضوعي .
أما
على المستوى الثاني ، فإن تفسير الحدث المُعقّد يصبح مُنصَباً على
عاملٍ واحد مُحدّد عنده قدرةٌ هائلةٌ على التأثير في كل شيء و بالتالي على
تفسير كل شيء . ويمكن أن يكون هذا العامل شخصاً (مثل زعيمٍ أو قائد معين) أو
جهة (مثل أمريكا أو حلف شمال الأطلسي) أو معنىً عاماً مجرداً (مثل الاستعمار أو
الصليبية العالمية أو حتى المال) . وبنفس الطريقة ، تتواجد في خلفية هذه الصورة
قوةٌ جبارةٌ مخيفة تُحركُ الأحداث وتتحكم في الأمور وتُسيّرُ مصائر البلاد والعباد
دونما قدرةٍ منهم على الرفض أو المقاومة . ولكن الفرق بين هذه الصورة والصورة
السابقة أن القوة المسيطرة هنا مُحدّدةٌ معروفة ، وليست متمثلةً في مجموعةٍ من
العوامل المجهولة الخفية .
وفي
كلتا الحالتين يتضح لنا أن استخدام منطق "المؤامرة" ليس منبثقاً من فراغ
، وإنما يأتي من حاجةٍ إنسانيةٍ غريزيةٍ لتفسير كل شيءٍ يجري من حوله في هذه
الحياة . وفي هذه الحالة بالذات يشعر ذلك الإنسان بالحاجة إلى اللجوء لاستخدام هذا
المنطق لأنه ينطلق من خلفية إنسانٍ عاجزٍ عن الفعل تماماً .. إنسانٍ يشعر في
أعماقه أن تلك الأحداث خارجةٌ كُلياً عن إطار سيطرته وقدراته .. فإذا أضفنا إلى
هذه المشاعر إشكاليتي التعتيم والتزييف اللتين تُحاصران العقل العربي والمسلم فيما
يتعلق بمسألة المعلومات ، خاصةً منها ما يتعلق بدقائق السياسة ودهاليزها ، وأضفنا
كذلك ضعف – وأحياناً انعدام – قدرة ذلك العقل على ممارسة عملية التركيب والتحليل
الحساسة ، لما لديه من معلومات للوصول إلى رؤيةٍ أقرب للصواب لما يجري من حوله في
هذا العالم .. فإن من الممكن لنا حينذاك رؤية عناصر المزيج الثقافي والنفسي الذي
تنتج عنه العقلية التي تعتمد على منطق "المؤامرة" في تفسيرها للأحداث .
وإضافةً
إلى هذا ، فإن من الممكن لنا أن نلمح الدور الذي تلعبه مسألة تجاوز أهل
الاستنباط والتخصص في مختلف المجالات ، عندما يحاول الإنسان تحليل وفهم كل
أمرٍ من الأمور من منطلق تجاربه الشخصية ومعرفته المُحددة . فإذا ما قَصُرَت
عِدَّته الذهنية والعلمية عن تقديم الجواب ، استسهل اللجوء إلى تفسير القضية بمنطق
"المؤامرة" . بينما القرآن يُعلِّمنا أن اللجوء إلى أهل الاستنباط هو
الواجب في مثل هذه القضايا بقوله تعالى : "ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي
الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم" . إن العلم بالأسباب الكامنة وراء
أمرٍ من الأمور يُمكًن الإنسان من الصبر على مقتضياته ، بينما الجهل يدفع إلى الظن
والتخمين ، وبالتالي إلى الثورة العارمة أو الاستسلام الكامل . ولذلك قال
"الخضر" للنبي "موسى" عليه السلام "إنك لن تستطيع معي
صبرا" وفسَّر ذلك بقوله "وكيف تصبر على ما لم تُحِط به خبرا" .
والأمر الذي لا شك فيه أن
منطق "المؤامرة" هذا ليس حصراً على العقل العربي والمسلم ، فمن طرائف الأمور أن تجد
وتسمع في قنوات المذياع والتلفزة الأمريكية ، خلال عمليات "الناتو" في
"صربيا" كثيراً من الصرب الأمريكان ينطلقون في رؤيتهم وتحليلهم للأحداث
من عُمق منطق "المؤامرة" الذي يؤكد بكل قناعةٍ وإصرار أن من أهداف
أمريكا إعادة الامبراطورية العثمانية إلى غابر مجدها في أوروبا !! رغم ذلك ، فإن
شيوع استخدام منطق "المؤامرة" بين العرب والمسلمين خلال تلك الأحداث
خاصةً ، و قبل ذلك وبعده بشكلٍ عام ، بات يبلغ درجةً مَرَضيَّةً أصبح يشكل معها
عائقاً أساسياً أمام إمكانية فهمٍ صحيٍ سليمٍ للعالم وتعاملٍ فعالٍ معه .
وفي مقابل منطق "
المؤامرة" ، بل وكَرَدِّ فعلٍ على المبالغة في استخدامه ، يمكن أن يقع البعض
من العرب والمسلمين في إشكالية التبسيط البالغ ، إلى درجة إلغاء كثيرٍ مما يقع
من التخطيط والتدبير اللذين يُحركان الأحداث في اتجاهاتٍ معينة ، ويؤثران إلى
درجةٍ كبيرةٍ في صياغة الواقع . والحقيقة أن رفض منطق "المؤامرة"
بهذا الشكل المُتطرف يمكن أن يؤثر سلبياً في فهم أمتنا للعالم وفي قدرتها على
التعامل معه ، بنفس الدرجة التي يمكن أن تنتج عن منطق "المؤامرة" .
بينما يمكن للرؤية المتوازنة الوسطية أن تعطينا القدرة النفسية والعملية
المطلوبة لرؤيةٍ أكثر صواباً للواقع ، وبالتالي لفعلٍ بشريٍ إراديٍ فعّال
ومؤثِّر .
فالتخطيط أمرٌ ما برحت
المجموعات البشرية تمارسه منذ أزلٍ بعيد . والفارق أن قدرة الإنسان وطاقاته
الفكرية والعملية في هذا العصر بلغت مبلغاً يُمكِّنُهُ من ممارسة هذا الأمر
بأشكالٍ وعبر معطيات لم تكن تخطر على بال أجداده في العصور السابقة . والواضح أن التخطيط
ممارسةٌ ذهنيةٌ وعلميةٌ معقدة ، وأنها أصبحت علماً قائماً له أصوله وقواعده
ومقدماته ، وأن إطلاق كلمة التخطيط على أمرٍ معين لا يعني بالضرورة أن يستحق
ذلك الأمر صفة التخطيط ، فالكلمة يمكن أن تكون في كثيرٍ من الأحيان مجرد كلمةٍ بلا
مضمون . ومن أمثلة ذلك أن ترى "تخطيطاً" في كثيرٍ من البلاد تقوم به
الحكومات وتُقامُ له الوزارات ، و لا تكون نتيجته الوصول إلى الأهداف في أحسن
الأحوال ، هذا إن لم تكن النتيجة خراب البلاد وضياع العباد .. بل ربما كان هذا
العامل نفسه هو ما أَفقدَ الكلمة معناها عند العقل العربي والمسلم ، حتى بات
عاجزاً عن رؤية ما يمكن للتخطيط أن يفعله في حياة الناس على جميع المستويات ، وبات
– بالتالي - عاجزاً عن رد الأحداث إلى ذلك المعنى الخطير ، ليكون خياره الوحيد
المتبقي متمثلاً في اللجوء إلى منطق "المؤامرة" .
والأمر الآخر الذي يجب
إيضاحه أن التخطيط قد يهدف إلى تحقيق أهدافٍ شريرةٍ وخسيسة ، كما أنه قد يهدف إلى
تحقيق أهدافٍ خيّرةٍ وصالحة . أو قد تكون الأهداف التي يُرادُ الوصول إليها
بالتخطيط ضروريةً ومفيدةً لطرفٍ ما ، بينما تكون - في الوقت نفسه – ضرراً ووبالاً
على طرفٍ آخر . وكذلك يمكن أن تكون للتخطيط أهدافٌ قصيرة المدى (ربما تنتج عنها
نتائج سيئة) وأهدافٌ بعيدة المدى (تنتج عنها النتائج الجيدة المُنتظرة) ، والعكس
صحيح . من هنا نجد أن مسألة التخطيط – بذاتها – ليست صفةً محايدةً كلياً ،
وإنما هي مُجردُ أداةٍ تتحكم في أهدافها وفي غاياتها المنطلقات العقَديّةُ
والفلسفية الأساسية لمن يستخدمها في جميع الأحوال .
وإضافةً إلى هذا ، فإن عملية
التخطيط يمكن أن تُمارس في السر كما يمكن أن تُمارس في العلن ، وفي كثيرٍ من
الأحيان فإنها تُمارس على المستويين . غير أن من ملامح هذا العصر أن حجم السرية
ما انفكَّ يتناقص – لمن يعيش عصره حقاً - مع ثورة المعلومات والاتصالات الانفجارية
المعاصرة ، بحيث باتت أهدافُ كثيرٍ من الجهات – خاصةً على الصعيدين السياسي
والاقتصادي – معروفةً ، وصارت الإمكانات التي تقع تحت سيطرتهم مادياً ومعنوياً
معلومةً ، بل وأصبحت نماذج الطرائق و (السيناريوهات) التي تُستخدم للوصول إلى
الأهداف معروضةً وموثّقةً في الكتب والندوات والدورات العلمية .. ولم يبقَ في
طي الكتمان إلا بعض الأمور التنفيذية والمداخلات الشخصية التي لا تمنع من يَفهمُ
عصرهُ من استقراء الملامح الأساسية للخطط والتدابير ، ومن تحضير الأساليب والوسائل
ورسم البدائل الممكنة للتعامل معها إذا كانت تمسُّ وجودَهُ وحاضرهُ ومستقبله ..
إلا أن من الطبيعي أن تظهر
آثار التخطيط ونتائجه أضخم بكثيرٍ من حقيقتها وتأخذ صفتها الإعجازية حين يكون
الطرف المقابل غائباً – إلى حدٍ بعيد – عن فهم عقيدته وفلسفته في الحياة من جانب ،
وعن فهم العالم والعصر من جانب آخر . وقد اشتكت العرب قديماً فقالت "إن البغاث بأرضنا يستنسر" وأوضحت بأنه "استأسد الحمل لما استنوق الجمل" ، للدلالة على أن استصغار
الإنسان لنفسه إنما هو الخطوة الأولى في طريق خوفه من الآخرين ورؤيته لهم أكبر
وأقوى بكثير مما هم عليه في الحقيقة . ثم جاء القرآن الكريم ليوضح الخلفية
النفسية من وراء العلاقة بين الاستكبار والاستصغار فوصف فرعون بقوله "فاستخفَّ
قومهُ فأطاعوه" ، ليكون هذا معلماً من معالم حركة الإنسان المؤمن الواعي على
هذه الأرض يتمثل في أن رفض الاستخفاف والاستصغار هو المقدمة العملية ليعود الأعداء
أو الكائدون إلى أحجامهم الحقيقية . ومعلومٌ أن رفض الاستخفاف والاستكبار ليست
كلمةً تُقال ، وإنما هي ممارسةٌ عمليةٌ تبدأ وتنتهي بامتلاك الزاد المطلوب من عدة
الإيمان والعلم والوعي والعمل .
وغنيٌ عن القول أن التخطيط
يشمل فعاليات الحياة الإنسانية المختلفة ، فهو موجودٌ ومُلاحظٌ على الصعيد
الاقتصادي كما على الصعيد السياسي والصعيد الاجتماعي .. والأمثلة في هذه المجالات
أكثر من أن تُعدَّ وتُحصى . ففي مجال الاقتصاد والأعمال تخطط الشركات الكبرى
لاقتحام أسواقٍ معينة عبر مخططات طويلة الأمد ، كما اقتحمت شركات السيارات
اليابانية السوق الأمريكية ، وذلك عبر تخطيط يعتمد على دراسة شخصية الأمريكي الذي
يرغب في استخدام سياراتٍ فارهةٍ ولكنها تكلف من الوقود أقل ما يمكن ، أو كما
اقتحمت شركة الكمبيوتر العملاقة "مايكروسوفت" مجال تنسيق الخطوط العربية
عبر مخطط تدريجي أدى إلى انهيار الشركات العربية العاملة في هذا المجال أو
انسحابها منه ، أو كما تُخطط بكل جدية ودأب "شركة التلغراف والهاتف الأمريكية
/ AT & T" لاقتحام
أسواق الشرقين الأوسط والأقصى بناءً على دراسةٍ أظهرت أن مجال الاتصالات في العالم
يسير باتجاه إلى أن تتحكم فيه في المستقبل مجموعةٌ محدودةٌ من الشركات . والأمر
الذي ينبغي التفكير فيه لا ينحصر في طرائق تلك الاقتحامات والاختراقات ، وإنما
يتجاوز ذلك إلى الآثار الحضارية و الثقافية والاقتصادية والسياسية التي نجمت
وستنجمُ عنها في المستقبل ، والتي يمكن أن تترتب عليها اختراقاتٌ جديدة .. ربما
يعود العقل العربي والمسلم إلى ردِّها مرةً أخرى آنذاك إلى وجود
"مؤامرة" ..ناسياً الأسباب المنطقية التي أدت إليها في المراحل
السابقة .
وبنفس الطريقة ، يمكن أن
نفكر في التخطيط السياسي للغرب بشكل عام ، وللولايات المتحدة بشكلٍ خاص .
فأهداف السياسة مُعلنة ومطروحةٌ كما ذكرنا ، تُدرَّسُ في الجامعات ، وتُشرحُ في
الكتب والمراجع ، وتُناقشُ في الندوات والمؤتمرات وفي وسائل الإعلام .
والملاحقة المنهجية لهذه الأمور
تُمكِّن المُتابع لها أن يفهم بشكلٍ معقول – على سبيل المثال - الدور
المنوط في المرحلة القادمة على الساحة العالمية بمنظمة "حلف الناتو" ،
وأن يدرك ارتباط هذا الدور بمصالح الغرب المتشابكة وبالمبادىء المُعلنة التي تقوم
عليها حضارته من جهةٍ ثانية ، بحيث يستطيع الإنسان المتابعُ - بعد ذلك - أن يرسم
إطاراً عاماً يفهم ويستقرأ من خلاله الوقائع والأحداث التي تجري عملياً على أرض
الواقع ، وأحياناً حتى قبل أن تقع ، دون الحاجة إلى اللجوء إلى منطق
"المؤامرة" السالف ذكره في فهم الأحداث .
وباختصار ، فإن ما نريد
الإشارة إليه في هذه المقالة هو ضرورة الانتقال في فهمنا للأحداث من استعمال
منطق "المؤامرة" إلى استعمال العقل والعلم و المنهجية بغية البحث عن
العلل والأسباب المنطقية الكامنة وراء تلك الأحداث .
وكما أشرنا سابقاً ، فإن إشكالية فهم الظواهر والأحداث وفقاً لذلك المنطق ليس مُشكلاً بحد ذاته فقط ، وإنما هناك إشكالياتٌ أخرى تنبع عنه على مستوى الفعل ، ربما تكون أكثر خطورةً في التأثير على مصائر الشعوب . ويتضح هذا أكثر ما يتضح حين يقوم منطق "المؤامرة" بإعطاء زخمٍ هائل لمشاعر العجز والاستسلام ، باعتبار أن القوى التي تحركُ الأحداث أكبرُ بكثير وأقوى بمراحل من مجرد التفكير بكيفية التعامل معها ومواجهتها مواجهة الند للند . بحيث تُدخِلُ العقلية التي تستخدم منطق "المؤامرة" أصحابها في حلقةٍ مفرغةٍ خائبة ، لأنها تَصدرُ - من ناحيةٍ - من واقع العجز والكسل والارتخاء والرضى بالدونية ، ثم إنها تُنتجُ - من ناحيةٍ أخرى – مشاعرَ في قلب الإنسان وعقله تؤكد وتُرسِّخُ واقع العجز والكسل والارتخاء ذاك ، و لا تسمح له برؤية طريقٍ منطقيٍ ممكن لتفسير الأحداث ثم للتعامل معها بشكلٍ إيجابي يُوقف مُتتاليةَ الخذلان والاستسلام والتراجع ويعود بالخير على الأمة وعلى البشرية جمعاء .