إلى
أن نلتقي ..
ابن المقفع
هذه نافذة مفتوحة على الشعر والفن والأدب ، ومساحة حرة
للحوار الخفيف . نخاطب المثقفين و القراء من خلالها ، و نفتح الباب لمن يرغب منهم
في الحوار حول باقة منوعة من الشؤون والشجون ، عبر الرموز والتشابيه والاستعارات
حينا ، وعبر المباشرة والتعيين أحيانا . وكل مانرجوه منها أن تتنوع مستويات خطابنا
وتتعدد "موجاتُهُ" بشكل يجعل أجهزة الاستقبال عند قرائنا جميعا قادرة
على التقاطه في جميع الأحوال ..ولما كانت إدارة التحرير قد أعادت في هذا العدد
إحياء ذكرى أديب العربية والإسلام العملاق "مصطفى صادق الرافعي" ، فإننا
نقدم في هذا الباب هذه القصة التي تحمل توقيع قلمه وجمال أسلوبه وغزارة معانيه
وعُمقَ دلالاته …
ذهب الشيخ أبو الحسن بُنان الحمّال الزاهد الواسطيّ شيخ
الديار المصرية إلى أمير مصر (أحمد بن طولون) يُعنِّفُهُ ويأمره بالمعروف وينهاه
عن المنكر ، فطاش عقل الأمير وأمر بإلقاء الشيخ إلى الأسد ..
قال الراوي الذي شهد المشهد: وجيء بالأسد من قصر ابن
الأمير (خمارويه) ، وكان مشغوفاً بالصيد لا يكاد يسمع بسبعٍ في غيضةٍ أو بطنِ وادٍ
إلا قَصدهُ ومعه رجالٌ عليهم لبود ، فيدخلون إلى الأسد ويتناولونه بأيديهم من
غابِهِ عنوةً وهو سليم ، فيضعونه في أقفاص من خشب مُحكمة الصنع يسعُ الواحد منها
السبع وهو قائم .
وكان الأسد الذي اختاروه للشيخ أغلظَ ما عندهم ، جسيماً
ضارياً عارم الوحشية ، مُتزيِّلَ العضل ، شديد عصب الخلق ، هرَّاساً فرَّاساً ،
أهرتَ الشّدقِ يلوح شدقهُ من سِعتهِ و روعتهِ كفتحة القبر ينبىء أن جوفهُ مقبرة ،
ويظهر وجههُ خارجاً من لبدته ، يهمُّ أن ينقذفَ على من يراه فيأكله !
وأجلسوا الشيخ في قاعةٍ وأشرفوا عليه ينظرون ، ثم فتحوا
باب القفص من أعلاه فجذبوه فارتفع ، وهجهجوا بالأسد يزجرونه ، فانطلق يزمجرُ و
يزأرُ زئيراً تنشقُّ له المرائر ، ويَتوهمُ من يسمعهُ أنه الرعدُ وراءهُ الصاعقة !
ثم اجتمعَ الوحش في نفسه واقشعرّ ، ثم تمطَّى كالمنجنيق يقذفُ الصخرة ، فما بقي من
أجَلِ الشيخ إلا طرفةُ عين .
قال الراوي:
ورأيناه مع ذلك ساكناً مطرقاً لا ينظر إلى الأسد ولا يحفلُ به ، وما
منّا إلا من كاد ينهتكُ حجابُ قلبه من الفزع والرعب والإشفاق على الرجل . ولم
يرُعنا إلا ذهول الأسد عن وحشيته ، فأقعى على ذَنَبهِ ، ثم لصق بالأرض هنيهةً
يفترش ذراعيه ، ثم نهض نهضةً أخرى كأنه غير الأسد ، فمشى مُترفِّقاً ثقيل الخطو
تُسمعُ لمفاصلهِ قعقعةٌ من شدّتهِ وجسامّتهِ ، وأقبلَ على الشيخ وطفقَ يحتكُّ به
ويلحظُهُ ويشمُّهُ كما يصنع الكلبُ مع صاحبه الذي يأنسُ به ، وكأنهُ يُعلنُ أن هذه
ليست مُصاولةً بين الرجل التقي والأسد ، ولكنها مبارزةٌ بين إرادة ابن طولون
وإرادة الله ! ..
وضرَبتهُ روح الشيخ فلم يبقَ بينه وبين الآدميّ عمل ولم
يكن منهُ بإزاء لحمٍ و دم ، فلو أكلَ الضوء والهواءَ والحجر والحديد ، كان ذلك
أقربَ وأيسرَ من أن يأكل هذا الرجل المتمثل في روحانيته لا يُحسُّ لصورة الأسد
معنى من معانيها الفاتكة ، ولا يرى فيه إلا حياةً خاضعةً مُسخّرةً للقوة العظمى
التي هو مؤمنٌ بها ومتوكلٌ عليها ، كحياة الدودة والنملة وما دونها من الهوامّ
والذّر ! ..
و وَردَ النور على قلب هذا المؤمن يكشفُ له عن قرب الحق
سبحانه وتعالى ، فهو ليس بين يدي الأسد ، ولكنه هو والأسد بين يدي الله ، وكان
مُندمجاً في يقين هذه الآية: (واصبر لِحُكمِ ربك فإنك بأعيننا) !..
ورأى الأسدُ رجلاً هو خوف الله ، فخاف منه ، وكما خرجَ
الشيخُ من ذاتهِ ومعانيها الناقصة ، خرجَ الوحشُ من ذاته ومعانيها الوحشية ، فليس
في الرجلِ خوف ولا همٌّ ولا جزعٌ ولا تعلُّقٌ برغبة ، ومن ذلك ليس في الأسد فتكٌ
ولا ضراوةٌ ولا جوعٌ ولا تعلقٌ برغبة ..
ونسي الشيخُ نفسه فكأنما رآهُ الأسدُ ميتاً ولم يجد
فيه (أنا) التي يأكُلُها ، ولو أن خطرةً من همِّ الدنيا خَطَرت على قلبهِ في
تلك الساعة أو اختلجت في نفسهِ خالجةٌ من الشكّ ، لَفَاحت رائحةُ لحمهِ في خياشيم
الأسد فتمزقَ في أنيابهِ ومخالبه ..
قال الراوي: وانصرفنا عن النظر في السبع إلى النظرِ في
وجه الشيخ ، فإذا هو ساهمٌ مُفكِّر . ثم رفعوه وجعل كلٌ منّا يظنُّ ظناً في تفكيره
، فمن قائلٍ أنه الخوفُ أذهلهُ عن نفسهِ ، وقائلٍ أنه الانصرافُ بعقلهِ إلى الموت
، وثالثٍ يقول إنه سكون الفكرة لمنع الحركة عن الجسم فلا يضطرب ، وزَعمَ جماعةٌ أن
هذه حالةٌ من الاستغراق يسحر بها الأسد ، وأكثَرنَا في ذلك وتجارَينا فيه ، حتى
سألهُ ابن طولون: ما الذي كان في قلبكَ وفيمَ كنتَ تفكر؟
فقال
الشيخ: لم يكن عليّ بأس ، وإنما كنتُ أفكرُ في لعاب الأسد ، أهو طاهرٌ أم نجس …